موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

كبوة فارس مناقشة قول أبي محمد المقدسي في مسألة العذر بالجهل والرد عليه

0 4٬008

 

بسم الله الرحمن الرحيم
          إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .
          وبعد، فقد اطلعت على كلام لأخينا الشيخ أبي محمد المقدسي ـ حفظه الله وفك أسره ـ مفاده أنه لا يعذر من يقع في الشرك المنافي للتوحيد بالجهل أو بأي مانع آخر ـ سوى الإكراه ـ ويرى أن أي امرئٍ يقع في الكفر أو الشرك هو كافر بعينه، وهو من أهل العذاب والنار يوم القيامة، وإن لم تبلغه الحجة من جهة نذارة الرسل فيما قد خالف فيه؛ لأنه محجوج من جهة حجة الآيات الكونية الدالة على الخالق سبحانه وتعالى، وحجة الفطرة، وحجة الميثاق الذي أخذه الله من ذرية آدم ـ يوم أن خلقه ـ وأشهدهم على نفسه سبحانه وتعالى بالوحدانية ..!

 

          ولما كان هذا القول ـ إضافة لمخالفته للنصوص الشرعية وما عليه جماهير العلماء الموحدين ـ متكأ لكثير من غلاة هذا العصر ـ على غير علم من الأخ ـ فيما هم عليه من الغلو والتنطع، الذين يلغون اعتبار موانع التكفير مطلقاً كمانع من تكفير المعين .. بحجة أن جاهل التوحيد أو شيء من متطلباته لا يعذر بالجهل، ولا يشترط لتكفيره ـ والحكم عليه بالخلود في النار ـ قيام الحجة عليه من جهة بلوغ نذارة الرسل؛ لأن الحجة قائمة عليه من جهة حجة الميثاق، وحجة الفطرة ..!
          والشيخ ـ حفظه الله ـ لم يكن قصده نصرة الغلاة فيما هم عليه من الغلو والتنطع .. فليس هذا من شأنه أو منهجه، بل عهدناه ـ ولله الحمد ـ من خلال كتاباته القيمة النافعة حرباً على الغلو والغلاة كما هو حرب على الإرجاء والمرجئة سواء .
          ونحسب ما صدر عن الأخ في المسألة ما هو إلا عبارة عن كبوة غير مقصودة .. ولكل فارس ـ لا محالة ـ كبوة؛ لأجل ذلك كله ومن قبيل النصح الواجب بين المؤمنين، وبيان الحق الذي نعتقده في المسألة .. نخط هذه الكلمات مستعينين بالله تعالى وحده .
          وقبل أن ندخل في الرد ومناقشة المسألة لا بد أولاً من ذكر كلام أخينا أبي محمد بنصه كما ورد في بعض كتاباته، ثم بعد ذلك ـ إن شاء الله ـ نشرع في الرد والبيان .
          قال الأخ في رسالة له بعنوان ” النكت اللوامع في ملحوظات الجامع([1]) ” يرد فيها على بعض ما جاء في كتاب ” الجامع لطلب العلم الشريف ” لكاتبه الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز حفظه الله:[ قوله ـ أي صاحب الجامع ـ ( ص 498 ) في مانع الجهل محتجاً بقوله تعالى: ] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [ الإسراء:15. فلا عذاب في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد البلاغ ا-هـ .
          فهذا إطلاق فيه نظر والواجب تقييده بما لا يُعرف إلا عن طريق الحجة الرسالية، إذ أن أصل التوحيد الحنيفية، قد أقام الله فيه الحجة البالغة، فمن لم يحقق أصل التوحيد، بل نقضه ومات على الشرك والتنديد، فهو معذب في الآخرة دون شك .
          ويدل على هذا أدلة كثيرة .. ( ساق منها حديث الرجل من بني النجار الذي عُذب في قبره، وكان دفن في الجاهلية .. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لرجل: إن أبي وأباك في النار .. وقوله للأعرابي: حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ..) .
          إلى أن قال: وهؤلاء من القوم الذين قال الله تعالى فيهم: ] لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون [ السجدة:3. وقال تعالى: ] لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون [ يس:6. فصح بنص الوحي أن هؤلاء قوم معذبون في الآخرة، مع أنهم ما أتاهم نذير وأنهم غافلون بنص التنزيل .. وهو دليل على أن من نقض أصل التوحيد من المكلفين ومات على الشرك الصراح والتنديد، أنه معذب في الآخرة وإن لم يأته نذير ، لأن أصل التوحيد مما استقر في فطر الخلق وقامت عليه حجج الله المختلفة وبُعث رسل الله جميعاً له، وأنزلت كتب الله كلها من أجله ([2]) ..! 
وآية الإسراء كما نقل الشوكاني في فتح القدير عن الجمهور إنما هي في عذاب الدنيا لا الآخرة ، وهي مثل قوله تعالى:] وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون [ القصص:59.
ومما يتبع هذا الموضع ما انتقده المصنف ( 543 ) على صاحب ” ضوابط التكفير ” في كلامه في أن الأصل في الحجة على الناس في التوحيد هو الفطرة والميثاق الذي أخذ منهم .. أما حجة الرسل فهي فيما يناقض الالتزام التفصيلي بالشريعة .. مع أن هذا الكلام حق لا غبار عليه إن أريد به أصل التوحيد واجتناب الشرك الأكبر، دون تفاصيل التوحيد وفروعه التي لا تُعرف إلا عن طريق الرسل . 
وقد انتقد المصنفُ صاحبَ الضوابط في قوله: بأن من نقض التوحيد فهو معذب في الآخرة حتى وإن لم تقم عليه الحجة الرسالية، لقيام حجج الفطرة والميثاق وغيرها، واستدل مرة أخرى هناك بآية الإسراء:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [ الإسراء:15. وأورد كلاماً للشنقيطي حولها ..
وقد عرفت أن المراد بالعذاب فيها عذاب الاستئصال الدنيوي وعلى ذلك جمهور المفسرين، وأن النصوص قد أثبتت أن هناك من يعذب في الآخرة لموته على الشرك الأكبر، وعدم تحقيقه للتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وإن لم يأته رسول خاص، إذ أن هذا الأصل بعث به الرسل كافة، وأنزلت به الكتب كلها، واتفقت وتواترت عليه الشرائع([3]) ..!!
أما الشنقيطي فواضح من تركيزه فيه على موضوع العقل ونصب الأدلة، أنه يرد على المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام الذين أوجبوا معرفة الله بالأدلة العقلية وهذا موضوع آخر غير ما نحن فيه .. 
وكذلك ( ص545 ) ساق المصنف الآيات التي فيها سؤال خزنة جهنم لداخليها: ] ألم يأتكم رسل ..[ ليستدل على أنه لا يدخل النار إلا من جاءه رسول .. وهذا حق خرج مخرج الغالب لا العموم، يدل على ذلك قوله تعالى:] لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون [ يس:6. مع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لبعضهم أنهم في النار . 
وقال في رسالته ” كشف الشبهات ” : وذلك لأن الشرك الأكبر المناقض للحنيفية السمحة وهو صرف شيء من العبادة الظاهرة لغير الله عز وجل أمر لا يُعذر فاعله بالجهل أصلاً فقد أقام الله عز وجل عليه حجته البالغة من أبواب شتى ..(  ثم ذكر منها الأدلة الكونية الظاهرة .. وحجة الميثاق الذي أخذه سبحانه وتعالى على بني آدم .. وحجة الفطرة .. ثم أضاف إليها حجة نذارة الرسل والكتب!! .. ولا ينبغي إقحامها في هذا الموضع .. وقد تقدم التعليق عليه فانظره ) . 
إلى أن قال: ومع هذا يأتي بعض من لا يعرفون من الدين إلا الاسم ولا من معالمه إلا الرسم يطالبون بإقامة الحجة في باب الشرك الواضح المستبين والتوحيد الذي هو أحق حقوق الله على العبيد .. وربما أقاموا على ذلك شبهاً بآيات يضعونها في غير موضعها كقوله تعالى:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [ يريدون: أنه لا تكفير إلا بعد إقامة الحجة في كل باب حتى في الشرك الأكبر الواضح المستبين . وليس في هذه الآية وجه دلالة على قولهم الفاسد هذا فالله جل ذكره لم يقل ” وما كنا مكفرين حتى نبعث رسولاً “، وإنما قال:] معذبين [ والمقصود بذلك عذاب الاستئصال الدنيوي .. ]. انتهى الاقتباس من كلام أخينا الشيخ أبي محمد، وقد أكثرنا في ذلك ليُعلم مذهبه في المسألة على وجه التفصيل والتدقيق .. وإليك الرد والتعقيب على ما تقدم من كلامه .
         
ـ الرد والتعقيب على كلام أبي محمد المتقدم .  
          يُرد على كلام أخينا أبي محمد المتقدم الذكر من أوجه عدة، نلخصها في النقاط التالية:
          أولاً: أن أدلة الكتاب والسنة قد دلت دلالة قطعية صريحة أن العذاب في الآخرة لا يكون إلا على من بلغته الحجة الرسالية، وقامت عليه الحجة من جهة نذارة الرسل، وإليك بعضها:
          أدلة القرآن الكريم:
          الدليل الأول: قال تعالى:] وسِيق الذين كفروا إلى جهنم زُمراً حتى إذا جاءوها فُتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسلٌ منكم يتلون عليكم آيات ربكم ويُنذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين [ الزمر:71.
          فقوله تعالى:] وسيق الذين كفروا [ من صيغ العموم التي تفيد كل الذين كفروا من دون استثناء .. وجميعهم يقرون ويعترفون أنهم قد بلغتهم نذارة الرسل وأنهم استحقوا هذا العذاب الأليم بعد ردهم لنذارة الرسل وإعراضهم عنها .
          وهذا بخلاف ما قرره الأخ من أن المراد من هذه الآية ومثيلاتها ” الغالب لا العموم! “؛ أي أن الذين يقرون ويعترفون بأنهم قد بلغتهم نذارة الأنبياء والرسل هم غالب أهل النار وليس كلهم ..!
          فهذا قول بخلاف ما دلت عليه صيغة الآية التي تفيد العموم، وما نص عليه أهل العلم؛ قال الشنقيطي في أضواء البيان2/337:          ومن ذلك أنه تعالى صرح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار الرسل، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة كقوله تعالى:] كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير . قالوا بلى .. [ وقوله تعالى:] وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ..[ ، ومعلوم أن لفظة كلما في قوله: ] كلما ألقي فيها فوج [ صيغة عموم، وأن لفظة الذين في قوله:] وسيق الذين كفروا [ صيغة عموم أيضاً؛ لأن الموصول يعم كل ما تشمله صلته ا-هـ .
وقال رحمه الله 3/473: ] وسيق الذين كفروا [ عام لجميع الكفار . وقد تقرر في الأصول: أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم؛ لعمومها في كل ما تشمله صلاتها .. إلى أن قال: وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا؛ فعصوا أمر ربهم كما هو واضح  ا-هـ .
قلت: ومما يفيد أن المراد من الآية العموم لا الغالب قوله تعالى في الآية التي تليها:] وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً .. [ الزمر:73. أي كل الذين اتقوا ربهم .. وهي نفس صيغة الآية التي قبلها:] وسيق الذين كفروا ..[، فهل يصح أن يقال أن المراد من الآية غالب الذين اتقوا وليس كلهم أو عامتهم .. ؟! 
          فإن قيل لا، وهو الصواب الذي لا ريب فيه، نقول: كما حملت آية الذين اتقـوا علـى العموم لا الغالب لزمك كذلك أن تحمل آية الذين كفروا على العموم لا الغالب لتطابقهما في الصيغة والألفاظ الدالة على العموم .
          قال الألوسي في تفسير الآية: واستدل بالآية على أنه لا تكليف قبل الشرع لأنهم وبخوهم بكفرهم بعد تبليغ الرسل للشرائع وإنذارهم .. وقيل وجه الاستدلال: إن الخطاب للداخلين عموماً يقتضي أنهم جميعا أنذرهم الرسل، ولو تحقق تكليف قبل الشرع لم يكن الأمر كذلك ا-هـ.
          وقال ابن جرير الطبري في التفسير:] وسيق الذين كفروا [ يقول: وحُشر الذين كفروا بالله إلى ناره التي أعدها لهم يوم القيامة جماعات؛ جماعة جماعة، وحزباً حزباً .
          ] ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم [ يعني كتاب الله المنزل على رسله وحججه التي بعث بها رسله إلى أممهم ] وينذرونكم لقاء يومكم هذا [ يقول: وينذرونكم ما تلقون في يومكم هذا . قالوا: بلى، يقول: قال الذين كفروا مجيبين لخزنة جهنم: بلى قد أتتنا الرسل منا فأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم .. ا-هـ . 
          الدليل الثاني: قال تعالى:] وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب . قالوا ألم تكُ تأتيكم رسلُكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال [ غافر:49-50.
          قوله تعالى:] وقال الذين في النار .. [ هي أيضاً من صيغ العموم تفيد الاستغراق والعموم؛ أي قال جميع الذين في النار بلى قد جاءتنا رسلنا بالبينات والنذر .. 
          قال الألوسي في التفسير: ] وقال الذين في النار [ من الضعفاء والمستكبرين جميعاً لـما
ضاقت بهم الحيل وعيت بهم العلل .. ا-هـ . وكذلك جاء في تفسير أبي السعود ..  
          الدليل الثالث: قال تعالى:] وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير . إذا ألقـوا
فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور . تكاد تميز من الغيظ كلما أُلقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم
نذير . قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء [ الملك:6-9.
          فقوله تعالى:] وللذين كفروا .. [ و ] وكلما ألقي فيها فوج [ من صيغ العموم التي تعم وتشمل جميع الذين كفروا من دون أي استثناء .. وكلهم ـ وليس على الغالب ـ يعترفون
ويقرون بأنهم بلغتهم نذارة الرسل، فقابلوها بالإعراض والتكذيب ..
          قال ابن كثير في التفسير: يذكر تعالى عدله في خلقه وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [ . وفي الحديث:” لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة ” ا-هـ .
          وقال ابن جرير الطبري في التفسير:] وللذين كفروا بربهم [ الذي خلقهم في الدنيـا ]
عذاب جهنم[ في الآخرة .. ا-هـ . 
          قلت: الكفار الذين خلقهم في الدنيا؛ كل الذين كفروا .. ولا يقال غالب الذين خلقهم من الكفار ..!
          قال الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان: وهذه الآية تدل على أن الله تعالى لا يعذب بالنار أحداً إلا بعد أن ينذره في الدنيا .. ا-هـ .
          وقال رحمه الله: ومعلوم أن قوله جل وعلا:] كلما ألقي فيها فوج [ يعم جميع الأفواج الملقين في النار .
          قال أبو حيان في ” البحر المحيط ” في تفسير هذه الآية التي نحن في صددها ما نصه: و] كلما [ تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين ..ا-هـ .  
          وقال الألوسي في التفسير:] وللذين كفروا بربهم [ من غير الشياطين أو منهم ومن غيرهم على أنه تعميم بعد التخصيص لدفع إيهام اختصاص العذاب بهم ..ا-هـ .أي بالشياطين .. 
          الدليل الرابع: قال تعالى:] قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلالٍ بعيد . قال لا تختصموا لديَّ وقد قدمت إليكم بالوعيد [ ق:27-28 . أي قدمت إليكم قبل أن تقفوا هذا الموقف العصيب بالوعيد والنذر عن طريق رسلي الذين أرسلتهم إليكم .
          ولا ينبغي أن يُقال هنا أن الآية تفيد الغالب لا العموم لأن ما من إنسان ـ كافر أو مؤمن ـ إلا وله قرينه من الجن، حتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فله قرينه من الجن، لكن الله أعانه عليه فأسلم، كما صح في ذلك الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، وقالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، لكن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير ” مسلم وغيره.
          قال ابن جرير الطبري في التفسير:] وقد قدمت إليكم [ في الدنيا قبل اختصامكم هـذا
بالوعيد لمن كفر بي وعصاني وخالف أمري ونهيي في كتبي وعلى ألسن رسلي .
          قال ابن عباس: إنهم اعتذروا بغير عذرٍ، فأبطل الله حجتهم، وردَّ عليهم قولهم . ا-هـ .
          الدليل الخامس: قال تعالى:] يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا [ الأنعام:130. أي شهدوا على أنفسهم أن حجة الرسل قد بلغتهم .. وهذا خطاب موجه لجميع الإنس والجن يفيد كذلك العموم لا الغالب؛ لأن الجمع المعرف بأل يفيد العموم والاستغراق؛ أي جميع الجن والإنس .. وفي هذه الآية يبين الله تعالى أنه أقام الحجة على العباد من جهة نذارة الرسل التي تحسم عندهم مادة الأعذار كلها.
          قال ابن كثير:] شهدنا على أنفسنا [ أي أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك وأنذرونا لقاءك وأن هذا اليوم كائن لا محالة ا-هـ .
          الدليل السادس: قال تعالى:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [ الإسراء:15.
          هذه الآية رغم دلالتها الصريحة على انتفاء العذاب يوم القيامة إلا على من تقوم عليه الحجة من جهة نذارة الرسل، إلا أن الأخ ـ عفا الله عنه ـ حاول جاهداً أن يبطل دلالتها على عذاب الآخرة ـ انتصاراً لمذهبه في المسألة ـ ليحصرها في العذاب والاستئصال الدنيوي فقط .. ثم ذكر رأي الجمهور نقلاً عن الشوكاني، من دون أن يبين رأي الشوكاني ذاته الذي خالف فيه رأي الجمهور الذي ينقله ..!
          ولبيان دلالة الآية على انتفاء العذاب الأخروي إلا على من تقوم عليه الحجة الرسالية نذكر أقوال بعض العلماء المفسرين، ونبدأهم بالشوكاني رحمه الله :
          قال الشوكاني في كتابه فتح القدير: ذكر أنه لا يعذب عباده إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، فبين سبحانه أنه لم يتركهم سدى، ولا يؤاخذهم قبل إقامة الحجة عليهم، والظاهر أنه لا يعذبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل، وبه قالت طائفة من أهل العلم، وذهب الجمهور إلى أن المنفي هنا هو عذاب الدنيا لا الآخرة ا-هـ . 
          تأمل كيف اعتبر القول الظاهر في المسألة أن العذاب المراد من الآية يشمل العذاب الدنيوي والأخروي معاً بخلاف رأي الجمهور الذي ينقله .. وهذا مهم بيانه حتى لا يوهم القارئ أن الشوكاني ـ ناقل قول الجمهور ـ يتابع الجمهور على قولهم ! 
          أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة قوله ] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [
إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر، أو يأتيه من الله بينة، وليس معذباً أحداً إلا بذنبه .
وأخرج عنه، عن أبي هريرة قال: إذا كان يوم القيامة، جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا
في الفترة والمعتوه والأصم والأبكم، والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا، ثم أرسل رسولاً أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول ؟ وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً([4]) ، ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل([5]) . قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [ . ا-هـ . فتأمل كيف أن هذا الصحابي الجليل حمل الآية على العذاب الأخروي ..
          قال ابن كثير في التفسير: قوله تعالى:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [ إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحداً  إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه كقوله تعالى:] كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير . قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ..[ وكذا قوله]  وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ..[. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسول إليه ا-هـ .
          وقال ابن الجوزي في زاد المسير: ومعنى ] حتى نبعث رسولاً [ أي حتى نُبين ما به نُعذب، وما من أجله نُدخل الجنة .
          قال القاضي أبو يعلى: في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلاً، وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك، لم يُقطع عليه بالنار .. ا-هـ . 
          وقال البغوي في التفسير: ] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [، إقامة للحجة وقطعاً للعذر، وفيه دليل على أمن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل ا-هـ . 
          قلت: قوله ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل، شامل لجميع ما أوجب الله على العباد من الأصول والفروع، إذ لا فرق بينهما .. وهذه مسألة سنعود إليها إن شاء الله .
          قال الشنقيطي في أضواء البيان 2/336: مقتضى القول الأول أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية كخلق السماوات والأرض، وما فيهما من غرائب صنع الله الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من الفطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة، ولو لم يأتهم نذير، والآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأن الله تعالى لا يُعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، فمن ذلك قوله تعالى:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [فإنه قال فيها: حتى نبعث رسولاً، ولم يقل حتى نخلق عقولاً، وننصب أدلة، ونركز فطرة ([6]) ا-هـ . 
وقال رحمه الله 3/471: ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله جل وعلا لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يبعث رسولاً ينذره ويحذره فيعصي ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار .
وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى:] رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ فصرح في هذه الآية الكريمة بأنه لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم النار .
ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جل وعلا لا يعذب أحداً إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة بأنه لم يدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل([7]) ا-هـ .
وقال ابن حزم في الأحكام 3/114: قال الله عز وجل:] وما كنا معذبين حنى نبعث رسولاً [ فصح أنه لا عذاب على الكافر أصلاً حتى تبلغه نذارة الرسول صلى الله عليه وسلم ا-هـ . 
هذه بعض أقوال أهل العلم التي تفيد أن العذاب الوارد في الآية الكريمة يراد منه عذاب الآخرة والدنيا سواء .. ولو أردنا أن نستقصي جميع أقوال أهل العلم في المسألة الدالة على ما أفدنا به لطال بنا المقام .
لكن بقي أن نشير إلى أمرين: أولهما أن القول بأن المراد من الآية الاستئصال والعذاب الدنيوي لا الأخروي، ورد ذلك إلى قول الجمهور .. لا يعني ولا يستلزم أن الجمهور يرون أن العذاب يوم القيامة لا يُشترط له بلوغ نذارة الرسل .. ثانيهما، إذا كان العذاب الدنيوي ـ وهو الأخف والأهون ـ لا يأخذ الله به العباد إلا بعد قيام حجة الرسل عليهم، من قبيل حسم الأعذار والحجج .. فمن باب أولى أن لا يأخذ الله سبحانه العبادَ بالعذاب الأشد والأنكى يوم القيامة إلا بعد قيام حجة ونذارة الرسل عليهم، وهذا ما يقتضيه حبه سبحانه وتعالى للعذر ولحسم الأعذار قبل نزول العقاب والعذاب .. الذي لا يضاهيه فيه أحد من خلقه، كما جاء في الحديث الصحيح:” لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ” متفق عليه .
فإذا حملت الآية الكريمة على انتفاء العذاب والاستئصال الدنيوي عن العباد قبل بلوغ نذارة الرسل وقيام الحجة عليهم من جهة الرسل، فهي لدليل قوي على انتفاء العذاب عن العباد يوم القيامة إلا بعد قيام الحجة عليهم من جهة الشرائع والرسل .
الدليل السابع: قد تضافرت أدلة الكتاب والسنة على أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها وعلى قدر استطاعتها وقدرتها، فإذا انتفت القدرة والاستطاعة رُفع التكليف ـ أياً كان نوعه ـ إلى حين تحقق القدرة والاستطاعة، فالعجز الذي لا يمكن دفعه ـ مع بذل الجهد على دفعه ـ يرفع التكليف والمساءلة عن صاحبه في الدنيا والآخرة، وهذه مسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم .
قال تعالى:] لا يُكلف الله نفساً إلا وسعها [ البقرة:286. وقال:] فاتقوا الله ما استطعتم [ التغابن:16.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ” .
قال الشافعي رحمه الله: فإن الله تعالى يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه، فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة، وقد علم الله ذلك منه، ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطعه ا-هـ . وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ..
وعليه: فإننا نقول من وقع في المخالفة الشرعية ـ أياً كان نوعها ولو كانت كفراً أو شركاً ـ عن عجز لا يمكن دفعه، فهو معذور بالعجز إلى أن يقدر على دفعه وإزالته ..
ومن قال: إنه غير معذور وهو مسؤول وسيحاسب على ما قد خالف فيه ـ وهذا هو المفهوم من كلام أخينا أبي محمد المتقدم ـ لزمه مخالفة ومعارضة النصوص الآنفة الذكر الدالة على أن التكليف من شروطه القدرة والاستطاعة على الإتيان به. 
قال ابن حزم رحمه الله في الأحكام 5/104: أما شرائع الأبدان والاعتقاد فإنها تجـب بوجهين: أحدهما البلوغ مبلغ الرجال والنساء، وهو البلوغ المخرج عن حد الصبا . والثاني: بلوغ الشريعة إلى المرء ا-هـ .
قلت: لأن في بلوغ الشريعة إلى المرء ينتفي عنه العجز في إدراك مراد الشارع فيما قد خالف
فيه أو حصل فيه القصير .
          واعلم أن أي تكليف شرعي ـ مهما كان نوعه ـ لا يجب على المرء إلا بالقدرة على العلم به عن طريق الشريعة أو الحجة الرسالية، وبالقدرة على العمل به وامتثاله في الظاهر وعلى الجوارح؛ فإذا حصل العجز ـ الذي لا يمكن دفعه مع بذل الجهد على دفعه ـ في تحصيل العلم، سقط العلم والعمل معاً؛ لأن العمل تبع للعلم لا يمكن القيام به إلا بعد تحصيل العلم . أما إذا حصل العجز في العمل دون العلم، تعين العلم والاعتقاد به، وسقط العمل به للعجز إلى حين توفر القدرة على دفعه .
          قال ابن القيم رحمه الله في طريق الهجرتين ص412: وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضاً: أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة ا-هـ . أي معذور بالجهل المعجز الذي لا يمكن دفعه، وهذا له حكم أهل الفترات .. وسيأتي الحديث عنهم إن شاء الله .
          وبعد، ما تقدم من أدلة هي بعض أدلة القرآن الكريم ـ وليس كلها ـ الدالة على مبدأ العذر بالجهل، وأن المرء لا يُؤاخذ في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد قيام الحجة عليه من جهة نذارة الرسل والشرائع .. لننتقل بعدها ـ بإذن الله ـ إلى ذكر بعض أدلة السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ـ الدالة على هذا الأصل السني العظيم.
          الدليل الأول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة . فأما الأصم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً([8]) . وأما الأحمق فيقول: ربِّ جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، والصبيان يحذفونني بالبعر . وأما الهرم فيقول: ربِّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً . وأما الذي مات في الفترة فيقول: ربِّ ما أتاني لك رسول . فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سُحب إليها “([9]).  
          هذا حديث صحيح ـ روي من أكثر من طريق وعن أكثر من صحابي ـ وإلى معناه ودلالاته صار قول أهل السنة والجماعة، لا يحسن بك ـ يا عبد الله ـ أن تتسرع في رده لاعتبارات واهية لا تبرر لك ذلك ..!
          والحديث أفاد مبدأ العذر بالجهل؛ لأن الأربعة الذين يعتذرون إلى ربهم يشتركون في صفة الجهل بالرسالة وبمراد الشارع منهم، وإن كان جهل كل واحد منهم له سببه الذي يختلف عن الآخر .. وإليك أقوال بعض أهل العلم في الحديث، وفي فقهه ودلالاته .
          ابن حزم : قال رحمه الله في الأحكام 5/104: أما من لم يبلغه ذكره صلى الله عليه وسلم، فإن كان موحداً فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يُوقد له يوم القيامة نار، فيؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلها نجا، ومن أبى هلك .
          وقال في الأصول ص131: فنص الله تعالى على أن النذارة إنما تلزم من بلغته وأنه تعالى لا يُعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسل . فصح بهذا أن من لم تبلغه الدعوة إما لانقزاح مكانه وإما لقصر مدته إثر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا عذاب عليه ولا يلزمه شيء، وهذا قول جمهور أصحابنا ا-هـ.
          ابن القيم : قال رحمه الله في طريق الهجرتين، بعد أن ذكر الحديث ـ حديث اعتذار الأربعة يوم القيامة ـ وطرقه المتعددة : فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً وتشهد لها أصول الشريعة وقواعدها، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري رحمه الله في المقالات وغيرها .. فدل على أنهم ـ أي أهل السنة والحديث ـ ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث ا-هـ.  وقد رد على من ضعف الحديث بحجة أن دار الآخرة دار جزاء لا دار عمل وتكليف .. رداً قوياً نافعاً يمكنك مراجعته والوقوف عليه .  
          ابن كثير: قال رحمه الله في التفسير 3/33، بعد أن ذكر الحديث وطرقه: أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها .. ا-هـ . ثم يرد على شبهة أن دار الآخرة دار جزاء لا دار تكليف رداً نافعاً .. فانظره .
الشنقيطي: قال رحمه الله في التفسير 3/481 : الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا ؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها؛ فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل . 
          وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين:
          الأول: أن هذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوته عنه نص في محل النزاع؛ فلا وجه للنزاع البتة مع ذلك .
          الأمر الثاني: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما . ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان؛ فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جميع الأدلة ا-هـ .
          فإن قيل: الآيات الآنفة الذكر التي قدمتم في ذكرها تفيد أن عموم من يدخل النار قد قامت عليهم الحجة الرسالية في الدنيا، فعلام استثنيتم الأصناف الأربعة هؤلاء الواردة في الحديث ؟
          أقول: الآيات الآنفة الذكر تفيد العموم، والحديث المشار إليه يفيد التخصيص أو الخصوص؛ فهو خاص من عام، ويكون التوفيق أن جميع من يدخل النار قد أقيمت عليهم الحجة من جهة نذارة الرسل في الدنيا إلا الأربعة هؤلاء المذكورين في الحديث يجرى لهم اختبار في عرصات يوم القيامة كما أفاد بذلك الحديث، هذا ما يقتضيه مبدأ التوفيق بين النصوص.
          تنبيه: أهل الفترة المعذورون بالجهل هم الذين لم تبلغهم نذارة الرسل بأي وجه من الوجوه، ولا يُشترط في ذلك أن يأتيهم أو كل واحد منهم رسول خاص يبلغهم وينذرهم .. فالعذر بالفترة يأتي من جهة انقطاع النذارة، وجهلهم بما جاء به الرسل، وليس من جهة انقطاع ذوات الرسل وأشخاصهم عنهم .. فهذا غير ممكنٍ، ولم يقل به أحد !
          فإذا عرفت ذلك عرفت أنه لا وجه لقول أخينا أبي محمد ” وإن لم يأته رسول خاص !” .. فانقطاع الرسل شيء ـ وهو ليس شرطاً للعذر ـ وانقطاع نذارة الرسل شيء آخر، وبلوغ نذارة الرسل إلى العباد شيء، وأن يُشترط أن يأتيهم رسول خاص شيء آخر .. وهذه مسألة سنعود إليها إن شاء الله .
          الدليل الثاني: عن واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وكانوا أسلموا يوم فتح مكة، قال: فمررنا بشجرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وكان للكفار سدرة يعكفون حولها ويعلقون بها أسلحتهم يدعونها ذات أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال:” الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى:] اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةً قال إنكم قوم تجهلون [ لتركبن سنن من كان قبلكم “. والحديث صحيح أخرج الترمذي وغيره .
          قلت: تأمل قوله ” ونحن حديثو عهد بكفر ” الذي يفيد عجزهم عن الإلمام بكل ما يدخل في التوحيد، وما يضاده من الشرك .. بسبب حداثة عهدهم بالكفر والإسلام معاً؛ لأن من كان حديث عهد بكفر فهو يلزمه أن يكون حديث عهد بالإسلام وعلومه .. لذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقال عثرتهم ولم يكفرهم بأعيانهم، رغم أن مقولتهم شرك أكبر مناقض للتوحيد، وهو شبيه قول بني إسرائيل لموسى u :] اجعل إلهاً كما لهم آلهة [، واكتفى بتعليمهم وبيان بطلان مقولتهم وأنها من الشرك .. 
          ولا شك أنهم لو عادوا عليه الطلب بعد أن بين لهم بطلان ما سألوه وعلموا أنه من الشرك، أو فعلوه بعدما نهو عنه وبلغهم فيه علم من النبي صلى الله عليه وسلم  .. يكونون بذلك كفاراً بذواتهم وأعيانهم لانتفاء الجهل بالخطاب الشرعي عنهم.  
          قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في بيان سبب عدم كفر بني إسرائيل الذين سألوا موسى بأعيانهم ، وكذلك الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط : نقول إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا ذلك، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب([10]) ا-هـ .
          فتأمل كيف علق كفرهم ـ لو فعلوا ـ بعد بلوغهم النهي والخطاب الشرعي من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وليس قبله .. مما يدل أن الذي سألوه يعتبر من الشرك الأكبر المناقض للتوحيد .
          وقال الشيخ سليمان آل الشيخ في كتابه النافع تيسير العزيز الحميد ص 185: وفيها أن من أراد أن يفعل الشرك جهلاً فنهي عن ذلك فانتهى لا يكفر ا-هـ .
          قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 20/61: إن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها .. إلى أن قال: ومن هنا يتبين سقوط كثير من الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجباً في الأصل ا-هـ . ولا ينبغي أن يُقال هنا: أن العجز يسقط الأمر والنهي في الفروع دون الأصول ..!!
          الدليل الثالث: عن عدي بن حاتم t قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي:” يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك “، فطرحته فلما انتهيت إليه وهو يقرأ:] اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله [، حتى فرغ منها، قلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال:” أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويُحلون ما حرم الله فتستحلونه “، قلت: بلى، قال:” فتلك عبادتهم “([11]).
          نستخلص من الحديث الفوائد التالية:
           1 ـ أن عدي بن حاتم t جاء النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً مقراً بالشهادتين .. 
           2 ـ أن عدياً t كان قد تنصر، وكان حديث عهد بالكفر .. أي أنه كان عاجزاً عن معرفة كل ما يدخل في التوحيد ومتطلباته من أيامه الأولى من إسلامه؛ أي أنه معذور بالجهل ..
           3 ـ بسبب ما تقدم وقع عدي t بنوعين من الشرك الأكبر، كل واحد منهما يخرج صاحبه من الملة لو اقترفه من غير جهل بالنص الشرعي الذي يفيد التحريم، لكن عدياً لم يكفر بعينه لمانع الجهل المعتبر بالخطاب الشرعي :
          أولهما: ارتداؤه للصليب .. وهذا شرك أكبر، لذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم بالوثن الذي يعبد من دون الله عز وجل .. ومع ذلك فقد اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بأن قال لعدي:” اطرح هذا الوثن من عنقك “، من دون أن يحكم عليه بعينه أنه كافر أو قد كفر وارتد، وعليه أن يدخل الإسلام من جديد بتلفظ الشهادتين .. فتأمل. 
          ثانياً: أن عدياً كان يجهل أن طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم من دون سلطان من الله .. يدخل في معنى العبادة التي لا يجوز أن تصرف لغير الله، وأنه من الشرك الأكبر .. إلى أن بين له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وعلمه أن طاعة الأحبار والرهبان، والتحاكم إليهم لذواتهم في التحليل والتحريم من دون الله عز وجل عبادة لهم وشرك بالله تعالى، ومن دون أن يحكم عليه بالكفر والارتداد ويطلب منه الدخول في الإسلام من جديد ..!!
          وهذا من جملة ما يُرد به على كلام أخينا أبي محمد الذي يفيد أن الجهل لا يُعذر به في الشرك، أو فيما يناقض التوحيد([12]) .. بخلاف الفروع التي لا يمكن أن تُعرف إلا عن طريق الرسل !!
الدليل الرابع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله، إذا مات فحرِّقوه، ثم اذروا نصفَه في البرِّ ونصفه في البحر، فوالله لئن قَدِرَ اللهُ عليه ليعذبنَّه عذاباً لا يُعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجلُ فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البرَّ فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لِمَ فعلت هذا ؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له ” مسلم . 
فهذا رجل جحد قدرة الله عليه إن فعل ما فعل، وشك في البعث والمعاد .. وهذا عين الكفر البواح؛ لكن الله عز وجل قد غفر له وعذره لجهله وخشيته من الله .. كما نص على ذلك ابن تيمية، وابن حزم، وابن القيم وغيرهم من أهل العلم([13]) .
قال ابن تيمية : والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شكاً في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حُكم بكفره .. ا-هـ .
وقال ابن القيم: وأما جحد ذلك جهلاً، أو تأويلاً يُعذر فيه صاحبه، فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه .. وهذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله ا-هـ .
الدليل الخامس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” والذي نفس محمدٍ بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ” مسلم. 
تأمل كيف علق النبي صلى الله عليه وسلم العذاب بالنار يوم القيامة على السمع، وعلى رد حجة نذارة الرسول التي تقوم عن طريق السمع .. هذا منطوق الحديث .
أما مفهوم الحديث فإنه يدل أن من لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولم تصله نذارة الرسل فهو ليس من أهل النار، وإنما يُرجأ أمره إلى الله سبحانه وتعالى ، ويُعامل معاملة أهل الفترات؛ كما جاء في الحديث يقول:” رب ما أتاني لك رسول “، فيرسل له الله تعالى أن ادخل النار فإن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، وإن لم يدخلها سُحب إليها، وقد تقدم الحديث .
وبعد، هذه بعض أدلة الحديث والسنة وليس كلها، وهي كافية وزيادة .. وبها نكون قد انتهينا من النقطة الأولى من ردنا على كلام أخينا الفاضل أبي محمد، لننتقل بعدها إلى النقطة الثانية أو الوجه الثاني من أوجه الرد .
ثانياً: النصوص الشرعية التي تفيد أن من مات من المشركين قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أهل العذاب والنار، كقوله صلى الله عليه وسلم للرجل:” إن أبي وأباك في النار ” . وقوله عن رجل مات في الجاهلية، وكان يُعذب في قبره:” لولا أن تدافنوا لدعوت الله عز وجل أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني ” . فهذه النصوص وغيرها التي تفيد عذاب بعض المشركين كانوا قد ماتوا في الفترة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم نجزم بأنهم قد بلغتهم نذارة الرسل الذين بعثوا قبل محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، كإبراهيم u وغيره من الأنبياء .. والعبرة في بلوغ نذارة الرسل، ولا يُشترط لقيام الحجة مبعث رسولٍ خاص، أو أن تحصل مشاهدة للرسول، أو أن يقيم الحجة على المخالفين شخص الرسول .. فهذا لا يُشترط ولم يقل به أحد من أهل العلم،وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ..!
والذي دعانا إلى الجزم بأن هؤلاء قد بلغتهم نذارة الرسل التي بها تقوم الحجة التي يستحق رادها العذاب، النقاط التالية:
1- النصوص العديدة المحكمة والصريحة التي تفيد بأن الله عز وجل لا يُعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه، فيقابلها بالرد والجحود .. وقد تقدم ذكر بعض هذه الأدلة في النقطة الأولى .
          2- في قوله صلى الله عليه وسلم للرجل:” إن أبي وأباك في النار “، قال النووي في الشرح 7/338: فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين . وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ا-هـ .
          وقال الشيخ ناصر رحمه الله بعد أن ذكر حديث الرجل الذي يُعذب في قبره: من فوائد الحديث أن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل بعثته عليه الصلاة والسلام معذبون بشركهم وكفرهم، وذلك يدل على أنهم ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة نبي، خلافاً لما يظنه بعض المتأخرين، إذ لو كانوا كذلك لم يستحقوا العذاب لقوله تعالى:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [ ([14]) ا-هـ .
          3- وردت بعض النصوص تفيد أن من كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغته نذارة الرسل كإبراهيم u وغيره من الأنبياء ، كما في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان ـ وكان قد مات قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ـ كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه ؟ قال:” لا ينفعه؛ إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين “.
          قلت: قول النبي صلى الله عليه وسلم عنه أنه “لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ” لهو دليل صريح على أن نذارة الرسل قد بلغته؛ لأن هذه المقولة التي لم يقلها لا تعلم إلا عن طريق الرسل .. 
          ومما يدل على أن دعوة إبراهيم u كانت قد بلغتهم قول زيد بن عمرو بن نفيل لقريش قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم : يا معشر قريش والذي نفس زيدٍ بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول:” اللهم لو أي أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته .
          فهذا نص صريح على أن دين إبراهيم u ودعوته كانت قد بلغتهم، وإلا ما فائدة تذكير زيد بن عمرو لكفار قريش بذلك، لولا أنهم كانوا يعرفون إبراهيم u وقد بلغتهم دعوته ..؟! 
          وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:” إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ..” مسلم .
          قلت: وهذا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز حمله على خلاف ذلك؛ وإلا لشمل الحديث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار ، وهذا لا يجوز .. وكون الله عز وجل مقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب دل أن هذه البقايا من أهل الكتاب كانت قد بلغتهم نذارة الرسل، وكانوا ملتزمين بالتوحيد الذي جاءت به رسلهم؛ لأن الله تعالى إذ يرضى فلا يرضى إلا على عباده الموحدين الملتزمين بهدي وغرس الرسل .
          4- هذا ما يقتضيه مبدأ التوفيق والجمع بين النصوص ما أمكن، قبل اللجوء إلى القول بالتخصيص أو النسخ أو غير ذلك .. والقول بخلاف ذلك مؤداه إلى ضرب النصوص بعضها ببعض، ومعارضة بعضها لبعض ..! 
          هذه هي النقطة الثانية، أو الوجه الثاني من أوجه الرد، وإليك النقطة الثالثة :
          ثالثاً: فإذا علمت ذلك علمت أن ما استدل به الأخ على أن أهل الفترة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا معذبين ومن دون أن تقوم عليهم حجة الرسل أو تبلغهم نذارة الرسل، هو استدلال خاطئ لا يصح، وإليك ما استدل به الأخ مع بيان وجه الخطأ من استدلاله:  
          استدل الأخ ـ حفظه الله ـ بقوله تعالى:] لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون [ السجدة: 3. وبقوله تعالى:] لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون [ يس: 6.
          ثم قال: فصح بنص الوحي أن هؤلاء قوم معذبون في الآخرة، مع أنهم ما أتاهم نذير وأنهم غافلون بنص التنزيل .. وهو دليل على أن من نقض أصل التوحيد من المكلفين ومات على الشرك الصراح والتنديد، أنه معذب في الآخرة وإن لم يأته نذير ا-هـ .
          وهذا قول لا يصح نرد عليه من أوجه : 
          منها: أن الآيات المستدل بها تفيد انقطاع النذير وليس انقطاع وانعدام النذارة، والفرق بينهما واضح: فالأول ـ وجوده وغيابه ـ لا يُعتبر شرطاً للعذاب، بينما الآخر ـ نذارة الرسل ـ يعتبر وجوده شرطاً لحصول العذاب في الدنيا والآخرة، وإليك بعض أقوال أهل العلم في المراد من الآيتين المذكورتين :
          في قوله تعالى:] لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون [، أخرج ابن جرير الطبري في التفسير عن قتادة قال: كانوا أمة أُمية، لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم ا-هـ . أي لم يأتهم نذير خاص بقريش قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا لا يمنع من أن تكون قد بلغتهم نذارة الرسل، حيث يوجد فرق بين القول بأنهم لم يأتهم نذير وبين القول أنهم لم تبلغهم نذارة النذير !!
          قال البغوي في التفسير: قال ابن عباس ومقاتل: ذاك في الفترة التي كانت بين عيسى u وبين محمد صلى الله عليه وسلم ا-هـ .
          وقال القرطبي بعد أن نقل قول قتادة وابن عباس ومقاتل المتقدم: وقيل كانت الحجة ثابتة لله
جل وعز عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يروا رسولاً ا-هـ .
          أما قوله تعالى:] لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون [، فقد قيل في تفسيرها قولان؛ كلاهما تحتملهما الآية، وكلاهما يدلان على خلاف ما ذهب إليه الأخ .
          القول الأول: انقطاع الرسل والنذير، وليس النذارة ..
          القول الثاني: أن ] ما [ جاءت بمعنى الذي؛ أي لتنذر قوماً الذين أنذر آباؤهم من قبل، وبهذا التفسير، تكون الآية دليلاً وشاهداً على الأخ وليس له .. وإليك بعض أقوال أهل العلم في ذلك:
          قال البغوي في التفسير: قيل: ] ما [ للنفي أي لم تنذر آباؤهم لأن قريشاً لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل ] ما [ بمعنى الذي؛ أي لتنذر قوماً بالذي أنذر آباؤهم ا-هـ . 
          وقال القرطبي في التفسير: المعنى لتنذر قوماً ما أتى آباءهم قبلك نذير . وقيل: هي بمعنى الذي؛ فالمعنى لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم، قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة أيضاً ا-هـ .
          وقال ابن الجوزي في التفسير:] لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم [ في ] ما [ قولان: أحدهما أنها نفي، وهو قول قتادة والزجاج في الأكثرين . والثاني: أنها بمعنى ” كما ” قاله مقاتل، وقيل هي بمعنى الذي ا-هـ .
          أقول: لو سلمنا افتراضاً أن في الآية دلالة على مذهب الأخ لكان هذا الاختلاف في التأويل موجداً للاحتمال؛ وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال .
          أما وقد علمنا أن معاني الآية لا تحتمل أصلاً المعنى الذي ذهب إليه الأخ .. علمنا بالضرورة أن الآية لا يصح الاستشهاد بها على عذاب أناس تنتفي عنهم مطلق نذارة الرسل، والله تعالى أعلم.
          ومنها: كونهم كانوا غافلين .. لا يستلزم أن تكون نذارة الرسل لم تصلهم؛ فالغافل عن النذارة إعراضاً أو كبراً، أو انشغالاً بالدنيا، أو استخفافاً بأمر الدين، أو عصبية للأصنام والأوثان .. شيء ـ وهو لا يُعذر ـ والذي لم تبلغه نذارة الرسل مع حرصه عليها شيء آخر، وهو معذور . 
          ومنها: أن آيات عديدة في القرآن الكريم قد وصفت الكافرين بالجهل والغفلة، وأنهم لا يعقلون، ولا يعلمون، ولا يفقهون وغير ذلك من الأوصاف التي تفيد جهلهم المطبق .. لكن هل هذا الجهل مانعاً من تكفيرهم، وهل هذا دليل على عدم بلوغ نذارة الرسل إليهم .. ؟!
          أقول: لا؛ لأن جهلهم ناتج عن الإعراض عن الدين وطلبه، وعن الاستخفاف به، أو الانشغال بالدنيا وملذاتها عنه مع سهولة طلبه وتحصيله لمن أراده .. ولم يكن ناتجاً عن عجزهم في إدراك أو الوقوف على نذارة الرسل .
          ومنه نعلم: أن كل كافرٍ جاهل، وليس كل جاهلٍ كافراً؛ لاحتمال وجود موانع التكفير
في حقه . وهذه قاعدة من قواعد التكفير نسأل الله تعالى أن يتاح لنا من العمر ما نتمكن به من شرحها على وجه التفصيل، ولعلنا نضيفها إلى كتابنا قواعد في التكفير في طبعته القادمة إن شاء الله . 
          رابعاً: كون الحجة تقوم على العباد من جهات عدة؛ كحجة الميثاق الذي أخذه الله تعالى من بني آدم قبل أن يخلقهم، وحجة الفطرة، وحجة الآيات التي أودعها الله في النفس والكون .. فهذا حق لا ريب فيه قد دلت عليه النصوص الشرعية، لكن قضت حكمة الله تعالى أن لا يعذب أحداً بناءً على هذه الحجج، وإنما علق العذاب سبحانه وتعالى على رد وجحود نذارة الرسل فقط، وهذا من كمال رحمته بالعباد، وحبه سبحانه وتعالى للعفو والعذر .. كما أفادت الأدلة التي تقدم سردها وبيانها في النقطة الأولى من هذا البحث .
          يوجد فرق بين بما تقوم به الحجة، وبين أي الحجج علق الشارع عليها العذاب ..؟!
          لذا فالمطلوب ممن يخالفنا في ذلك أن يأتي بالأدلة التي تثبت تعليق العذاب على أساس هذه الحجج الآنفة الذكر، وليس ذكر الأدلة على حجية هذه الحجج . فالبحث يكون فيما اختلفنا فيه وليس فيما اتفقنا عليه . 
          خامساً: هذا التفريق الذي أقدم عليه الأخ: وهو الفرق بين أصل التوحيد الذي لا يعذر مخالفه بالجهل، وبين تفاصيل التوحيد وفروعه وهو الذي يُعذر مخالفه بالجهل ..!!
          أقول: هذا التفريق والتقسيم لا يصح وهو باطل، وذلك من أوجه:
          منها: أن هذا التقسيم يعوزه الدليل من الكتاب والسنة، وأنَّى ..
          ومنها: أن الأدلة من الكتاب والسنة التي تعذر بالجهل جاءت عامة لجميع أنواع الجهل، من دون تفريق بين جهل وجهل، وتخصيصها بنوع من الجهل دون نوع يحتاج لدليل مخصص، وأنَّى ..
          ومنها: أن بعض الأدلة جاءت دلالتها صريحة على العذر بالجهل في أصل التوحيد، وفي الشرك المناقض للتوحيد كما تقدم في حديث عدي بن حاتم وغيره .. 
          ومنها: أنه قول محدث لم يقل به الصحابة ولا السلف رضوان الله عليهم، وإنما هو من قول المعتزلة وغيرهم من أهل البدع والأهواء ([15]) .. ! 
          قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 23/346: وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عُرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان؛ سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام .
          وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها .
          فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل أصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسانٍ، ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض، فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها ؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع ؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل العمل . قيل له: فتنازع الناس في محمد صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه أو لا ؟ وفي أن عثمان أفضل من علي أم علي أفضل ؟ وفي كثير من معاني القرآن، وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية العلمية، ولا كفر بها بالاتفاق، ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل عملية، والمنكر لها يكفر بالاتفاق . 
          وإن قال الأصول هي المسائل القطعية، قيل له: كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية، وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول صلى الله عليه وسلم وتيقن مراده منه، وعند رجل لا تكون ظنية، فضلاً عن أن تكون قطعية لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالاته ا-هـ . 
          سادساً: هذا القول مفاده إلغاء اعتبار جميع موانع التكفير التي تكلم عنها أهل العلم؛ كالحديث عهد بكفر، وكالذي يعيش في منطقة نائية لا هو يستطيع أن يأتي العلم ولا العلم يمكن أن يصله، وكالمتأول الذي لا يستطيع أن يفقه النص على مراد الشارع، وغيرها من الموانع .. فهذه الحالات كلها تشترك في صفة الجهل المعجز الذي يحدث العجز عند صاحبه عن إدراك مراد الشارع فيما قد خالف فيه، وإن اختلفت أسباب الجهل والعجز، بل هذه الموانع للتكفير لا تُعتبر موانع إلا لكونها تُحدث جهلاً عند المعين لا يمكن دفعه . لذا فالقول بعدم العذر بالجهل في الكفر أو الشرك ـ لا فرق ـ مفاده إلغاء اعتبار جميع موانع التكفير التي تكلم عنها أهل العلم .. !!
          والكلام عن موانع التكفير والقول بها مع القول بعدم العذر بالجهل في الكفر .. كمن يقول بالشيء وضده في آنٍ معاً !!
          سابعاً: قوله ” ومع هذا يأتي بعض من لا يعرفون من الدين إلا الاسم ولا من معالمه إلا الرسم يطالبون بإقامة الحجة في باب الشرك ..! ” .  
          أقول : هذه الاطلاقات فيها تسرع، كنا نود أن لا يقع فيها الأخ ـ عفا الله عنه ـ وبخاصة إذا علمت أن فحول الأمة من أهل العلم يقولون بهذا القول وقد تقدم في هذا البحث ذكر بعض أسمائهم وأقوالهم ..!!
          بل هذا القول مفاده الطعن بعقيدة أهل السنة والجماعة التي أثبتها عنهم أبو الحسن الأشعري في المقالات كما يذكر ابن القيم، وابن كثير، والشنقيطي وغيرهم، راجع إن شئت قول ابن القيم:” والقول بمضمونها ـ أي الأحاديث التي تعذر أهل الفترات بجهل التوحيد ـ هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري رحمه الله في المقالات وغيرها ..” فتأمل !! 
          ثامناً: بشيء من التتبع لأقوال الأخ نجده مضطرباً في المسألة، وإليك بعضها: 
          قال في رسالته كشف الشبهات:” فمن بلغه هذا القرآن العظيم فقد قامت عليه الحجة والنذارة، خصوصاً في أوضح أبواب الدين الذي بعث كافة الرسل من أجله ” ا-هـ .
          أقول: مفهوم كلامه أن من لم يبلغه القرآن الكريم ولم تبلغه نذارته لم تكن قد قامت عليه الحجة والنذارة ..؟!
          ثم إذا كانت الحجة تقوم بحجة الميثاق والفطرة، فعلام اللجوء إلى الحديث عن حجة القرآن ونذارته ..؟!
          أما قوله: فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة .. يحسن أن يُعلق ذلك على أن يبلغه ـ أي معانيه ـ بلغة يفهمها؛ لأن الجاهل الأعجمي الذي لا يُحسن شيئاً من العربية لو بلغته نسخة من القرآن الكريم فإنها لا ترفع عنه العجز فيما قد جهل فيه، لأنه لا يقدر على أن يفهم منه شيئاً .. والعجز يرفع التكليف كما تقدم .
          لكن في هذه الحالة: يمكن القول بأنه يجب عليه أن يتحرك ويسعى في البحث عمن يعلمه ما جاء في هذا القرآن الكريم من تعاليم، وبخاصة منها التوحيد ..
          وقال كذلك في نفس الرسالة:” وباب الشرك الأكبر الصريح قد أقام الله عليه حججه البالغة فلا يُعذر الجاهل فيه لأن جهله والحالة كذلك إنما يكون إعراضاً عن الدين وعن تعلم أهم ما خلق من أجله وليس جهل من لم تقم عليه الحجة ” ا-هـ . 
          أقول: يفيد كلامه أن الجاهل لا يعذر بالجهل، لا لأنه لم تقم عليه الحجة الرسالية، وليس لكونه محجوج من جهة حجة الميثاق والفطرة .. بل لأنه يعرض عن الحجة الرسالية وعن تعلمها التي بها قامت الحجة وحُسمت الأعذار ..!  
          ومثل هذا الكلام لا مبرر لذكره ـ سوى الاضطراب ـ عند الحديث عن عدم العذر بالجهل في التوحيد .. لأن العباد ـ كما يقول ـ محجوجون من جهة حجة الفطرة والميثاق .. فعلام
اللجوء إلى الحديث عن حجة الرسل، وحجة الدين وتعلمه ؟!! 
ومثل هذا الاضطراب مكرر في أكثر من موضع من كتب الأخ، نكتفي منها بما ذُكر لأن غرضنا من ذلك الإشارة والتنبيه لا الاستقصاء .
تاسعاً: قوله :” وربما أقاموا على ذلك شبهاً بآيات يضعونها في غير موضعها كقوله تعالى:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [ يريدون: أنه لا تكفير إلا بعد قيان الحجة في كل باب حتى في الشرك الأكبر الواضح المستبين، وليس في هذه الآية وجه دلالة على قولهم الفاسد هذا ..!!” .
          أقول: إذا كان لا يشترط في تكفير المعين ـ إن وقع في الكفر أو الشرك عن جهل بنذارة الرسل ـ قيام الحجة الرسالية عليه، لماذا هذا الإكثار من الدندنة عن موانع التكفير .. ولماذا هي اسمها موانع التكفير؛ أليس لأن صاحبها وقع في الكفر، فهي تمنع عنه لحوق الكفر به ..؟!!
          ثم هؤلاء أصحاب القول الفاسد الذين يضعون الآية في غير موضعها، هم علماء الأمة وفحولها .. وقد تقدم من كلامهم الشيء الكثير، ونختمه هنا بكلام نفيس صريح لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يزيد المعنى وضوحاً إلى وضوحه :
          قال رحمه الله : لا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة، كما قال تعالى:] لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ وقال تعالى:] وما كنا معذبين حنى نبعث رسولاً [ .
          والصحيح الذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن الخطاب لا يثبت في حق أحد قبل التمكن من سماعه ..
          وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيراً مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يُحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول .  
          هذا مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني: أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق ومعصية؛ إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارةً، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى ..
          وليس لأحدٍ أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة ..
          وإذا تبين هذا فمن ترك بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه، إما لعدم تمكنه من العلم؛ مثل أن لا تبلغه الرسالة، أو لعدم تمكنه من العمل، لم يكن مأموراً بما عجز عنه، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل([16]) .. ا-هـ .
          هذه بعض المقتطفات من أقوال جبل العلم الأشم شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله  ـ في المسألة .. أردنا منها إيضاح المعاني لا الاستقصاء لجميع أقواله في المسألة، فالموضع أضيق من أن يتسع لذلك .. عسى أن يتحقق منها المراد، وتنجلي بها الشبهات والغشاوات عن الأفهام، والله تعالى وحده يهدي من يشاء إلى ما يشاء . 
          ـ تنبيه هام
          حتى لا يُفهم كلامنا خطأً ويُحمل على غير الوجه الذي نريد، نبين صفة الجاهل الذي يُعذر بالجهل، فأقول: الجاهل الذي يُعذر بالجهل هو الذي يقع في المخالفة الشرعية ـ أياً كان نوعها ـ جهلاً عن عجزٍ لا يمكن دفعه، رغم بذله وسعيه، ورغبته في دفع ما وقع به من جهل، إن كان يعلم بجهالته ومخالفته .
          فمثل هذا لا يجوز إلحاق حكم الوعيد به ـ سواء كان كفراً أم فسقاً أم غير ذلك ـ إلا بعد قيام الحجة الرسالية التي تدفع عنه العجز والجهل فيما قد خالف فيه، ولا يُشترط في ذلك إقناعه، أو قراءة المتون والمطولات عليه .. !! 
          وما سوى ذلك، فمن يقع في الكفر عن جهل غير معجز؛ أي يمكنه دفعه لكنه لا يفعل ـ لأي سببٍ كان ـ فمثل هذا لا يُعذر بالجهل، ولا يُشترط لتكفيره قيام الحجة عليه؛ حيث أن الحجة معروضة عليه على مدار الساعة والزمن، ولكن هو الذي لا يأتيها ولا يُحرك ساكناً نحوها .. بل لو عُرضت عليه يأباها أو ينشغل عنها بمشاغل الدنيا وملذاتها ..!!
          بل هو نفسه لو قيل له عن عظامٍ عليها بعض لحومها توزع هنا أو هناك .. لشد إليها الرحال ولو طال به المسير([17]) .. !!
          فمثل هذا أنَّى له أن يُعذر بالجهل، إلا في دين أهل الإرجاء والتجهم .. وبئس الدين ذلك الدين !!
فهذا إيجاز شديد، ومن أراد التفصيل فعليه أن يراجع كتابنا ” العذر بالجهل وقيام الحجة ” عسى أن يجد فيه ما يقر عيون الموحدين إن شاء الله .
وبعد، هذا ما أردت ذكره ـ في هذا البحث الموجز ـ من رد على ما جاء من كلام لأخينا الشيخ أبي محمد المقدسي ـ حفظه الله وفك أسره ـ في مسألة العذر بالجهل . 
راجياً لي وله ولجميع المسلمين السداد والتوفيق لما يحبه الله تعالى ويرضاه .. إنه تعالى سميع قريب مجيب .
وصلى الله على سيدنا ونبينا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . 
          22 جمادى الأولى/1421 هـ .           عبد المنعم مصطفى حليمة
          22/ 8 / 2000 م .                                 أبو بصير 
                                                www.abubaseer.com 

 

 


[1] وهي رسالة قيمة نافعة استدرك فيها الأخ بعض الملاحظات على كتاب ” الجامع لطلب العلم “، وكان أهما مسألة ” الحكم بغير ما أنزل الله “، وبيان أن منه ما يكون كفراً أكبر ومنه ما يكون كفراً أصغر، بحسب صفة الحاكم والقرائن المحيطة به اتباعاً لتقسيم السلف وعلماء الأمة للمسألة .. بخلاف ما شذ عنه الشيخ عبد القادر عن علماء الأمة؛ حيث اعتبر أن مطلق الحكم بغير بما أنزل الله هو كفر أكبر يخرج من الملة .. وهذا قول خاطئ طالما اتكأ عليه الغلاة من قبل ومن بعد !   
[2] لا داعي لذكر العبارة الأخيرة التي تتضمن قيام الحجة عن طريق الرسل والشرائع ومن ثم الاستدلال بها .. لأنه لا خلاف على أنه من بلغته نذارة الرسل والشرائع السماوية لا يُعذر بالجهل .. وموطن النزاع هنا على من لم تبلغه نذارة الرسل والشرائع .. فلا ينبغي إقحام حجة نذارة الرسل والشرائع السماوية عند الحديث ـ وحصول الخلاف ـ عن قيام الحجة على العباد من جهة غير طريق الرسل، وهل يُعقد العذاب على أساسها أم لا..!!  
[3] الاستدلال هنا بنذارة الرسل والشرائع ليس في موضعه المناسب .. ولا ينبغي إقحامه هنا لأن النزاع والخلاف ليس عليه .. انظر التعليق رقم (2) من الصفحة الثانية .  
[4] مراده أنهم لو أطاعوا ودخلوا النار فإنهم لن يُعذبوا فيها ولكانت عليهم برداً وسلاماً؛ لأنهم لم تبلغهم نذارة الرسل، وهم معذورون بجهالة نذارة الرسل .. ولأن الله تعالى أخذ على نفسه سبحانه أن لا يعذب في النار إلا من بلغته نذارة الرسل والآيات لا غير، وهذا من تمام وكمال رحمته وعفوه وحبه للعذر .
[5] الحديث سنأتي على ذكره ـ إن شاء الله ـ بشيء من التفصيل .
[6] واضح أن الشيخ يرد على من يقول بقيام الحجة على العباد من جهة حجة الفطرة والآيات الكونية والميثاق وغير ذلك .. ولم يشر قط إلى المعتزلة وإلى استدلالهم بالعقل على مسائل الشرع، لكن ممكن أن يكون قد عناهم بالرد في موضع آخر، كما ذكر أخونا أبو محمد .. لكن في هذا الموضع كما هو ظاهر يرد على من يقول بقيام الحجة ـ التي يستحق رادها العذاب ـ من غير جهة نذارة الرسل؛ كحجة الفطرة، والميثاق، والآيات الكونية ..!
[7] واضح مذهب الشيخ الشنقيطي ـ رحمه الله ـ بأنه لا عذاب في الدنيا والآخرة إلا بعد رد حجة الرسل .. واستشهاد أخينا عبد القادر بن عبد العزيز بقوله، كان صحيحاً وفي موضعه المناسب .. لا يرد عليه بمثل قول أخينا أبي محمد:” أما الشنقيطي فواضح من تركيزه فيه على موضوع العقل ونصب الأدلة، أنه يرد على المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام الذين أوجبوا معرفة الله بالأدلة العقلية، وهذا موضوع آخر غير ما نحن فيه ..”، فكلام الشنقيطي الآنف الذكر في وادٍ، وكلام الأخ الذي أشار إليه في وادٍ آخر ..!!
[8] تأمل كيف أن عذره الذي يعتذر به أنه لم يسمع شيئاً من كلام الرسل الذي به تقوم الحجة، وكذلك أصحاب الفترات .. لكن الذي يمكن أن نقوله هنا: أن الأصم في زماننا توجد له لغة خاصة به يستطيع من خلالها أن يفقه كثيراً من المعاني والمسائل، ومن كان كذلك لا شك أنه لا يُعذر بالجهل وهو محجوج بنذارة الرسل على قدر ما يستطيع أن يعرف ويفقه منها، لأن مدار التكليف على الاستطاعة كما تقدم، والأصم في زماننا ـ ولله الحمد ـ يستطيع أن يعرف ويطلع على الشيء الكثير من معاني التوحيد والدين.
[9] أخرجه أحمد، وابن حبان، وغيرهما، صحيح الجامع الصغير:” 881 “.
[10] العقيدة والآداب الإسلامية، ص174.  
[11] عن تفسير البغوي: 3/285.
[12] في رسالة لأخينا أبي محمد يجيب فيها على سائل .. وذلك في أواخر شهر شوال من سنة 1416 هـ، كما هو مثبت في الرسالة، يقول: الشرك بالله وعبادة غيره، واتباع دين وشرع غير دينه وشرعه، أو الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع .. ونحو ذلك فهذا كله لا يعذر الجاهل به لأنه أصل الدين ( التوحيد ) الذي جاءت الرسل كافة من أجل دعوة الناس إليه وتقريره والتحذير من ضده ( الشرك ) وسد ذرائعه، وقد أقام الله تعالى فيه حجته من أبواب شتى .. ا-هـ . وهو كلام منسجم مع كلامه الذي أثبتناه له في أول هذا البحث .. فتأمل !!
[13] قال أبو محمد في الهامش من رسالته كشف الشبهات، بعد أن ذكر الحديث: فيه دلالة على العذر بالجهل في باب الأسماء والصفات لأن ذلك لا يُعرف إلا عن طريق الرسل فهذا الرجل جهل سعة قدرة الله U وظن أن وصيته لأولاده ستنجيه من عذاب الله فغفر له ذلك الجهل، بخلاف التوحيد الذي هو حق الله على العبيد والذي نصب الله له الأدلة العقلية والكونية، وأقام عليه حجج الميثاق والفطرة وأكملها بالحجة الرسالية ..!! ا-هـ .
  
[14] السلسلة الصحيحة: 1/247.
[15] لا يلزم من قال قولاً وافق فيه أهل البدع أن يكون منهم، بل قد يكون له أجر إن كان مجتهداً، وكان خطؤه ناتجاً عن اجتهاد .. فتنبه لهذا . 
[16] انظر الفتاوى: 3/229 . و 11/406-407 . و 12/466 و 478 .
[17] كنا قد أعلنا ـ في مسجد ـ عن درس ندرس فيه العقيدة والتوحيد، في كل أسبوعٍ مرةً واحدة ولا نزيد حتى لا نُمل القوم !! .. وبعد سنة من الإعلان فالحضور لا يتجاوزون العشرين نفر، وأحياناً يزيدون قليلاً، وحيناً    آخر ينقصون .. ومرةً أعلن في المسجد ذاته عن وليمة طعام لمن يرغب في الأكل، فحضر أناس لا ندري من أين أتوا، وكيف سمعوا بالوليمة، يتجاوز تعدادهم أكثر من مائتي رجل، غير النساء في الغرف لا نعرف عددهنَّ .. فتأمل ؟!!!  
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.