موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

كيف نربي أبناءنا في بلاد الغرب ..؟

0 505

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً كثيراً .

          وبعد: فإن كثيراً من المسلمين اضطرتهم ظروف القهر والإرهاب والظلم الذي يعيشونه في بلادهم مسقط رأسهم ـ من قبل طواغيت الحكم الجاثمين زوراً على صدر الأمة ومقدراتها، والذين يفرضون على شعوبهم سياساتهم الباطلة، وأفكارهم الكافرة الماجنة بالحديد والبطش والنار ـ إلى الهجرة والبحث عن مكانٍ يتحقق فيه الحد النسبي من الأمان لهم ولأهلهم، وأبنائهم ..

          ولما كانت بلاد الغرب فيها هذا الحد النسبي من الأمان .. كانت مقصد كثير من المسلمين المضطهدين في دينهم ومعاشهم([1]) .. فهاجروا إليها ومعهم أبناءهم ونساءهم لتواجههم تحديات من نوع آخر لم يكن كثير منهم يتوقعها أو يتصورها، تختلف ـ نوعاً ـ عن التحديات التي كان يواجهها في بلاده ..!

          تحديات من جهة تزيين الباطل والترغيب به .. تحديات من جهة العرض الهائل للدعايات المكثفة لصور المجون والدعارة والفساد .. تحديات من جهة ضغط المناهج المنحرفة الفاسدة التي يتلقاها الأبناء في المدارس .. تحديات من جهة الترويج المكثف لكثير من الأخلاقيات السائدة في بلاد الغرب والتي تتعارض مع أخلاق وتعاليم الإسلام الحنيف ..

          في ظل هذا الواقع المنحرف المفاجئ لكثيرٍ من الناس، يتساءل كثير من الآباء والأمهات الغيورين على دينهم وأبنائهم: كيف نربي أبناءنا التربية الإسلامية الصحيحة .. كيف نحافظ على سلامة أخلاقهم وسلوكم من الانحراف .. كيف نحافظ على عقيدتهم وثقافتهم الأصيلة من الضياع .. كيف نربطهم بهموم أمتهم التي تكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب ؟؟!!

          فهذه الأسئلة ومثيلاتها تراود كثيراً من الآباء الغيورين، وتقلق عليهم مضاجعهم وحياتهم .. وهم محقون في كل ذلك؛ فالأبناء فلزات الأكباد، وقرة العين، وأمل الأمة وهم أمانة طيعة في أيديهم سيُسألون عنها يوم القيامة: أضيعوها أم حافظوا عليها، وأعطوها حقها ..؟!

لذا سنجتهد ـ إن شاء الله ـ في هذه الأوراق القليلة الإجابة على هذه الأسئلة الهامة بشيء من التفصيل والتدقيق، راجياً من المولى U أن يهدي بها العباد، ويحقق منها المراد .. إنه تعالى سميع قريب مجيب .

          والجواب يكمن في النقاط التالية:

          أولاً: الشعور بالمسؤولية نحو الأبناء .

          ونقصد بذلك أنه لا بد للآباء من أن يتحقق لديهم أولاً شعور قوي بالمسؤولية نحو الأبناء؛ يدفعهم للمتابعة والاهتمام بالأبناء إلى درجة القلق والخوف، إذ أن هذا الشعور يُعتبر شرطاً لأي حل أو علاج، لا تنفع من دونه الحلول الأخرى([2]) ..!

          الشعور بأن هؤلاء الأبناء أمانة في أعناق الآباء سيُسألون عنهم أمام الله تعالى: هل وفوا بحقهم عليهم، أم قصروا وفرطوا وضيعوا ..؟

          قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” كُلُّكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته؛ الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها، والخادمُ راعٍ في مالِ سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكُم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته ” متفق عليه . 

          ومن الشعور بالمسؤولية نحو الأبناء إعطاؤهم حقهم من غير إفراطٍ ولا تفريط، ولا انشغالٍ عنهم بحقوقٍ أخرى .. وإنما يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقه بالتمام والكمال .

          فليس من العدل ولا الفقه ولا المروءة أن ينشغل المرء في إعمار بيوت الآخرين، بينما بيته خرب تتآكله الآفات والأمراض المادية منها والمعنوية ..!

          قال صلى الله عليه وسلم:” كفى بالمرءِ إثماً أن يُضيع من يَقوتَ “([3]) . أي من يُعيل من الأهل والأبناء .

ضياعهم من الجهة الدينية والأخلاقية والتربوية، وهو ضياع آثاره ـ في الدنيا والآخرة ـ أشد بكثيرٍ من الضياع المادي المعيشي[4] ..!!

          قال صلى الله عليه وسلم :” خيرُكم، خيركم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي “([5]).
          والخيرية الواردة في الحديث هنا هي الخيرية الشاملة لجميع الجوانب: المادية منها والمعنوية؛ ونقصد بالمعنوية الجانب الإيماني والأخلاقي، جانب التعليمي النافع ..
          والحديث يفيد أن من فيه خير، فخيره أول ما ينبغي أن يظهر على أهله وأبنائه، فإذا انتفى خيره عن أهله وأبنائه، فمن باب أولى أن ينتفي خيره عن أمته وعن الآخرين، ولو زعم خلاف ذلك فهو ـ بدلالة الحديث ـ من الكاذبين ..!
          فمن لا يسعى ولا يعمل على إقامة دولة الإسلام في أهله وبيته، فهو غير صادق في مسعاه لإقامة دولة الإسلام في مجتمعه وأمته .
          قال صلى الله عليه وسلم:” من كتم علماً عن أهلهِ، أُلجمَ يومَ القيامة لجاماً من نار “([6]). 
          وقال تعالى:] يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسَكم وأهليكم ناراً [ قال علي رضي الله عنه: علموا أهليكم الخير ([7]).وهذا كله لا يتأتى إلا بعد الشعور بالمسؤولية نحو الأهل والأبناء .
          هذه هي النقطة الأولى من الجواب على السؤال الهام الوارد في مطلع هذا البحث .. لننتقل بعدها ـ بإذن الله ـ إلى النقطة الثانية من الجواب . 
          ثانياً: مراقبة ومتابعة مصادر التلقي عند الأبناء . 
          فهم من خلال هذا الضغط الجاثم على صدورهم، والذي يُمارس من قبل المجتمع الجاهلي الذي يعيشون فيه، يتعرضون إلى مصادر عديدة مشوهة للتلقي: منها ما يمكن أن يكتسبوه من المدارس العلمانية المنحرفة من قيم فاسدة، وأفكارٍ باليةٍ ملحدة، وأخلاقٍ سيئةٍ .. فالمدارس المنحرفة ـ وهي السائدة والغالبة ([8]) ـ عليها التعويل الأكبر في إفساد الأجيال، وتسييرهم وفق مخططات وأهداف أرباب الشرك والإلحاد ..!
ومنها ما يكتسبه من أقران السوء ـ في المدرسة وغيرها من الأماكن ـ من عادات وسلوكيات سيئة، وألفاظ نابية ..! 
          ومنها ما يكتسبه ويتلقاه من قيم وأفكار باطلة من خلال قراءاته المدرسية، أو ما يقع بين يديه من كتب ونشرات، أو مجلات تصب كلها في خانة الباطل والإفساد، والفجور والشر، وبث الشبهات، وإثارة الشهوات ..!
          ومنها كذلك ملاحظة ما يمكن أن يكتسبه من وسائل الإعلام وبخاصة منها المرئية .. فإن كثير مما يُبث عن طريق التلفاز له هدف يصب في خدمة الطاغوت، وفي الترويج لألوهيته وعبادته من دون الله U ..!!
فهو وسيلة الطواغيت وقوى الشر في غزو بيوت المسلمين، وغزو أخلاقهم وقيمهم الإسلامية .. وإذا كان الأمر كذلك فليس من الحكمة ولا السلامة أن يُسمح للأبناء أن يجلسوا على مدار الساعة في أيديهم ” الريمون كنترول ” يتنقلون بين قنوات الشر والفجور والمجون المتعددة التي تهدف إلى تدمير كل ما هو خُلُق، ودين، وفضيلة، وقيم نبيلة ..!!
          ليس من السلامة أن يُسمح للمشركين من عبدة الهوى والمجون أن يبثوا رسائلهم السامة  ليستقبلها أطفالنا بكل شغف من دون أن ينتبهوا لخطرها وسمومها ..!! 
وكذلك الإنترنت وغيره من وسائل البث لا بد من مراقبتها وترشيد استخدامها للانتفاع من جوانبها الإيجابية وترك جوانبها السلبية المدمرة ..!
          أقول: لا بد من مراقبة مصادر التلقي هذه كلها، ومراقبة ما يكتسبه الأبناء ـ من معانٍ وقيم وأخلاقٍ باطلة فاسدة  ـ من خلالها، ومعالجتها أول بأول، وقبل أن تتمكن من نفوس الأبناء وطبائعهم وأخلاقهم، فيصعب حلها وعلاجها وقتئذٍ ..!!
          فإن إهمال الأبناء من هذا الجانب يترتب عليه كثير من الشر إن لم يكن كل الشر، يدرك ذلك الوالد عندما يشب ولده ويفاجئه بكل جرأة بالكم الهائل من التصورات والمفاهيم الباطلة التي كانت قد تراكمت عنده منذ الصغر ومع الزمن، حتى ـ هذه المفاهيم الباطلة ـ شكلت شخصيته وأفكاره وتصوراته عن الحياة والوجود، وما بعد الوجود .. ينافح عنها بكل جرأة ووقاحة !!
          فيفاجأ الأب حينئذٍ أنه أمام شخصية تختلف عن شخصية ذاك الطفل البريء الطيع الذي كان يقوده كيفما شاء ويسكته بصوت جهوري واحد ..!! 
حينها يأتي الأب ويسأل ذوي الشأن عن مشكلته مع ابنه كيف يتعامل معها أو يعالجها..؟!
          أقول له: قد فاتك القطار .. وقد تأخرت في إعطاء الدواء لولدك، حتى استعصت عليك وعلى الأطباء أمراضه المزمنة .. إلا من شاء الله له الهداية والشفاء، فإن الله على كل شيء قدير .
          لذا ـ حتى لا يحصل ذلك، ويقع الندم ولات حين مندم ـ ننصح الآباء أن يجرئوا أبناءهم على أن يحدثوهم عن كل ما شاهدوه واكتسبوه من مفاهيم وقيم من مصادر التلقي الآنفة لذكر، ويصبروا عليهم ـ من دون زجر أو إخافة للطفل بسب ما يحدث به ـ وعلى أحاديثهم، ثم يقوموا بطريقة حكيمة وبسيطة تناسب مستوى الطفل بغربلة ما اكتسبه في يومه من دون أن يرجئه إلى يوم الغد، فيبطل التصورات الخاطئة في نفس طفله، ويعزز لديه التصورات الصائبة النافعة ..
          ينبغي على الآباء أن يتوقعوا أسئلة من أبنائهم، كقولهم: لماذا خلقنا الله .. ومن خلق الله .. ولماذا هذا حلال وهذا حرام .. وأن عيسى u هو ابن الله ـ كما يسمع من أقرانه وفي المدارس ـ وأنه صُلب .. وأن بابا نويل قادر على أن يأتي بالحلوى والمسرات للأبناء .. وغير ذلك من التساؤلات والشبهات التي سببها التلوث بالبيئة الثقافية المنحرفة المحيطة به !!
          والآباء يجب عليهم ـ من دون غضب أو انفعال قد يمنع الطفل من أن يوجه أي سؤال آخر لأبيه([9]) ـ أن يصبروا على أسئلة أبنائهم، ويجيبوهم عليها بطريقة صادقة سهلة ومبسطة .. ومن عجز عن ذلك لا حرج عليه في أن يستعين بذوي الخبرة والدراية من إخوانه .
ثالثاً: توجيه الأبناء إلى مصادر التلقي الصحيحة .
          لا يكفي أن نراقب مصادر التلقي عند أبنائنا، ونقف عند حد المعالجة للقيم الفاسدة التي اكتسبوها من تلك المصادر .. لا يكفي ذلك حيث لا بد من توجيههم إلى مصادر التلقي النافعة البناءة، توجيههم إلى الجهة التي يأخذون منها القيم والمبادئ، والقوانين ..
          وأعني بهذه الجهة: الكتاب والسنة التي تتضمن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم القولية والعملية .. والتي تشمل على خيري الدنيا والآخرة، والسعادة في الدنيا والآخرة .. 
          توجيههم إلى العلم النافع الذي يستمد حجته من الكتاب والسنة، على ضوء فهم السلف الصالح ..
          فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع شيئاً خيّراً يقرب إلى الله وإلى الجنة إلا وقد بينه لأمته، كما لم يدع شراً يبعد عن الله ويقرب إلى النار إلا وقد بينه لأمته ونهاهم عنه، كما في الحديث:” إنه ليس شيءٌ يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتُكم به، وليس شيءٌ يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه “([10]).
          وإذا كان الأمر كذلك فمن العبث والضلال أن نلتمس الخير والهدى من غير مشكاة النبي صلى الله عليه وسلم ، نذهب للاقتراض والاستجداء من الفجار مصاصي الدماء، قبل أن نراجع رصيدنا الضخم الوافر بكل خير، الذي يغنينا عن مد الأيدي إلى الآخرين، والاستجداء منهم حثالات الأفكار والمبادئ الساقطة ..!
          كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي هذا الجانب مع أصحابه أيما مراعاة ليخرج منهم جيلاً فريداً يكون على مستوى هذا الدين .. على مستوى المسؤولية الضخمة التي تنتظرهم ..
          ولما أتى عمر رضي الله عنه بصحائف من التوراة، يريد أن يقرأها على النبي صلى الله عليه وسلم .. غضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، حمل عمر رضي الله عنه على أن يقول: آمنت بالله ورسوله .. آمنت بالله ورسوله .. آمنت بالله ورسوله .. رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً .. إلى أن سرى الغضب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال:” والذي نفسي بيده لو أصبح موسى u ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين ” وفي رواية:” وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حلَّ له إلاَّ أن يتبعني ” .
          إنها قضية بالغة الأهمية والخطورة .. قضية ممن تؤخذ القيم والمفاهيم، والمبادئ .. قضية تتعلق بالاتباع والتلقي، وهي قضية لها مساس بالعقيدة والتوحيد، وسلامة الدين .. قضية لا تُعالج على طريقة ” ما بال أقوامٍ ” أو التلميح،  حيث لا بد فيها من التصريح والتعيين ..  لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم متشدداً هذا التشدد مع عمر رضي الله عنه ليخرج منه ذلك القائد الفذ العظيم الذي لا يعرف التاريخ له ـ بعد أبي بكر رضي الله عنه ـ من مثيل أو نظير ..!
          وإن كان عمر هو ذاته الذي تخشاه شياطين الإنس والجن، حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم مقولته المشهورة:” ما سلك عمر فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً غيره “. وقال فيه:” لو كان نبياً بعدي لكان عمر ” .
          كل ذلك لا يمنع من أن يُمنع عمر من أن ينشغل بقراءة أوراق من التوراة قبل أن يرتوي إلى حد التضلع من معين هدي النبي صلى الله عليه وسلم ..!!
          بهذه التربية النبوية العظيمة امتاز جيل الصحابة رضي الله عنه عن الأجيال التي تلته .. وبخاصة القرون المتأخرة والتي نحن منها.. حيث ترانا ننشغل بالعلوم والقراءات العديدة والمختلفة والتي لا يُعرف خيرها من شرها قبل أن نرتوي أو نطلع على ما جاء في الكتاب والسنة !! 
          نقرأ مائة كتاب لفلان وعلان من البشر قبل أن نقرأ ـ مرة واحدة ـ كتاب الله تعالى ونتدبر معانيه ومراميه ..!!
          ينصرف أبناؤنا لقراءة أي شيء مما يصدر عن حثالات البشر ـ باسم الحرية وضرورة الاطلاع، وحب الاكتشاف ـ قبل أن يكونوا قد قرأوا صحيح البخاري، أو مسلم ..!
          ثم بعد ذلك نتساءل عن أسباب الهزيمة النفسية والفكرية التي يعاني منها أبناؤنا ..؟! 
          نتساءل عن سبب الأمراض والتشوهات الفكرية الثقافية العديدة التي تصيبهم في تصوراتهم وأذهانهم .. وكأننا لا نعلم أننا نحن كنا السبب في ذلك كله عندما كنا نيسر لهم الاطلاع على أي شيء .. سوى الاطلاع على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .. وسيرة الصحابة أبطال هذه الأمة وإلى يوم القيامة ..!!
          مثلنا ومثل الرعيل الأول من الصحابة : أن الصحابة كانوا يرتوون من رأس النبع الصافي، فيشربون الماء صافياً خالياً من الشوائب والأدران .. فسلموا من العاهات والأمراض والتشوهات ..وبذلك امتازوا على من بعدهم من الأجيال والشعوب .
          أما مثلنا ومثل أجيالنا المشوهة فكرياً، والمهزومة عقدياً .. مثل من يستقي من آخر السيل، وبعد أن يكون قد شربت منه البهائم والدواب والآفات، ورتعت فيه .. فتصلهم المياه مليئة بالشوائب والجراثيم والأوساخ .. فيُصابون بالمرض بل بالأمراض !!
          هذا هو مثلنا ومثلهم .. ثم يأتي بعد ذلك من يقول بكل وقاحة وجرأة: الخلف أفقه وأحكم من السلف .. ] كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً [ !!
          ورحم الله سيد قطب حيث يقول: أرانا نتلقى نظام حياتنا وشرائعنا وقوانيننا من تلك المصادر المدخولة .. أرانا نتلقى قواعد سلوكنا وآدابنا وأخلاقنا من ذلك المستنقع الآسن الذي انتهت إليه الحضارة المادية المجردة من روح الدين .. أي دين .. ثم نزعم ـ والله ـ أننا مسلمون! وهو زعم إثمه أثقل من إثم الكفر الصريح . فنحن نشهد على الإسلام بالفشل والمسخ حيث لا يشهد عليه هذه الشهادة الآثمة من لا يزعمون مثلنا أنهم مسلمون !! ا-هـ .
          رابعاً: مراعاة تقديم الأولويات عند تلقين الأبناء .
          حيث لا بد في عملية التلقين المشار إليها من قبل أن نراعي الأولويات والأهم فالأهم عند التلقين .. ونريد من ذلك الإشارة إلى أهمية غرس العقيدة والتوحيد في نفوس الأبناء منذ الصغر، وإعطاء ذلك الأولوية عند تزاحم الأشياء التي ينبغي تقديمها وعرضها على الأبناء، والذي دعانا إلى الإشارة إلى ذلك أسباب عدة :
          منها: أن تقديم التوحيد وإعطائه الأولوية .. هو منهج الأنبياء، والسلف الصالح في الدعوة إلى الله تعالى، وفي تربية الأبناء والأجيال .
          فتأمل وتدبر وصية لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه، كما ينقلها لنا القرآن الكريم، وكيف أنه كان يتسلسل مع ابنه في الوعظ والتوجيه بحسب الأهم ثم الأهم:] وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بُنيَّ لا تُشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم .. يا بُني إنها إن تَكُ مِثقالَ حبةٍ من خردلٍ فتكن في صخرةٍ أو في السماوات أو الأرض يأتِ بها الله إن الله لطيفٌ خبير . يا بُني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور . ولا تصعِّر خدك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يُحبُّ كلَّ مختالٍ فخور . واقصد في مشيك واغضُض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [ سورة لقمان .
          تأمل هذا التسلسل في التوجيه وكيف أنه ابتدأ مع ابنه في غرس العقيدة والتوحيد ..] لا تُشرك بالله [ لأن الشرك وراء كل داء وبلاء ..
          ثم كيف كلمه ـ بعيداً عن أسلوب أهل الكلام وتعقيداتهم ـ عن عظمة علم الله تعالى وقدرته، وعن إحاطته علماً بجميع خلقه؛ حتى حبة الخردل ـ على صغر حجمها ـ تكن في صخرة أو في السماوات والأرض فإنه تعالى يحيط بها علماً ويأتي بها .. الله أكبر !!
          وكأنه يقول له: لا تحسب أنك قادر على أن تغيب عن عين الله تعالى، أو أن تفلت من قدرته إذا هممت بذنب أو معصية .. فإن الله يراك .. ولن يفلت منه شيء !!
          وإذا كان الأمر كذلك فهذا داعٍ منك أن لا تعصي الله في شيء ..!
          ينهاه عن ارتكاب المعاصي والذنوب .. ليس عن طريق التخويف من النار وألمها الشديد،
وإنما عن طريق بيان التوحيد، وبيان عظمة الخالق I .. وهو أبلغ وأزجر .
          ثم ينتقل معه في التوجيه والتلقين إلى أعظم ركنٍ وفرض بعد التوحيد ] وأقم الصلاة [ لماذا .. لأنها عاجلاً أم آجلاً إن الصلاة تنهى صاحبها وتزبره عن الفحشاء والمنكر ] إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [
          الصلاة .. هي الفريضة الوحيدة التي أذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم ضرب الأبناء عليها ـ وهم أبناء عشر وليس قبل ـ إن لوحظ منهم التقصير في آدائها، كما في الحديث الصحيح:” مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبعِ سنين، واضربوهم عليها وهو أبناء عشرِ سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع.. “([11]). أي في الفراش والنوم ..
          ثم بعد ذلك يوجهه إلى حمل أمانة هذا الدين إلى الآخرين([12]) .. وإلى الجهاد والصبر على تحمل تبعات الدعوة إلى الله ] وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك [ وذلك يكسب الولد شعوراً بأنه شيء كبير ـ وهو كذلك ـ إنه يحمل أمانة ـ لا بد أن يتحرك لها ـ تعجز عن حملها الجبال الراسيات .. وهذا لا شك يجعله يتطلع دائماً إلى تحصيل الهمم العالية وعدم الالتفات إلى الترهات وإلى صغائر الأمور، كما يجعل حياته مصبوغة بالجد بعيداً عن الهزل والترف .. وهذا ما يناسب دعوته التي يعمل لأجلها، وفي الحديث:” إن ربَّك ليعجبُ للشاب لا صبوة له “([13]) . 
          ثم ينتقل به إلى الآداب والأخلاق الحميدة .. والتي بها يرقى إلى مستوى هذا الدين العظيم، وإلى مستوى أن يكون داعية إلى الله تعالى:] ولا تصعر خدك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يُحب كلَّ مختالٍ فخور، واقصِد في مشيك واغضض من صوتكَ إنَّ أنكر الأصوات لصوتُ الحمير [ .
          فحق لا يُحاط بسياج من الأدب والخلق النبوي الرفيع .. تقل فاعليته، ويضعف أثره في نفوس الآخرين، بل لربما يكون سبباً في صد الآخرين عن اتباع هذا الدين والدخول فيه كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :] لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك [، ولكن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه ـ بفضل الله تعالى ـ أُتي أرفع الأخلاق وأجلّها ما لم يؤته أحد من العالمين، كما شهد له بذلك ربُّ العالمين:] وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم [ .
          فهذا التسلسل في التوجيه والتلقين لم يرد ذكره في القرآن الكريم عبثاً لغير حكمة يريدها الشارع منا ..!
          ومما يدل على وجوب مراعاة جانب التوحيد وإعطائه الأولوية عند التلقين، حديث جندب بن عبد الله حيث قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً ([14]).
          هذا سبب من الأسباب التي تلزمنا بإعطاء التوحيد الأولوية ..
          ومنها: أن التوحيد شرط لصحة الأعمال والطاعات؛ لا يقبل من المرء عمل أو طاعة إلا بعد أن يستوفي التوحيد ويحققه في نفسه اعتقاداً وقولاً وعملاً .. وهذا من لوازمه أن يسعى الآباء جادين إلى تحقيق التوحيد في نفوس أبنائهم قبل أن يبلغوا السن الذي به يجري عليهم القلم والحساب([15]) .
فمشكلة أيما مشكلة أن يشب الولد ويدرك سن البلوغ وهو يجهل التوحيد حق الله تعالى على العباد .. لا يعرف ربه بأسمائه وصفاته، ولا حقه عليه في هذه الحياة .. فهذا الخطب العظيم قد يهون عندما يجهل المرء بعض أحكام الدين وفروعه .. بخلاف لو جهل التوحيد ! 
وهذا سبب وجيه حملنا على التنبيه إلى إعطاء التوحيد الأولوية عند التلقين ..
ومنها: أن عقيدة التوحيد تكسب المرء حصانة منيعة ضد أي غزوٍ ثقافي أو فكري .. كما تكسبه مناعة على الذوبان في عادات القوم وسلوكياتهم وأخلاقياتهم المنحرفة؛ وبخاصة إن تمكنت منه جيداً عقيدة الولاء والبراء، التي تحمله على الحب في الله والبغض في الله، وعلى أن يحسن ما حسنه الله تعالى، وأن يقبح كل ما قبحه الله تعالى في شرعه .
عقيدة الولاء والبراء التي تحمل صاحبها على أن يدور مع الشرع حيث دار .. سلماً وحرباً، حباً وبغضاً، تحسيناً وتقبيحاً .. وهو بذلك يكون كالنجم في السماء قد أدرك من الإيمان أوثق عراه وأعلاها .. صعب المنال أو الذوبان في عادات القوم وأخلاقياتهم الباطلة .
لكن قد يأتي السؤال: كيف نلقن أبناءنا العقيدة والتوحيد، هل هذا يضطرنا إلى أن نقرأ عليهم بعض المتون العقدية أو الكتب التي تناولت العقيدة الإسلامية تناولاً صحيحاً .. أم ماذا ؟!
أقول: لا يشترط في المراحل الأولى أن يُقرأ على الأبناء متون في العقيدة([16])، تستلزم منهم الجلوس على الركب الساعات الطوال، فالأطفال كثير منهم لا يُطيق ذلك .. وهناك طرق عديدة أخرى يسيرة تناسب الأبناء، وهي سهلة على الآباء ممكن الاستعاضة بها عن قراءة الكتب أو المتون المطولة .. من هذه الوسائل والطرق:
1- استغلال مجالس التلاوة ما أمكن ذلك : وصورة ذلك أن يقف الوالد مع أبنائه عند التلاوة الجماعية على بعض الآيات القرآنية التي توضح بعض معاني التوحيد، كوقوفهم ـ مثلاً ـ على الآيات التي تفيد أن عيس u عبد الله ورسوله، وأنه لم يُصلب ـ كما يقول النصارى ـ وإنما شُبه لهم .. فيشرح الوالد معانيها ومراميها للأبناء، وبطريقة تناسبهم .
وهكذا بقية معاني التوحيد والعقيدة عندما يمرون عليها في القرآن الكريم ..
2- من خلال سرد قصص النبي صلى الله عليه وسلم، وقصص الصحابة رضي الله عنهم، وغيرهم من أبطال التاريخ الإسلامي: فالأطفال يميلون عادةً إلى الرغبة في سماع القصص .. والوالد عليه أن يستغل ذلك، ولا يكتفي بسرد القصص من دون أن يقف على بعض المعاني العقدية الإيمانية الكثيرة  التي تتخلل تلك القصص .. فيبين لهم مثلاً: من خلال قتال الوالد المؤمن لولده الكافر، وقتال الولد المؤمن للوالد الكافر كما حصل في بعض الغزوات الإسلامية .. كيف يكون الولاء في الإسلام للعقيدة والإيمان وليس للدم أو القبيلة والعشيرة، أو غير ذلك من الروابط الأخرى . 
          وكذلك من خلال سرد قصص الهجرة يبين مثلاً كيف أن الصحابة آثروا سلامة العقيدة والعبادة على حب الأوطان والديار؛ لأن الإنسان خُلق لعبادة الله U ، وبالتالي يجب عليه أن يدور مع هذه الغاية حيثما دارت أو وجدت .
وهكذا بقية معاني التوحيد يمررها على مسامع بنيه من خلال سرد القصص الثابتة الصحيحة لأبطال هذه الأمة .
3- من خلال التعليق السريع على بعض الأحداث: فيذكر مثلاً ما حصل للمسلمين في البوسنة والهرسك من مجازر، وما يحص الآن في الشيشان من إبادة للشعب المسلم الشيشاني .. ثم يذكر له سبب ذلك هو انتماء هذه الشعوب لهذا الدين، ولأنهم مسلمون؛ فيغرس في قلب ولده حب المؤمنين والتعاطف معهم، وكره الكافرين والمشركين والبراءة منهم .
وكذلك ما حصل ويحصل في فلسطين المسلمة .. فيزرع في قلبه بغض يهود، وبغض دينهم وعاداتهم . 
وكذلك لو مرض الطفل .. يُبين له ـ وإن تناول الدواء ـ أن الشافي هو الله تعالى وحده، وأن هذا الدواء ما هو إلا سبب أودع الله فيه خاصية الشفاء .
ويبين له أن النافع والضار هو الله تعالى وحده .. لا يجوز الالتجاء إلى ما سواه لكشف ضرٍ، أو جلب منفعةٍ .. وبذلك يزرع في نفس ولده صفة التعلق بالله U دون سواه، وهذا من التوحيد ..
 وهكذا كل مناسبة أو حدث يمر لا بد للوالد من أن يعطيه التفسير العقدي الإيماني، ليتلقاها منه الأبناء ..!
4- من خلال القدوة الحسنة: ونعني بذلك أن يكون الوالد نفسه قدوة حسنة لأبنائه .. فهم يقرؤون التوحيد والعقيدة من خلال مواقف وكلمات أبيهم اليومية؛ فهو ـ مثلاً ـ يثني على شخص ما خيراً أمام أبنائه لأنه رجل صالح مؤمن مجاهد، وليس لشيءٍ آخر..
كذلك يثني على شخص آخر بالسوء لأنه كافر مشرك، وسيئ الخلق والدين، وليس لشيءٍ آخر .. فيكتسب الأولاد من خلال ذلك الميزان والضابط الذي به وعلى أساسه يقيمون الآخرين ومواقفهم . 
فهو إذ يتبرأ من نظامٍ معين، يتبرأ منه لأنه نظام كافر يحارب الإسلام، ويُعادي الله ورسوله .. وليس لأنه لم يؤمِّن له وظيفة أو عمل .. وهكذا بقية المواقف .
وحتى لا يضطرب هذا الميزان عند الأبناء ينبغي على الآباء أن ينتبهوا لعباراتهم أمـام
أبنائهم؛ فلا يتوسعوا مثلاً في مدح كافر أو مشرك .. أو مدح بعض عادات المشركين وأفعالهم .. أو مدح بعض الأنظمة الطاغية .. فالأبناء يرددون ويؤمنون وراء آبائهم ما يقولون !
فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح :” فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه ..”؛ وذلك يكون من خلال التلقين الباطل لأبنائهم بعد أن خلقهم الله تعالى على الفطرة حنفاء موحدين .
أريد من هذه النقطة أن أشير إلى أن الأبناء يكتسبون كثيراً من معاني العقيدة والتوحيـد
من خلال أحاديث آبائهم أمامهم، ومن خلال مواقفهم العملية اليومية .. لذا عليهم أن يُراقبوا أنفسهم وكلامهم ، وتصرفاتهم وبخاصة أمام أبنائهم. 
          5- من خلال تصحيح المواقف والكلمات الخاطئة عند الأبناء : فالأبناء من خلال نشاطاتهم اليومية لا بد أن يصدر عنهم بعض الأخطاء .. فينبه الآباء لهذه الأخطاء، وأنها تنافي كمال التوحيد .
          فمثلاً قد يسمع الآباء من أبنائهم مَن يحلف بغير الله .. فيُنبه أن هذا من الشرك الذي نهى  الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه .. وإن كان حالفاً فليحلف بالله تعالى وحده .
          وإن ذكر ـ بسبب ما يتلقاه من المدرسة وغيرها ـ أن بابا نويل ينفع ويقدر على أن يأتي بالسكريات والأشياء الجميلة .. يُبين له أن بابا نويل هو عبارة عن وثن، وهو خرافة صنعته أيدي الأحبار والرهبان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن أن يُعطيه للآخرين ..
          وهكذا لو شاهد الولد مشاهد من أفلام الكرتون ترد التصرف بالرياح والمطر والكون إلى أبطال الكرتون .. فهو يصحح لهم ذلك، ويبين لهم أن هذا من الشرك الذي لا تجوز مشاهدته .
          وهكذا من خلال تصحيح المواقف والعبارات الخاطئة للأبناء فإنهم يكتسبون كثيراً من معاني العقيدة والتوحيد .
          هذه بعض الوسائل والطرق البسيطة والسهلة ـ والمهمة في آنٍ واحد ـ التي من خلالها يقدر الآباء على توضيح العقيدة والتوحيد لأبنائهم .
          خامساً: الصحبة والمصاحبة .
          ونعني بذلك ـ إضافة إلى ما تقدم ـ أن الأب لا بد له من أن يتعامل مع أبنائه كصاحب وصديق لهم إضافة إلى كونه أب له عليهم حقوقه المحفوظة شرعاً، وذلك يساعد على تحقيق مطلبان هامان في عملية التربية والمحافظة على الأبناء في هذه البلاد، أولهما: أن الأبناء لا يجدون الحواجز التي تمنعهم من أن يُصارحوا آباءهم في كل شيءٍ، أو يستشيروهم في كل شيء يستجد عليهم .. وهذا يمكِّن الآباء من معرفة جميع مشاكل الأبناء وما يُعانون منه، كما يمكنهم من توجيه
أبنائهم على بصيرةٍ في الاتجاه الصحيح والمطلوب .
          إن كتمان الأبناء عن الأباء ما يحصل لهم من مشاكل ومن أمور مستجدة تحتاج لمساعدة الآخرين، تجعل الولد يلتجئ غالباً إلى أقران السوء من أصحابه يستشيرهم في أمره وفيما يطرأ عليه من مشاكل، ليجد عندهم أسوأ الآراء، وأردأ الحلول التي قد ترتد عليه بالدمار والهلاك لو عمل بها ..! 
          لا يوجد في المحيط الذي يعيشه الأبناء من يريد الخير لهم كالآباء الصالحين .. وهذا مدعاة لحصول علاقة طيبة من نوع آخر تسهل عملية المصارحة والتوجيه من دون عقد أو حواجز نفسية لا فائدة منها، ولا داعي لها([17]). 
          ثانيهما: أن مثل هذه المصاحبة الصادقة تكسب الأبناء شعوراً صدقاً بحب وعطف وحنان الآباء عليهم  ..!
          وهذا الشعور بمحبة الآخرين نحوهم هم بحاجة ماسة إليه في هذه البلاد .. فالولد يميل دائماً إلى من يلمس منه المحبة والعطف نحوه، ويكون مشدوداً إليه وإلى توجيهاته وتعليماته .. فإن لم يجد هذه المحبة عند الآباء بحث عمن يجد عنده هذا الشعور، ليسد حاجته في هذا الجانب ..!
          والمشكلة قد تكون كبيرة وخطيرة جداً عندما لا يجد الأبناء المحبة والحنان من آبائهم ثم يجدون شيئاً منه عند معلميهم من المشركين الفاسقين، أو أصحابهم من أقران السوء ..!!
          فحينها يكون المعلم الفاسد، وقرين السوء هما المثل الأعلى عند الولد الذي منهما يتلقى كثيراً من القيم والمفاهيم، والعادات السيئة ..!
          وهذا الجانب لأهميته فقد عناه الإسلام اهتماماً كبيراً، كما في الحديث المتفق عليه عند الشيخين، عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: أتقبلون الصبيان ؟! فما نقبلهم !! . فقال النبي صلى الله عليه وسلم :” أوأملكُ لكَ أن نزعَ الله من قلبك الرحمة “.
          وعن أبي هريرة قال: قبَّلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما وعنده الأقرع ابن حابس، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:” من لا يَرحم لا يُرحم ” متفق عليه.
          وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحداً أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة كرم اللهُ وجهها؛ كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذَ بيدها وقبَّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخلَ عليها قامت إليه، فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها ([18]).
          وعن البراء قال: دخلت مع أبي بكرٍ أولَ ما قدِمَ المدينة، فإذا عائشة ابنته مضجعة قد أصابتها حُمَّى، فأتاها أبو بكرٍ رضي الله عنه فقال لها: كيف أنت يا بُنيَّة ؟ وقبل خدها ([19]).
          وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُدلعُ لسانه للحسن بن علي، فيرى الصبيُّ حُمرَةَ لسانه، فيبهشُ إليه “([20]). أي يسرع إليه ..
          وعن بريدة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يَعثُران ويقومانِ، فنزلَ فأخذهما فصعد بهما ثم قال: صدق الله ] إنما أموالكم وأولادكم فتنةٌ [ رأيت هذين فلم أصبر، ثمَّ أخذَ في الخطبة ([21]). 
          وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي إلى بعض شأنه ومعه أصحابه رضي الله عنهم، فيأتي أطفال المدينة فيأخذون بأطراف ثوب النبي صلى الله عليه وسلم .. فيمشي معهم حيثما شاءوا !!
          الله أكبر .. قائد البشرية ومعلمها الأكبر على الإطلاق .. تقوده أطفال المدينة .. فيمشي معهم ـ رأفة بهم وحباً لهم ـ حيثما شاءوا ..!!
          هذه بعض أخلاق معلمنا الأكبر، نبينا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم .. فأين هؤلاء الذين يقتدون به، ويغترفون من هديه وأخلاقه وآدابه الرفيعة .. ثم أين هؤلاء الذين يُعرضون عن هدي وأخلاق نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، ويقبلون على الأخلاق والثقافات المهترأة الآثنة الوافدة إلينا من بلاد الغرب وغيرها ..؟!! 
          لا يحسبون هؤلاء أنهم بخير .. أو حتى أنهم مسلمون ..!!
          – تنبيه :
          جميع ما تقدم  لا يخص تعامل الآباء مع الأبناء وحدهم بل هو يشمل الأبناء والبنات، بل إن للبنات ولتربيتهن، والإحسان إليهنَّ ميزة خاصة في الإسلام لا يُشركهن فيها الأبناء ..!
          قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” مَن عالَ ثلاثاً من بناتٍ يكفيهِنَّ ويرحَمهُنَّ، ويُرفقُ بهنَّ، فهو في الجنَّةِ “([22]).
          وقال صلى الله عليه وسلم:” من عال جاريتين حتى يُدركا، دخلتُ أنا وهو الجنَّةَ كهاتين ” وضم أصابعه . مسلم . وهذه خاصية لا يُشركهنَّ فيها الأبناء ..
          فتدبر وتأمل يا من تعتني بالأبناء وتتجاهل البنات وحقوقهنَّ عليك ..!!
         
وبعد: اعلم أن الهادي لكل خير هو الله تعالى وحده، فمن أراد له الهداية فلا مُضل له، ولو اجتمعت على إضلاله الإنس والجن، ومن أراد له الإضلال فلا هادي له، ولو اجتمعت على هدايته الإنس والجن، كما قال تعالى:] من يهدِ اللهُ فهو المهتد ومَن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً [ الكهف:17. وقال تعالى:] ومن يُضلل اللهُ فما له من هاد [ الزمر:23.
لذا لا مناص لك يا عبد الله ـ إضافة إلى التزامك بما تقدم ـ من اللجوء دائماً إلى الله تعالى تسأله الهداية والسلامة لك ولأهلك .. فالله تعالى خير حافظٍ وهو أرحم الراحمين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
          2/6/1421هـ .               عبد المنعم مصطفى حليمة

          1/9/2000 م .                           أبو بصير  

                           www.abubaseer.com     

 


[1] تذكر بعض الإحصائيات أن عدد المسلمين المقيمين في أوربة يقارب الأربعين مليوناً ..! 
[2] نلفت النظر لأهمية ذلك لملاحظتنا أن هذا الشعور غائب عن كثير من الآباء والأمهات .. ومنهم من يُعرب بلسان القال عن شعوره بالمسؤولية، وعن قلقه نحو أبنائه وهو في نفس الوقت بلسان الحال والواقع عبارة عن حمار في النهار؛ لا يعرف إلا العمل والشغل، ولا هم له سوى تكثير الأموال وتجميعها .. جيفة في الليل لا يعرف سوى النوم .. وكما يقول المثل: من الورشة إلى الفرشة، ومن الفرشة إلى الورشة .. ثم بعد كل ذلك إذا رأى أبناءه يسيرون في الاتجاه الذي لا يريده ولا يرضاه، تراه يسأل عن المخرج والسبيل، والسبب الذي أدى إلى ذلك .. !!
[3] أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، صحيح الجامع:273 .
[4] كثير من الآباء يهتمون بتغذية أبنائهم بجميع أنواع وصنوف الأغذية والأطعمة .. بينما يتجاهلون تغذيتهم من الناحية الإيمانية، والثقافية .. راكنين على ما تبثه المدارس العلمانية من سموم فكرية وأخلاقية في رؤوس أبنائهم !!
[5] أخرجه الحاكم في المستدرك، صحيح الجامع: 3316. 
[6] صحيح الجامع: 6517.
[7] أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، صحيح الترغيب:115. 
[8] من هنا تأتي أهمية المدارس الإسلامية الهادفة ودورها الهام في إبطال ما تبنيه تلك المدارس المنحرفة من باطل وسوء .. ولكن وللأسف فإن المتابع لأحوال المدارس في بلاد الغرب ـ التي تهتم بالجانب الديني والأخلاقي إلى  حدٍّ ما ـ يجد أن أغلب تلك المدارس إن لم يكن جلها هي تجارية بحتة، لا يهمها من العملية التعليمية سوى الكسب المادي وتحصيل الأرباح الطائلة .. حيث أن منها من يفرض المبالغ الطائلة كرسوم دراسية على الطالب يعجز كثير من الآباء عن تسديدها مما يضطرهم مرغمين على أن يضعوا أبناءهم في تلك المدارس المنحرفة الباطلة المجانية ..!!
   كما يوجد مدارس لا تفرض رسوماً على رعاياها، بخلاف الطلاب الذين لا ينتمون إلى رعايا تلك الدولة .. وكأنهم ليسوا من أبناء المسلمين الذين تجب المحافظة عليهم وعلى دينهم وأخلاقهم ..!!!                  
   وهذا إضافة إلى كونه مخالفاً لتعاليم وأخلاق ديننا الحنيف، فإنه يزرع في نفوس أبناء المسلمين ـ في بلاد الغربة والمهجر ـ بذور الفرقة والضغائن، في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى التراحم والتواصل، والتكافل ..! 
[9] لكن بنفس الوقت لا ننصح الآباء أن يُعززوا جانب الفضول في طرح الأسئلة عند الطفل .. فيتمادى الولد فيما لا ينبغي له ولا قدرة للأب أن يضع له حداً، وبخاصة إذا شعر الولد أن ذلك يدخل السرور على والديه !!
   وإنما القضية ينبغي أن تكون وسطاً لا إفراط ولا تفريط .. لا ديكتاتورية وإرهاب، ولا ديمقراطية ماجنة  متفلتة .. وإنما إسلامية ربانية .    
[10] السلسلة الصحيحة: 2866 .
[11] أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: 586.
[12] وليس كما يفعل بعض الآباء ـ من باب الحرص الشديد والخاطئ على الأبناء ـ حيث تراهم يربون أبناءهم على السلبية والأنانية، وعدم البذل والعطاء .. هم يريدون منهم أن يكونوا أوادم على تعبير البعض .. لكن لا يريدونهم أن ينطلقوا للجهاد في سبيل هذا الدين .. لا يريدون لهم أن يأخذوا مكانهم الحقيقي في هذا الوجود، والذي أراده الله لهم .. حتى لا توضع لهم نقطة سوداء في ملفاتهم عند الطواغيت !!
   يحذرون أن توضع في ملفات أبنائهم نقطة سوداء عند الطواغيت الظالمين .. ولا يحرصون أن توضع في ملفات أبنائهم نقطة بيضاء عند أرحم الراحمين، وأعدل العادلين !!
[13] السلسلة الصحيحة: 2843 .
[14] صحيح سنن ابن ماجة:52 . لا يفيد الحديث إهمال القرآن الكريم أو إرجائه وعدم الاشتغال به ـ كما يظن البعض! ـ وإنما يفيد تقديم علم التوحيد المستمد من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على بقية العلوم الشرعية التي تناولتها نصوص الكتاب والسنة .
   فالتوحيد الذي لا يُستمد من الكتاب والسنة، ليس من  التوحيد، ولا من العلم الذي ينبغي الالتفات له ..!
[15] ننصح الآباء بأن يوفروا لأبنائهم الوسائل التربوية والتعليمية النافعة التي تعينهم على تحقيق أهدافهم التربوية والتعليمية .. ونخص من هذه المسائل بالذكر الكتاب النافع المنضبط بالشرع وآدابه .
   والذي حملنا على هذا التنويه أن كثيراً من بيوت المسلمين يوجد فيها ما طاب ولذ من زينة وزخرف، وأثاث قد يكلف بالآلاف .. بينما في المقابل تخلو من وجود مكتبة صغيرة متواضعة ـ لا تكلف الكثير ـ تحتوي على بعض الكتب والمراجع النافعة للأهل ولأبناء في دينهم وعقيدتهم !!
    من أجل تزيين البيوت بالزخارف والكماليات ينفقون بالآلاف ـ وبكل سخاء ـ ومن غير أدنى تردد .. بينما إن همَّ أحدهم في شراء كتاب نافع ينفع الأبناء في عقيدتهم ودينهم تراه يتردد، وينقبض وينبسط، ويشح ويجبن، وترتفع حرارته وينزل ضغطه .. كل ذلك من أجل ثمن الكتاب الذي ربما لا يكلف شراؤه سوى دراهم معدودات .. وهذا كله من الشيطان ومن عند أنفسنا المريضة !!    
[16] لكن لا ينبغي الاستهانة بهذا الجانب عندما يصل الأبناء إلى مراحل متقدمة من الفهم والطلب .
[17] الذي ننصح به الآباء: أن تقوم علاقة بينهم وبين والأبناء تراعي تحقيق الصداقة والصحبة بينهما، كما تراعي حق الآباء على أبنائهم من احترام وطاعة وتوقير، حيث لا ينبغي أن يطغى جانب على جانب فيفسد الأمر كله .
   وهذا بخلاف ما عليه التربية في بلاد الغرب: حيث تجد العلاقة بين الأب وابنه كالعلاقة بين أي صديقين لا يوجد بينهما أي احترام متبادل، وكلام الأب وتوجيهاته لا قيمة لها البتة عند الابن وبخاصة إن تجاوز الولد سن السادسة عشر سنة .. أو هي علاقة قائمة على الجفاء المطبق؛ حيث يكون الأب في وادٍ، والابن في وادٍ آخر لا يدري أحدهما شيئاً عن الآخر ..!!  
[18] صحيح سنن أبي داود: 4347.
[19] صحيح سنن أبي داود: 4351.
[20] السلسلة الصحيحة: 70.
[21] صحيح سنن أبي داود: 981. قلت: لو فعل بعض أئمة المساجد ـ وبخاصة منها المساجد الباكستانية ـ ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر .. لربما أخرجهم الناس عن الملة، وأنكروا عليهم أشد الإنكار ..!!
   فإن قيل علام خصصت المساجد الباكستانية ..؟ أقول: لا أعرف مساجد تحرص على تنفير الأطفال منها ـ بزعم المحافظة على الهدوء والنظافة !!ـ كالمساجد القائم عليها الأخوة الباكستانيين ..!! 
[22] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة:2492.
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.