موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

أجوبة على أسئلة وجهت من قِبل مجلة الكلمة الطيبة

0 110

بسم الله الرحمن الرحيم  
          أخانا الفاضل رئيس تحرير مجلة الكلمة الطيبة، حفظه الله .
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد .
          فقد وصلت رسالة من طرفكم عن طريق الفاكس، تتضمن بعض الأسئلة تريدون الإجابة عليها، وها أنذا أجيبكم عليها بما أعتقده صواباً، فإن أصبت فمن الله تعالى وتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله . 

          س1 : كيف ترون مستقبل الحركة الإسلامية في ظل الظروف الدولية الراهنة ؟
          ج : لكي نستقرئ مستقبل الحركة الإسلامية ـ بجميع أطرافها واتجاهاتها ـ لا بد من إلقاء الضوء على واقع وحاضر الحركة، ثم عسانا بعد ذلك نتلمس السبيل للخروج مما تعاني منه الأمة والحركة سواء .
          وبشيء من التأمل نجد أن الحركة الإسلامية المعاصرة تعاني من المزالق والمخاطر التالية :
          1- التعدد الضخم والمتزايد للجماعات العاملة على الساحة الإسلامية، من غير مبرر شرعي يستدعي ذلك، مما يفقد مصداقية هذه الجماعات ـ الصالحة منها والطالحة ـ في نظر الناس، حيث يصعب عليهم الاختيار ..‍‍ ‍! 
          2- التباين العقائدي، والفكري، والسياسي بين هذه الجماعات، مما يوسع رقعة الخلاف والتدابر، والتنافر .. !
          3- انقسام نظرة الدعاة حول الطواغيت والأنظمة الطاغية الحاكمة لأمصار المسلمين، وهذه مشكلة كبيرة لا يمكن التقليل من أهميتها .. !
          4- التشويه المقصود لكثير من المفاهيم والقيم الإسلامية الهامة، مما يجعل كثيراً من الدعاة المخلصين الصادقين ينصرفون عن غاياتهم العظمى لتصحيح هذه المفاهيم والقيم في أذهان وعقائد الناس ..ومن يتأمل أدبيات الحركة الإسلامية يجد أكثرها حرباً حول المفاهيم، والمصطلحات والتعريفات.. !!
          5- الحملة الدعائية الواسعة التي تقوم بها أجهزة إعلام الكفر والطغيان في الأرض، لتشويه صورة الإسلام، والعاملين بجد وإخلاص لهذا الدين ..!! 
          6- وجود الاتفاق الدولي على حرب الإسلام والمسلمين، وبجميع الوسائل المتاحة لهم، تحت عناوين مكافحة الإرهاب، والعنف، والتطرف، والأصولية وغير ذلك ..!!
          ففي الزمن الماضي القريب حاربوا الحركة الإسلامية تحت عناوين مكافحة الرجعية، وعملاء الإمبريالية، والصهيونية والاستعمار .. ولما فقدت هذه العناوين بريقها ومصداقيتها لجأوا إلى عناوين أخرى كالإرهاب، والعنف، والتطرف، والأصولية وغير ذلك، وغداً لا ندري بماذا سيطالعنا كيدهم ومكرهم، وحقدهم من أوصاف وإطلاقات جائرة، واتهامات ..!!
          7- غياب الوعي العقدي الصحيح لدى كثير من الدعاة المعاصرين، الذي يحفظهم من الوقوع في ضروب الشرك المتنوعة، والواسعة الانتشار في هذا الزمان .. !!
          8- قدرة الأنظمة الطاغية المعادية للإسلام على احتواء عدد من الدعاة، والحركات الإسلامية الواسعة الانتشار، وتحييدها عن معركة الصراع والمواجهة ..!!
          9- غياب الاتفاق الضروري بين الدعاة والجماعات العاملة للإسلام على الوسائل التي تعين على التغيير، واستئناف حياة إسلامية ..!!
          10- غياب القيادة الربانية الهمَّامة التي تجتمع عليها الكلمة، والتي تكون على مستوى قيادة وهموم وآلام الأمة .. !!
          هذا تعريف مجمل بواقع الحركة الإسلامية، وهو واقع ـ بلا شك ـ غير مرضي، ولا يسر الصديق، وإن لم يحصل استدراك سريع ـ تجتمع علية جميع الطاقات الصادقة ـ للثغرات التي يعاني منها العمل الإسلامي ككل، ويكون على مستوى التحدي والمواجهة للمعركة المثارة ضده، فإن المستقبل ـ على الأقل ـ القريب لن يكون كذلك مرضياً، ولا مريحاً، والتكاليف ستكون ضخمة وباهظة، وهذا ليس من باب الضرب في الغيب، وإنما هي السنن ونواميس الأخذ بأسباب النصر والتمكين التي شرعها الله تعالى للعباد، تدل على ذلك .. 
          س2: ما هي في نظركم أولى المهام التي يجب أن تكون في سلم أولويات الحركة الإسلامية المعاصرة ؟
          ج : لتشخيص أولويات العمل الإسلامي للحركة الإسلامية المعاصرة، لا بد أولاً من تشخيص أعظم الأدواء والأمراض التي تعاني منها الأمة، وعلى ضوء ذلك تتحدد معنا الأولويات والمهام، ويتحدد الدواء ..
          وبشيء من التأمل والتمحيص نجد أن أعظم الأدواء والأمراض، والانحرافات التي تعاني منها الأمة هي ثلاثة أشياء، نذكرها بالترتيب :
          1- انتشار الشرك في الأمة، واستعلاء أمره وحكمه على البلاد والعباد، الشرك بكل أنواعه وأصنافه وضروبه؛ شرك القبور، وشرك القصور، الشرك الناتج عن المفاهيم الوثنية السائدة بين الناس في هذا الزمان، كالديمقراطية، والإنسانية، والقومية، والوطنية، والقبلية، والعرقية التي تغيب الولاء العقدي الديني، والتي فيها وعليها تعقد المحبة والولاء والبراء، والحقوق والواجبات ..
          وهذه مفسدة لا تعلوها مفسدة، وظلم لا يعلوه ظلم، كما قال تعالى:] إن الشرك لظلم عظيم [ ، وقال تعالى:] والفتنة أشد من القتل[ ؛ أي الشرك والكفر ..
          2- غياب السلطان المسلم الذي يحكم الدنيا بما أنزل الله، ويحفظ للمسلمين بيضتهم ودولتهم، ويقاتل دونهم، ويذود عن حرماتهم .. مما أدى إلى إقصاء دين الله عن موقع الحكم والتنفيذ، وإلى ضياع المسلمين، وتيهانهم في الأرض كتيهان بني إسرائيل من قبل؛ حيث لا أرض تأويهم، ولا ملاذ آمن يركنون إليه، ولا حرمة لهم ولا لدينهم، كل ذلك بسبب غياب السلطان المسلم الذي يسوس الدنيا بدين الله تعالى ..
          لذا فهي مشكلة ـ من وجهة نظري ـ تأتي بعد ظاهرة استفحال الشرك وعلو أمره من حيث الخطورة والأهمية ..
          3- ظاهرة تفرق المسلمين في جماعات وأحزاب، وطرق متنافرة متدابرة، ومتباغضة .. وهي ظاهرة مرضية خطيرة لا يمكن الاستهانة بها، يصعب معها تحقيق شيء من أهداف وغايات الإسلام الكبيرة والعظيمة، إضافة إلى ذلك فهي سبب لكل ضعف أو هزيمة حصلت أو قد تحصل للمسلمين في المستقبل .. 
          هذه أهم وأبرز الأمراض والأخطار التي تعاني منها الأمة، وعليه فإنه يسهل علينا بعد ذلك تحديد الدواء والعلاج، وأولويات العمل الإسلامي، ونلخصها في النقاط التالية وبالترتيب حسب الأهمية : 
          1- العمل الدؤوب على نشر التوحيد بكل أقسامه وفروعه، من دون حذف أو إهمال لشيء من مواضيعه وعلومه، وهذا يستلزم محاربة ومواجهة كل ما هو ضده من ضروب الشرك والكفر ..
          العمل الحثيث الجاد على إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ..
          وهذه مهمة عظيمة ـ لا يجوز أن ينشغل عنها الدعاة بشيء ـ لأجلها خلق الله الخلق، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين ..
          قال تعالى:] وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[ . 
          وقال تعالى:] وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون[.
          وقال تعالى:] ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت[.
          لذا كان لأجلها تُسل السيوف، ويعلن الحرب والسلم، ويعقد الولاء والبراء، وفي سبيلها تُبذل الأرواح والمهج، ويرخص كل غال ونفيس .
          إنها قضية لا بد أن تحسم أولاً مع الطواغيت كل الطواغيت : من المعبود المألوه المطاع بحق في الوجود، هم أم الله الواحد القهار ؟!
          إنها قضية ـ مهما طال الزمن ـ لا يمكن تجاوزها، أو الانشغال عنها بالفرعيات وبما دونها من المسائل، قبل أن نُعطى عليها إجابة صريحة من الناس كل الناس، حكاماً ومحكومين ..
          وهي قضية على أهميتها وعلو شأنها في الإسلام، نجد كثيراً من الدعاة ـ رهبة أو رغبة ـ ينشغلون عنها بالفرعيات والمسائل التي ليس وراؤها كبير طائل، ويرضون من دونها بالفُتات الزهيد الذي يُرمى لهم من هنا وهناك .. ثم بعد ذلك يحسبون أنفسهم على شيء !!
          إنها بحق غاية الغايات التي يجب النفور والعمل لها على جميع المستويات؛ على مستوى الدول والجماعات والأفراد، وكل بحسب استطاعته وموقعه، وأي تقصير من أي طرف فإنه لا يبرر تقصير الطرف الآخر..
          2- العمل الجاد على استئناف حياة إسلامية وعلى منهاج النبوة، وعلى إيجاد السلطان المسلم الذي يحكم العباد بدين رب العباد ..
          وهذا أمر ـ كما تقدم ـ كثير من أحكام وواجبات الدين وشرائعه لا تقوم لها قائمة من دونه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ..
          لذا نص أهل العلم على وجوب تعيين خليفة وإمام على المسلمين، يسوسهم بدين الله لا بالهوى وشرائع الطاغوت ..
          قال النووي: أجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة . انتهى .
          وقال الماوردي: عقد الإمامة لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع . انتهى .
          وقال القرطبي: ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة . انتهى .
         وقال الهيثمي في الصواعق: اعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول اللهصلى الله عليه وسلم .     وقال ابن تيمية: يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها . انتهى .
          وقال الإمام أحمد: الفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر المسلمين . انتهى .
          قلت: ما دام الأمر بهذه الدرجة من الأهمية، لا شك أنه يستحق من المسلمين في هذا الزمان ـ زمن غياب السلطان المسلم الذي يحكم بالإسلام ـ أن يعنوه أهميتهم، ويجعلوا له الأولوية، من حيث العمل والدعوة والبيان، بعد التوحيد، ولا أرى تعارضاً أو مانعاً أن يعمل للهدفين معاً، وبخاصة أن الهدف الثاني يأتي كوسيلة لا بد منها لإعلاء كلمة التوحيد على مستوى الدول والمجتمعات ..
          ويكفي للعاقل حتى يدرك أهمية هذا الكلام، أن يتأمل الضريبة الباهظة التي يدفعها المسلمون من دينهم، وأنفسهم، وأموالهم وأعراضهم وكرامتهم بسبب غياب الدولة المسلمة، والسلطان المسلم.
          3- العمل على التقليل من فرقة المسلمين قدر الاستطاعة، وتوحيد كلمتهم ـ على الكتاب والسنة وفهم السلف ـ في جماعة واحدة إن أمكن ذلك ..
          فوحدة المسلمين واعتصامهم بحبل الله جميعاً مطلب شرعي يحبه الله تعالى ويرضاه، وهو مطلب لغيره حيث لا يتم النصر والتمكين، والاستخلاف إلا به ..
          فهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بما تقدم من أولويات، وسبب لها؛ فالخلافة والإمامة، والدولة، والتمكين والقوة وغيرها من المعاني الشرعية لا تتحقق إلا بالوحدة، والاجتماع والاعتصام بحبل الله جميعاً ..ولا تطمع مجموعة أو جماعة بمفردها أن تحقق الكثير لهذا الدين ولهذه الأمة . 
          لذا ترانا أدرجناه من جملة الأولويات التي ينبغي على الحركة الإسلامية ـ جماعات وأفراد ـ أن يعنوها اهتمامهم ورعايتهم، وأن يقلقوا لأجلها .. 
          س3- هل يمكن أن يكون هناك ميثاق تعاون بين الجماعات الإسلامية بعضها ببعض ؟ وكيف ذلك ؟
          ج- نعم يمكن ذلك وأكثر منه، فالله تعالى لا يكلف عباده بأمرٍ وهو يعلم أنه لا طاقة لهم به ولا استطاعة..
          ولكن عند الشروع بمثل هذا العمل الهام، لا بد من الانتباه إلى أمرين هامين :
          أولهما: أن يكون هذا الميثاق ـ بادئ ذي بدءٍ ـ شاملاً وضاماً للجماعات التي يوجد فيما بينها انسجام من حيث العقائد والأفكار والمناهج، والوسائل ..
          وأراها أن تكون هذه المحاولة أولاً مع الجماعات والاتجاهات الجهادية السلفية، وبعدها يجرى الحوار مع الجماعات والاتجاهات الأخرى، ومحاولة إقناعهم وأطرهم إلى هذه الوحدة على أساس المنهاج السلفي الجهادي المذكور آنفاً، ولا أرى أن يكون الاجتماع لغرض الاجتماع، على حساب العقائد والمناهج والمبادئ ..
          ثانياً: عند القيام بعمل توحيدي للجهود كالعمل المطروح والمسؤول عنه، لا بد من مراعاة المبادئ والأسس التي تعين على الاجتماع ووحدة المسلمين، بطريقة صحيحة تقل فيها الثغرات .
          من هذه المبادئ والأسس التي ينبغي الاتفاق عليها أولاً من قبل جميع الأطراف:
          1- الاتفاق على الحكَم والمرجعية التي ترد إليها النزاعات والخلافات التي يمكن أن تحصل بين الجماعات والأطراف المتآلفة والمجتمعة، ولا أراه إلا أن يكون الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، لدلالة النصوص الشرعية على ذلك..
          2- التجرد من أي انطلاقٍ غير شرعي، بحيث يكون النص الشرعي ـ قال الله قال رسوله ـ أحب إلينا من أهوائنا، وآرائنا، وأحزابنا، وأشياخنا، وعشائرنا، وأوطاننا، وأقوامنا، ومن أنفسنا ومصالحنا الذاتية، فلا يمنعنا شيء من ذلك عن متابعة الحق ونصرته ..
          3- وضوح الرؤية لواقع الأمة، وتحديد الأولويات للعمل الإسلامي، وقد تقدمت الإشارة
الإشارة إلى ذلك عند الإجابة على السؤال الثاني .
          4- ترشيد النصح فيما بين المسلمين، ومراعاة ضوابط فقه الاختلاف، فلا تُرفع راية الانقسام والتفرق، وتشكيل الجماعات من جديد لأدنى خلاف يمكن أن يحصل بين الجماعات ..!!
          فوحدة الأمة واجتماع كلمتها أصل من أصول الدين، لا يُفرط به إلا لأصل أعظم منه وأوكد، ولا أراه إلا أصل التوحيد، هذا ما يقتضيه قوله صلى الله عليه وسلم : ” وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ” وقوله صلى الله عليه وسلم : ” لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ” .
          5- الشمولية، والمقصود أخذ الإسلام بشموليته من دون إهمال لشيء منه، أو التفريط بشيء من جوانبه، أو التركيز على عمل بعينه دون بقية الأعمال بحيث تُعرف الجماعة به، وتأخذ اسمه ووصفه ..!! 
          6- اعتماد وسيلة الجهاد في سبيل الله للتمكين والتغيير، وإعلاء كلمة الله في الأرض، وهذا مبدأ لا بد من الاتفاق عليه مسبقاً لدلالة النصوص الشرعية عليه، ولضمان استمرارية وحدة الجماعة من دون أن تتعرض لهزات تهدد وحدة وسلامة الجماعة ..
          هذه هي أهم المبادئ والأسس التي تضمن ـ بإذن الله تعالى ـ انسجام ووحدة الجماعة من دون وجود التناقضات والتغايرات التي لا تُؤمن عواقبها . ذكرناها على وجه الإجمال والاختصار، لأن المقام هنا لا يسمح لغير ذلك، وشرحها وتفصيلها له موضع آخر .
22/11/1419.                                                        عبد المنعم مصطفى حليمة
8/3/1999.                                                                      أبو بصير
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.