هل يكفر تارك الحج .. وتارك الصيام … ؟


س51: كيف الجواب عن قول عمر -رضي الله عنه- فيمن يجد مالاً ثم لم يحج أنه سيفرض عليه الجزية ثم قال: ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين .. وأظن هذا الأثر قد صح عنه، فهل تارك الحج كافر ؟ وإلا فما الصارف ؟ وما هو الدليل على عدم كفر تارك الصيام رغم كونه من أركان الإسلام ؟
          أرجو أن يتسع صدرك لنا فإنه يكاد يحصل بسبب هذا شقاق بيننا .. سائلاً المولى جل وعلا أن يؤلف بكلامكم قلوبنا، ويجمعنا على الحق آمين آمين آمين !

          الجواب: الحمد لله رب العالمين . ألخص الجواب على هذا السؤال في النقاط التالية:
1- بالنسبة للأثر المنسوب لعمر -رضي الله عنه- في سنده مقال لانقطاعه بين حسن البصري راوي الأثر  وبين عمر -رضي الله عنه- .. وعلى افتراض صحته فهو ينبغي أن يُحمل على التغليظ وبيان فداحة ذنب ترك فريضة الحج؛ لأن تارك الحج لو كان كافراً بتركه للحج لكان مرتداً والمرتد يُقتل حداً كما هو معروف ومنصوص عليه، لا تقبل منه الجزية فضلاً أن تُفرض عليه .. وعمر -رضي الله عنه- من أعلم الناس بذلك ..!
وفي قوله تعالى:] ولله على الناس حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين [ آل عمران:97. حمل أهل العلم الكفر الوارد في الآية على من يجحد فريضة الحج .. قال ابن كثير في التفسير: قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي من جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه ا- هـ .
2- في كفر تارك مباني الإسلام أو بعضها خلاف بين أهل العلم، قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 20/96: إن من الأئمة من يقتله ويكفره بترك كل واحدة من الخمس؛ لأن الإسلام بني عليها، وهو قول طائفة من السلف ورواية عن أحمد ..
ومنهم من لا يقتله ولا يكفره إلا بترك الصلاة والزكاة ..
ومنهم من يقتله بهما، ويكفره بالصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها كرواية عن أحمد ..
ومنهم من يقتله بهما ولا يكفره إلا بالصلاة ..
ومنهم من لا يقتله إلا بالصلاة ولا يكفره، كالمشهور من مذهب الشافعي ..
وتكفير تارك الصلاة هو المشهور والمأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين ا- هـ.
قلت: من خلال ما تقدم من كلام لشيخ الإسلام يظهر أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم .. وليس هي من المسائل التي لا تقبل إلا قولاً واحداً !
3- الراجح عندي أن المسلم لا يكفر إلا بترك الصلاة، وذلك لأمور:
منها: أن المسلم الذي دخل الإسلام بيقين لا يجوز أن يُخرج منه إلا بدليل يفيد اليقين .. ولما غاب النص الصريح الذي يفيد كفر تارك الحج أو الصوم أو الزكاة بيقين .. لزمنا الإمساك ـ ولا
بد ـ عن القول بكفر من ترك ركن من هذه الأركان .
ومنها: قد وردت بعض النصوص التي تصرف الكفر عن تارك الزكاة أو الصيام أو الحج .. لا بد من القول بها، والذهاب إلى دلالاتها .
كما في الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره، عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:” ما من صاحب كنزٍ لا يؤدي حقه إلا جعله الله يوم القيامة يُحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهتُه وجنبه وظهره، حتى يقضي الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار “.
فكونه يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار .. يفيد أنه ليس كافراً؛ إذ لو كان كافراً فليس له إلا النار والخلود فيها.
هذا في شأن تارك الزكاة وهو أشد ذنباً من تارك الصيام أو الحج ..! 
وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:” إن في الجنة باباً يُقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد “.
قلت: دل الحديث أن جميع الصائمين يدخلون من هذا الباب فإذا دخلوا منه أغلق ولم يدخل منه أحد غيرهم .. فدل أن غيرهم ـ ممن هم ليسوا من أهل الصيام ـ ليسوا بكفار؛ إذ لو كانوا كفاراً لأغلقت دونهم جميع أبواب الجنة وليس فقط باب الريان الخاص بالصائمين .. والله تعالى أعلم.
ومن الأدلة كذلك التي تفيد صرف الكفر عن تارك الصيام أو الحج أو الزكاة الأثر الصحيح عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال:” كان أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة” وهذا نقل يفيد الإجماع فيما كان الصحابة رضي الله عنهم يرونه من الأعمال كفراً وما لا يرونه كفراً .. حيث أفاد الأثر أنهم لم يكونوا يرون ترك شيء من الأعمال ـ لا الزكاة، ولا الصيام، ولا الحج ـ كفراً .. إلا الصلاة فأجمعوا على كفر تاركها، والله تعالى أعلم.
ونحن لا نقدِّم على اختيار الصحابة اختيار، ولا على قولهم وفهمهم قول وفهم ممن جاء بعدهم .. لذلك أفدنا في أول الجواب أن المسلم لا يكفر بترك شيء من أركان هذا الدين إلا بالصلاة .. والله تعالى أعلم .
4- أما قولكم بأنه يكاد أن يوجد شقاق بين الإخوان بسبب اختلافهم حول كفر تارك الصيام أو الحج ..!!
أقول: هذا الشقاق والتنافر ـ لو وقع بين الإخوان بسبب هذه المسائل لا قدّر الله ـ لا حظ فيه للحق البتة .. وهو كله للشيطان، وذلك أن أئمة العلم ـ وهم أتقى لله منا ـ قد اختلفوا على هذه المسائل كما تقدم من كلام ابن تيمية رحمه الله .. وما كان ذلك داعياً للشقاق أو التنافر أو التنابز فيما بينهم، بل كانوا في قمة التواد والاحترام بعضهم لبعض رغم ما كان بينهم من خلاف على كثير من المسائل ..!
فالاختلاف المحتمل والمنضبط بضوابط الشرع وآدابه مشروع .. وأن يؤدي هذا الاختلاف إلى الشقاق والبغضاء شيء آخر وهو غير مشروع .

          فأرجو من إخواني أن يتنبهوا لذلك .. وأن لا يدعوا للشيطان سبيلاً إليهم .. وجزاهم الله خيراً

Facebook Comments Box
تعليقات (0)
أضف تعليق