موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة في مَآلِ الميِّت

0 179

مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة في مَآلِ الميِّت

بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد.
      هذا مختصر مفيد في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في مآل الميت، وما له من وعد أو وعيد، فأقول:
      1- قد تضافرت أدلة الشريعة الإسلامية وقواعدها على أن مَن مات من أهل القِبلةِ ــ وأقل أحواله أن يكون ممن يشهدون شهادة التوحيد، ويُقيمون الصلوات الخمس ــ لا يُشهَد له بجنة ولا نار، مهما كان صالحاً أو عاصياً .. يُترك أمره لمشيئة الله؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه، كما قال تعالى:[إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ] النساء:48. قكل ذنب ــ عدا الشرك ــ وكل مُذنب ــ عدا المشرك والكافر ــ يُترك لمشيئة الله تعالى، لا يُجزم له بعفو ولا عقاب.
      2- مَآل المعذَّب من أهل القِبلة ــ مهما كثرت ذنوبه، وطال عذابه ــ الخروج ــ بإذن الله ومشيئته ــ من النار، ودخول الجنَّة .. فلا يُخلَّد في النار مسلم موحد مهما كان منه من عمل غير صالح.
      3- لا يُشْهَدُ لمعيَّنٍ من المسلمين ــ حتى لو كان من الصالحين، وقتل في ساحة المعركة على يد الأعداء ــ بأنه شهيد، وإنما يُعلَّق حاله ومستقبله بالمشيئة؛ فيقال: نسأل الله أن يكون شهيداً .. إن شاء الله يكون شهيداً .. الله أعلم بمن يكون شهيداً؛ وذلك أن من شروط الشهادة أعمالاً قلبية تتعلق بالإخلاص لا يعلمها إلا الله .. كما في الحديث: “لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبيلِ اللهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بمَن يُكْلَمُ في سَبيلِهِ، إلَّا جاءَ يَومَ القِيامَةِ وجُرْحُهُ يَثْعَبُ؛ اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، والرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ” متفق عليه. وفي صحيح البخاري باب “لا يُقال فلانٌ شهيد”، وأدرج أسفل منه الأحاديث ذات العلاقة بموضوع هذا الباب.
      4- لا نشهد لأحدٍ بعينه بأنه شهيد أو من أهل الجنة إلا من ورد بحقه نص، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؛ كالعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم.
      5- نشهد على عموم أهل الإيمان والإسلام ــ من غير تعيين لأحدٍ منهم بعينه ــ أنهم من أهل الجنة .. فنقول: المؤمنون والمسلمون في الجنة .. وأن قتلاهم في المعارك مع الأعداء شهداء .. وقتلى المسلمين في معركة كذا وكذا شهداء، وفي الجنة، ونحو ذلك.
      6- كل من يموت على الكفر والشرك ــ مهما كان منه من عمل صالح في دنياه ــ نشهد له بعينه بأنه من أهل النار، ومن المخلّدين في النار، كما قال تعالى: [وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ]المائدة:5. وقال تعالى:[وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ]الزمر:65. وقال تعالى:[وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ]التوبة:68. وقال تعالى:[وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] التغابن:10. وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ] البينة:6. وغيرها من الآيات.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يَا بِلَالُ، قُمْ فَأذِّنْ: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا مُؤْمِنٌ” البخاري. وقال صلى اللهُ عليه وسلم: “والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِن هذِه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كانَ مِن أصْحابِ النَّارِ” مسلم.
      7- لا يجوز أن يُدعَى للكافر بعد موته بالرحمة والمغفرة، مهما كان من المقربين، أو كان منه من عمل صالح، ولو حصل شيء من ذلك فالدعاء لا يصل الميت ولا ينفعه، وهو مخالف لقوله تعالى: [مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ] التوبة:113. وقال تعالى:[اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ] التوبة:80.
      وفي الحديث، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعانَ ــ وكان قد مات على الكفر والشرك ــ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهلْ ذاكَ نافِعُهُ؟ قالَ: لا يَنْفَعُهُ؛ إنَّه لَمْ يَقُلْ يَوْماً: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ “مسلم.
      8- نحكم على الكافر بعينه في حياته بأنه كافر، ولا نحكم عليه قبل موته بأنه من أهل النار؛ لاحتمال حسن خاتمته، وتوبته، ودخوله في الإسلام .. وإنما في حياته ندعو ونرجو له الهداية، وأن يشرح اللهُ صدره للإسلام.
      9- فإن قيل: هذا الكافر المشرك الذي يموت على الكفر، الذي حكمنا عليه بعينه بأنه من أهل النار، قد يكون بينه وبين الله مسلماً، ونحن نجهل ذلك؟
      أقول: في هذه الحالة لا إثم ولا حرج على من يحكم عليه بأنه من أهل النار، فهو معذور؛ لأنه اعتمد الظاهر، وأعمل الأدلة الشرعية .. وفي نفس الوقت هذا الحكم لا يلحق بالميت، ولا يؤثر عليه شيئاً؛ فالحكم أولاً وآخراً لله عز وجل .. كما في الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأعرابي: “حيثُما مررتَ بقبرِ مشرِكٍ فبشِّرْهُ بالنَّارِ، فأسلمَ الأعرابيُّ بعدُ وقالَ لقد كلَّفني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ تعباً؛ ما مررتُ بقبرِ كافرٍ إلَّا بشَّرتُهُ بالنَّارِ ” صحيح سنن ابن ماجه:1288. وهذا لإعرابي قد يحطئ في حكمه على قبر من القبور، وهو لا يعلم .. فلا حرج عليه .. كما أن حكمه لا يضرُّ الميت شيئاً.
      10- نشهد بأن عذابَ القبر ونعيمه حق؛ فهو للمؤمنين روضة من رياض الجنة، وللكافرين حفرة من حفر النار .. كما نشهد ــ شهادة عامة من غير تعيين ولا تحديد ــ أن من عصاة المسلمين من يُعذّب في القبر على بعض المعاصي والذنوب، كان قد اقترفها في حياته، ولم يتب منها.
      نسأل الله تعالى السلامة، وحسن الختام، وأن يعفو عنّا، ويغفر لنا، ويرحمنا .. إنه تعالى على ما يشاء قدير .. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي “
13/10/1443 هـ. 14/5/2022 م.
www.abubaseer.bizland.com

Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.