التوفيق بين آيتين

 

س899: قد أشكل علي التوفيق بين قوله تعالى:) لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة:8. وبين قوله تعالى:) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التوبة:5. فالآية الأولى تأمرنا بأن نبر ونحسن إلى الكفار والمشركين الذين لم يُقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا .. بينما الآية الأخرى تأمر بأن نقتل المشركين من دون استثناء حيثما وجدناهم .. فكيف نوفق بين هذا وذاك .. أرجو التوضيح عسى أن يُزال عني الإشكال، وجزاكم الله خيراً؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين. يجب أن يُعلم أن الأحكام الشرعية لا تؤخذ من نص أو نصين، وإنما تؤخذ من مجموع النصوص الشرعية ذات العلاقة بالحكم أو المسألة، من هذه الأحكام والمسائل، مسألة الجهاد، والقتل والقتال، وما سألت عنه .. فإن عُلم ذلك أقول:
العمل بمجموع النصوص ذات العلاقة بموضوع الجهاد والقتال، تلزمنا القول بأن الآية الأولى:) لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( يُراد بها جميع من يدخل من المشركين والكافرين في ذمةٍ، أو عهد، أو صلح، أو جوارٍ وأمانٍ مع المسلمين، والعكس كذلك كل مسلم يدخل في عهد، وأمان، وجوار الكافرين، يلزمه كذلك أن يبرهم ويقسط إليهم.
وكذلك أطفال ونساء وشيوخ المشركين ونحوهم ممن لا همة لهم في القتال وشؤونه، ولا رأي .. وإن لم يكن لهم سابق ذمة، وعهد وأمان مع المسلمين .. وكذلك أسرى المشركين عند المسلمين .. فهؤلاء جميعاً لا يوجد ما يمنع من برهم والإحسان إليهم .. وهم جميعاً معنيون من قوله تعالى:) أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (.
أما الآية الثانية:) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( فيُراد بها جميع من لم يدخل في الأصناف الآنفة الذكر من المشركين فهؤلاء هم المعنيون من هذه الآية الكريمة، وعليه يكون التأويل والتوفيق بين النصين ) فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ( ما عدا من دخل منهم في ذمتكم أو عهدكم، وجواركم وأمانكم .. وكذلك نساؤهم وأطفالهم وشيوخهم ونحوهم ممن لا شأن لهم بشؤون القتال والحرب ممن لم يسبق لهم عهد ولا ذمة ولا أمان مع المسلمين .. وكذلك الأسرى منهم عند المسلمين .. فهؤلاء جميعاً لا حرج ) أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ( بل هو عمل يحبه الله تعالى ويرضاه ) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (.
مع التنبيه أن البر والقسط شيء .. والموالاة شيء آخر، لا يخلط بينهما إلا جاهل.
بهذا التفصيل أرجو أن يكون قد وضح لكم التوفيق بين النصين، وزال عنك إشكال التضارب والتعارض بينهما إن شاء الله.
Facebook Comments Box
تعليقات (0)
أضف تعليق