موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

التَّعاهُد على الشَّفاعة

0 35

التَّعاهُد على الشَّفاعة

        نُقل لي عن أحد الشيوخ القُرَّاء، المشهور بتدريس القراءات عبر قناة اقرأ، وغيرها، أنه يحض الناس على أن يتعاهدوا فيما بينهم في الدنيا، على أن الناجي منهم يوم القيامة يشفع لغير الناجي .. ويأخذ بيد من عاهده يوم القيامة .. ويقول يا رب أنا عاهدت فلاناً وفلاناً، وفلاناً، أريد أن أخرجهم من النار؛ لأنني قد عاهدتهم .. ثم يقول عن نفسه أن هذا العهد قد أخذه من أكثر من خمسين شيخ، وعالم، ومقرئ .. وبعضهم أخذ منهم العهد على ذلك في جوف الكعبة .. مرغباً الناس أن يحذوا حذوه، ويفعلوا فعله!
        وقد راجت مقولته هذه على بعض الناس، وقد رُوجِعت فيها .. وعليه، فأقول: كلام الشيخ أعلاه خطأ، يترتب عليه ثلاثة مزالق قد حذرت منها الشريعة الإسلامية.
        أولها: يترتب على مثل هذا النوع من التعاهد تزكية النفس على الله؛ إذ كيف يحكم ويقرر ــ أو حتى يفترض ــ أنه هو أو صاحبه الذي يعاهده ويبايعه سيكون من الناجين يوم القيامة .. أو أن الخمسين شيخاً الذين ذكرهم سينجون أو سيكون منهم ناجين .. وأن النجاة لا محالة ستكون من نصيبهم أو نصيب بعضهم .. أو هو الشيخ نفسه سيكون من الناجين .. فهذه تزكية جريئة للنفس على الله، والله تعالى يقول:[ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ]النجم:32.
        ثانيها: أن مثل هذا التعاهد يتضمن تألِّيَاً على الله؛ وصورته أن الناجي من المتعاهدين ــ على افتراض نجاته ــ إما أن يأذن الله له أن يَشفع، وإما أن لا يأذن له أن يشفع .. فهو بين خيارين كلاهما غيب، لا يَعلم من أي الفريقين سيكون إلا الله سبحانه وتعالى، فليس كل ناجٍ يحق له أن يشفع .. إن شاء الله أذن له، وإن شاء لا يأذن له .. فمرد الأمر كله لله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:[ قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ]الزمر:44. [ يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ]طه:109. [ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ]البقرة:255. وبالتالي عندما يُعطي عهداً في الدنيا إن كان من الناجين سوف يشفع لفلان وفلان من أصحابه ومعارفه، وبحدد أسماءهم .. فهو بذلك يتألّى على الله؛ كيف عرف أنه سيؤذَن له بالشفاعة ــ حتى لو كان من الناجين ــ ثم كيف عرف أنه سيؤذن له في أن يَشفع لمن يريد ممن قد عاهدهم .. مَن أعلمه وأطلعه عمَّا في نفس الله عليه، قال عيسى عليه السلام:[ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ]المائدة:116. وفي الحديث:” أنَّ رَجُلًا قالَ: واللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ، وإنَّ اللَّهَ تَعالَى قالَ: مَن ذا الذي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ، فإنِّي قدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ، وأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ “مسلم. ووجه الاستدلال بهذا الحديث، أن فلاناً المذنب واقعه متروك لمشيئة الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه .. وإن شاء الله هداه وتاب عليه قبل موته .. ولما المتألّي حكم عليه بحكم واحد ومحدد؛ وهو أن الله لا يغفر له .. أحبط الله عمله بسبب مقولته الآثمة هذه!
        ثالثها: هو قول مُحْدَث، وعملٌ مُحدَث، ليس من دين الله في شيء، ولم يفعله أحدٌ من الصحابة ولا أحد من التابعين .. وما كان كذلك فإنه يُرَد، ولا يُلتفَتُ إليه، كما في الحديث:” مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ “متفق عليه.

 

عبد المنعم مصطفى حليمة

أبو بصير الطرطوسي
30/4/2022

Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.