موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

زنادقة العصر

0 818

بسم الله الرحمن الرحيم
          إن الحمد لله نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له .
          وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم .
          وبعد: قبل أن نعرف من هم زنادقة العصر، ولماذا هم زنادقة العصر .. لا بد أولاً أن نعرف معنى الزندقة، وما هي صفات الزنديق وغاياته، وما هو حكمه في الشرع .. وبخاصة أن كثيراً من الناس يُطلقون هذه الكلمة ” زنديق ” من دون أن يعرفوا معناها، وربما حملوها على أناس، لا يجوز أن تقال في حقهم ..! 

          فأقول: الزندقة كلمة فارسية معربة وأصلها ” زنده كَرْد “، وحقيقتها إبطان الكفر والإلحاد، وإظهار الكفر والإيمان معاً أو متفرقاً، بحسب ما يقتضيه الموقف، وتُلزم به الحاجة، وتسمح به الفرص ..!!
وعليه فالزنديق: هو الذي يعتقد الكفر ويُظهره ـ مراراً وتكراراً ـ كلما سنحت له الفرصة لذلك وظن أن الساحة خالية من الأعين التي تراقبه أو تحصي له كلامه ومواقفه، فإن عُرف وأدين بالدليل القطعي وسئل عن سبب إظهاره للكفر، تراه يُسرع إلى الإنكار والجحود، ويتأول لكفره وكلامه بما يصرفه عن دلالته المكفرة صراحة، وأنه ما أراد الكفر، وما أراد إلا الإحسان والخير والتوفيق، ولكن نحن لم نفهم مراده وقصده ..!!
وفي المقابل تراه يُظهر أنه مسلم مؤمن يشهد بشهادة التوحيد، ويؤمن بالصلاة والزكاة وغير ذلك من أركان الدين .. ولو طلبت منه الشهادة لأتاك بها من فوره ومن دون أي تردد  ليصرف عن نفسه وصف الزندقة وحكمه وتبعاته ..!
          فإن قيل ما الفرق بينه وبين المنافق ..؟
          أقول: الفرق بينه وبين المنافق أن المنافق يستتر بكفره في باطنه بينه وبين نفسه، بحيث لا تقوم البينة القاطعة الظاهرة الدالة على كفره ونفاقه، بينما الزنديق هو الذي يعتقد الكفر ويُظهره ويُعرف به، فإذا أقيمت عليه الحجة والبينة القاطعة ـ التي لا مناص من الهروب منها ـ واستتيب من كفره، أنكر وجحد ما ظهر منه، وأظهر خلافه الذي يدل على إسلامه وأنه مسلم ..!!
فإن قُبل منه جحوده لما ظهر منه من كفر، ورُفع عنه السيف .. عاد ثانيةً إلى إظهار كفره ودعوته وإلحاده ..!!
– هدف الزنادقة .
للزنادقة هدف يتلخص في أنهم يقصدون إلى إفساد الإسلام والمسلمين والقضاء على صفاء الدين في نفوسهم، وتشويشهم بإدخال ما ليس في دين الله تعالى من المعاني والأفكار الإباحية الباطلة .   
فتراهم يُحلون المحظورات، ويستحلون الحرمات، ويُحرفون الآيات والنصوص الشرعية عن دلالاتها ومراد الشارع منها، ويحملونها على مرادهم وقصدهم الباطل الخبيث ليضلوا بذلك العباد ويُخرجوهم من دينهم الحنيف ..!!
لا همَّ لهم إلا محاربة الإسلام .. وصد الناس عنه، وهم في سبيل ذلك لا يتورعون أن يسلكوا كل طريق أو وسيلة، وينتهكوا كل حرمة أو غاية .
ولهم علامات عدة؛ أبرزها لجوئهم إلى المتشابهات في الدين، حمالات الأوجه والتفسير ـ لسهولة تأويلها وتحريفها والخوض فيها ـ وتسليطها على المحكمات في الدين، وجعلها حكَماً عليها وكأنها هي الأصل وما سواها بالنسبة لها فرع ..!!
كما قال تعالى فيهم:] هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وأُخَرُ مُتشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [ آل عمران:7. وقوله:] ابتغاء تأويله [ أي ابتغاء تحريفه بما يوافق أهواءهم ومرادهم ..!
والزنادقة هم أكثر الناس اتباعاً للمتشابهات ابتغاء الفتنة والتحريف، وصد الناس عن الحق واتباعه ..!!
– حكم الزنديق في دين الله .
          حكم الزنديق في دين الله أنه يُقتل كفراً وردة ولا يُستتاب، فالاستتابة تكون من شيء والزنديق لا يعترف بشيء، فمما يُستتاب ..؟!
          والدليل على وجوب قتله قوله تعالى:] قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون [التوبة:52.
          قال ابن تيمية في الصارم المسلول: قال أهل التفسير ] أو بأيدينا [ بالقتل إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم، وهو كما قالوا، لأن العذاب على ما يبطنونه من النفاق بأيدينا لا يكون إلا القتل لكفرهم، ولو كان المنافق يجب قبول ما يُظهر من التوبة بعدما ظهر نفاقه وزندقته لم يمكن أن
يُتربص بهم أن يُصيبهم الله تعالى بعذابٍ من عنده أو بأيدينا؛ لأنا كلما أردنا أن نعذبهم على ما أظهروه أظهروا التوبة ..!
          ولأنه لو قبلت علانيتهم دائماً مع ثبوت ضدها لم يمكن إلى الجهاد على النفاق سبيل، فإن المنافق إذا ثبت عنه أنه أظهر الكفر فلو كان إظهار الإسلام حينئذٍ ينفعه لم يمكن جهاده .انتهى.
          وقال ابن القيم في زاد المعاد: وهاهنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها وهي أن الشارع إنما قبل توبة الكافر الأصلي من كفره بالإسلام لأنه ظاهر لم يُعارضه ما هو أقوى منه فيجب العمل به لأنه مقتضى لحقن الدم والمعارض منتفٍ، فأما الزنديق فإنه قد أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره ـ بعد القدرة عليه ـ للتوبة والإسلام لا يدل على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه دلالة قطعية ولا ظنية ..
          ويا لله العجب! كيف يُقاوم دليل إظهاره للإسلام بلسانه بعد القدرة عليه أدلة زندقته وتكررها منه مرة بعد مرة، وإظهاره كل وقت للاستهانة بالإسلام والقدح في الدين والطعن فيه في كل مجمع، مع استهانته بحرمات الله واستخفافه بالفرائض وغير ذلك من الأدلة ؟!
ولا ينبغي لعالم قط أن يتوقف في قتل مثل هذا، ولا تُترك الأدلة القطعية لظاهرٍ قد تبين عدم دلالته وبطلانه .
وقال: ومما يد على أن توبة الزنديق بعد القدرة لا تعصم دمه، قوله تعالى:] قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا [. قال السلف في الآية: أو بأيدينا؛ أي بالقتل إن أظهرتم ما في قلوبكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يبطنون من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل، فلو قبلت توبتهم بعدما ظهرت زندقتهم لم يكن المؤمنين أن يتربصوا بالزنادقة أن يصيبهم الله بأيديهم، لأنهم كلما أرادوا أن يُعذبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يُصابوا بأيديهم قط . انتهى .
و في السنة، الحديث المخرج في الصحيحين من رواية علي t قال: قال عمر t: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ـ يعني حاطب بن أبي بلتعة ـ فقال النبي r:” إنه شهد بدراً، وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم “.
قال ابن تيمية رحمه الله في الحديث: دل على جواز قتل الزنديق المنافق من غير استتابة .. وقال: فدلَّ على أن ضرب عنق المنافق من غير استتابة مشروع، إذ لم ينكر النبي r على عمر استحلال ضرب عنق المنافق، ولكن أجاب بأن هذا ليس بمنافق، ولكنه من أهل بدر المغفور لهم، فإذا أظهر النفاق الذي لا ريب أنه نفاق فهو مباح الدم . انتهى .
قلت: ومما صرف النفاق عن حاطب اعترافه وإقراره بما فعل .. فهو لم ينكر ولم يجحـد
عندما سُئل عما بدر منه من عمل وخطأ الذي يكمن بمراسلته لكفار قريش برسالة يخبرهم فيها عن توجه النبي r لفتح مكة .. مما رفع عنه وصف النفاق أو الزندقة؛ لأن من أبرز صفات المنافق الزنديق ـ كما تقدم ـ أنه يجحد ما بدر منه من أعمال أو أقوال مكفرة، رغم قيام البينة القاطعة عليه ..!
          كما في مسند الإمام أحمد أخرج بسنده عن أبي إدريس قال: أُتي علي t بناسٍ من الزنادقة ارتدوا عن الإسلام، فسألهم فجحدوا، فقامت عليهم البينة العدول، قال: فقتلهم ولم يستتبهم . قال: وأتي برجل كان نصرانياً وأسلم، ثم رجع عن الإسلام قال: فسأله فأقرَّ بما كان منه فاستتابه فتركه، فقيل له كيف تستتيب هذا ولم تستتب أولئك ؟ قال: إن هذا أقرَّ بما كان منه، وإن أولئك لم يقروا وجحدوا حتى قامت عليهم البينة، فلذلك لم أستتبهم . وفي رواية قال: أتدرون لما استتبت هذا النصراني ؟ استتبته لأنه أظهر دينه، وأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة جحدوني، فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا وقامت عليهم البينة ([1]) .
          قلت: ما دام الزنادقة جحدوا ما بدر منهم من كفر تكون استتابتهم نوعاً من العبث وضياع الأوقات من غير طائل أو فائدة؛ لأنهم يقولون لك ـ رغم قيام البينة القاطعة على كفرهم ـ نحن ما كفرنا، ونحن مسلمون، نشهد بما تشهد، ونقول بما تقول ويقول به عامة المسلمين .. فعلام تستتيبنا، ومما تستتيبنا ..؟!!
          من أجل ذلك يُقتلون من غير استتابة ..
          قال ابن العربي في كتابه الجامع لأحكام القرآن 1/199: إن النبي r لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد، ولا يقول أحد إن استتابة الزنديق واجبة، وقد كان النبي r معرضاً عنهم مع علمه بهم. فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال: إن استتابة الزنديق جائزة، قال قولاً لم يصح لأحد .
          وقال مالك رحمه الله: النفاق في عهد رسول الله r هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شُهد عليه بها دون استتابة ..
وإنما كف رسول الله r عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يُشهد على المنافقين . انتهى .
          وقال أبو حنيفة رحمه الله: اقتلوا الزنديق سراً؛ فإن توبته لا تُعرف ([2]) .
          – هل للزنديق مخرج وتوبة ..؟
          لا مخرج ولا منجاة للزنديق مما هو فيه إلا بشرط وهو: أن يتوب وتكون توبته قبل القدرة عليه من قِبل جند الحق؛ بحيث يأتي طواعية ـ صادقاً راغباً بالتوبة والإياب إلى الحق ـ من تلقاء نفسه من غير خوف ولا إكراه، فيعترف بما كان منه من كفر وزندقة، معلناً ـ على الملأ ـ توبته وبراءته مما كان عليه من الباطل .. فإن توبته قبل القدرة عليه، وعزمه على إصلاح ما كان قد أفسد وأساء، مع اعترافه بما كان منه من كفر وزندقة لهي علامة قوية تدل على صدق توبته وإيابه إلى الحق، ورغبته في الإصلاح ..
          فمثل هذا الراجح فيه أن توبته تنفعه، وتدرأ عنه أسياف الحق، وتلزم له حقوق أخوة الإسلام لقوله تعالى:] إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم [ المائدة:34. فهذا دليل في المسألة لا بد من المصير إليه والعمل به .
          قال ابن القيم في الأعلام: لو أنه قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدل على حسن الإسلام وعلى التوبة النصوحة، وتكرر ذلك منه، لم يُقتل كما قال أبو يوسف وأحمد في إحدى الروايات، وهذا التفصيل أحسن الأقوال في المسألة . انتهى .
          وقال تعالى:] إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً . إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتِ اللهُ المؤمنين أجراً عظيماً [ النساء:145-146 .
          قال القرطبي في التفسير: استثناءً ممن نافق، ومن شرط التائب من النفاق أن يُصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله؛ أي يجعله ملجأ ومعاذاً، ويخلص في دينه . انتهى .
          ومنه نعلم: أن النفاق ليس صفة لازمة للمرء لا يمكن الخروج أو الفكاك منه، لو أتى بالتوبة على نحو ما تقدم ..
          كذلك فإن الإسلام ليس صفة لازمة للمرء لا يمكنه الخروج منه لو أتى من الأعمال أو الأقوال التي تُضاده أو تخرجه منه وتجعله من الكافرين المرتدين، أو المنافقين .. نسأل الله تعالى الثبات وحسن الختام .
          – من هم زنادقة العصر ..؟
          بعد أن عرفنا الزنديق وصفاته، وحكمه، وغاياته، وسهل علينا تحديده ومعرفته .. يأتي السؤال الهام: من هم زنادقة العصر التي تكتوي الأمة من شرهم وفسادهم، وتنطبق عليهم الأوصاف والأحكام المتقدمة الذكر.. ؟؟!
          وللجواب على هذا السؤال نُفيد بما يلي:
          تتلخص أهم أصناف الزنادقة المعاصرين في الأصناف التالية، نذكرها مرتبة بحسب خطورتها، وتوسعها وانتشارها، وأثرها على الناس، وهي:
          أولاً: العلمانيون .
          العلمانية تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة والسياسة والحكم .. فصل الدين عن الحياة وما له مساس بواقع الناس المعايش والعملي ..!!
          فهي لها مساس بالدين من جهة اعترافها بحرية تقديم التنسك لله تعالى، وأن الله تعالى له من هذا الكون الذي خلقه الزوايا والمعابد لمن يريد أن يقدم له فروض الصلاة والتنسك .. وما سوى ذلك ـ من شؤون الحياة العامة والخاصة ـ فليس من خصوصيات الله U أن يتدخل فيها أو أن يُصرف إليه شيء منها .. وإنما هو من خصوصيات قيصر الطاغوت وحسب؛ والذي قد  يكون ـ هذا القيصر ـ بصورة قيصر وإمبراطور .. أو حاكم متجبر .. أو حزب منفرد بالحكم .. أو سلطة أحزاب مجتمعة .. أو شعب ومن ينوب عنه في الحكم والتشريع من النواب وغيرهم، كما في الديمقراطيات المعاصرة ..!! 
          فالله تعالى ـ عندهم ـ له الخلق، بينما قيصر الطاغوت له الأمر ..!!
          وهذا المعنى يعبرون عنه بمقولتهم الباطلة والواسعة الانتشار: دع ما لقيصر لقيصر .. وما لله لله .. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كفراً وكذبا !!
          صدق الله العظيم:] فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون [ الأنعام:136.
          ومن أبرز خصائص العلمانية ـ على اختلاف مشاربها ومذاهبها ـ أنها تغيب فيما بين الشعوب وفي واقع حياتهم ومعاملاتهم مبدأ الولاء والبراء على أساس الانتماء إلى العقيدة أو الدين؛ فالحقوق والواجبات، وكذلك الولاء والبراء ـ في نظر العلمانية ـ تُقسم على أساس انتماءات واعتبارات أخرى غير الدين كالانتماء إلى الوطن أو الإقليم، أو الانتماء إلى ساحة القومية، أو الإنسانية، أو القبيلة والعشيرة أو غير ذلك من الروابط والوشائج الوثنية الجاهلية .. المهم عندهم أن تُغيب العقيدة الدينية عن ساحة الولاء والبراء ..!! 
          والي وعادي في الطاغوت كيفما شئت .. فلا حرج عليك، أما أن توالي وتعادي في الله تعالى فتلك الجريمة التي لا تُغتفر في نظر العلمانية والعلمانيين !!
          وعليه فكل من يغيِّب عقيدة الولاء والبراء على أساس الانتماء للدين والعقيدة في تعامله مع الآخرين ـ فرداً كان أو حزباً أو نظاماً ـ ويقسم الحقوق والواجبات بين الشعوب ـ على
اختلاف مللهم ونحلهم ـ على أساس الانتماء للوطن أو الإقليم، أو غير ذلك من الروابط غير الدين .. فهو علماني جلد ـ مهما كان من أهل التعبد والتنسك، وزعم بلسانه زوراً وبهتاناً أنه من المسلمين! ـ وإن لم يرض لنفسه هذا الاسم، أو يعلم أنه داخل في دين العلمانية من أوسع أبوابها ومعانيها..!
          فالعلماني والعلمانيون هم الذين يتبنون هذا المذهب بمبادئه وأفكاره الآنفة الذكر .. سواء علموا بذلك أم لم يعلموا، أو سموا أنفسهم بالعلمانيين أو لم يُسموا([3]) ..!!
          أما لماذا هم زنادقة .. فإليك تفصيل وبيان ذلك: 
          من خلال ما تقدم من وصف وتعريف للعلمانية ندرك إدراكاً يقينياً ـ لا يصح فيه الخلاف ـ أن العلمانية مذهب كفري إباحي خبيث، لا يلقي للدين أي اعتبار أو قيمة، وأن الذي يعتقد هذا المذهب ويتبناه لا شك في كفره، وخروجه من دائرة الإسلام .. وإن زعم بلسانه أنه من المسلمين !!
          وفي المقابل عندما تواجه العلماني بهذه الحقيقة الدامغة فإنه سرعان ما ينكر عليك تكفيرك له، ويبادرك القول بأنه مسلم، وأنه يصلي، ويشهد أن لا إله إلا الله ([4]) ..!!
          فهو عندما تحاججه وتبين له جانب الكفر الذي هو عليه يجحد وينكر أنه كافر، أو أنه صدر عنه ما يستوجب تكفيره والحكم بردته، ويظهر لك الجانب الذي تسمح به العلمانية، وهو جانب التنسك والتعبد من صلاة وصوم، وحج، الذي هو من نصيب الله ..!! 
          ولو حملته على الاستتابة يسخر منك، ويقول لك أنا مسلم أكثر منك، فعلام تستتيبني، ومما تستتيبني، وأنا أصلي وأصوم ..؟!!
          وفي المقابل إذا انفرد بأخلائه وبطانته، أو مجالسه الخاصة والعامة بعيداً عن مراقبة أهل التوحيد له .. تراه لا يتوانى ولا يتردد في الدعوة إلى العلمانية بمبادئها ومعانيها الإباحية الكفرية الباطلة الآنفة الذكر ..!!
          وهذا هو الزنديق بعينه .. كما تقدم وصفه في مطلع هذا البحث .. ومن أجل ذلك نحكم على العلماني بأنه زنديق، يطاله وصف وحكم الزنديق الآنف الذكر .
          فإن قيل: من العلمانيين من لا ينكر كفره وبراءته من الدين، ويجيبك صراحة بما يعتقد من كفر وجحود، ويعلن ذلك في كل مجالسه، ولا يبالي من انتفاء وصف الإيمان عنه، فهل مثل هذا يكون زنديقاً ..؟ 
          أقول: رغم أن هذه الشريحة المذكورة قليلة في المجتمعات العربية والإسلامية، لأن الجميع ـ على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم الكفرية ـ يحرصون على مجاملة الإسلام والمسلمين، ويهمهم صرف وجوه الجماهير المتعاطفة مع الإسلام إليهم، واستمالة عواطفهم لأحزابهم وتجمعاتهم.. والتي لا يناسبها ولا يرضيها مثل هذه الوقاحة أو الصراحة من الكفر والجحود([5]) .. هذا النفاق وغيره هو الذي حملنا على إدراجهم في قائمة الزنادقة ! 
          أقول: هذه الشريحة المذكورة في السؤال ـ في حال وجودها بالفعل ـ ينتفي عنها وصف وحكم الزندقة، ويبقى في حقها وصف وحكم الردة .. والردة منها ما تكون مجردة بحسب نوعها وكمها وصفاتها، ومنها ما تكون مغلظة، والفرق بينهما أن صاحب الردة المجردة ـ رغم خروجه بالردة من الملة ـ تقبل توبته ويُستتاب، بينما الآخر يُقتل ولا يُستتاب، وتفصيل ذلك له موضع آخر، في مباحث أخرى([6]).
          ثانياً: طواغيت الحكم . 
          ممن يدخل في مسمى وحكم الزنديق طواغيت الحكم المعاصرين الجاثمين على صدر الأمة ومقدراتها بالحديد والنار، وذلك لأوجه:
          منها: أن هؤلاء الحكام الطواغيت قد ظهر منهم الكفر البواح الصريح ـ من جهات عدة ـ ظهوراً لا يحتمل الاختلاف المستساغ في كفرهم ومروقهم من الدين ..  
فقد كفروا من جهة حكمهم بغير ما أنزل الله ..
          وكفروا من جهة استبدالهم لشرع الله بشرائع الطاغوت، وفرضها على الشعوب بقوة الحديد والنار ..
وكفروا من جهة كونهم هم أنفسهم قد تقمصوا خاصية التشريع وجعلوه حقاً خالصاً لهم من دون الله U ..!
          وكفروا من جهة معاداتهم الصريحة للإسلام والمسلمين، وإعلانهم الحرب على  الله ورسوله، والمؤمنين الموحدين ..
          وكفروا من جهة كرههم لما أنزل الله، واستحلالهم لما حرم الله ..
          وكفروا من جهة دخولهم الصريح في موالاة أعداء الأمة من اليهود والنصارى، وغيرهم من ملل الكفر والإلحاد ..
          وكفروا من جهة الاستهزاء والطعن بالدين، والترخيص به لشعوبهم([7]) ..!!
          وكفروا من جهة ترويجهم للشرك والفواحش بكل ضروبها وأنواعها، ليصدوا الناس عن دين الله تعالى ..!
وكفروا من جهة تقمصهم لكثيرٍ من خصائص الإلهية والربوبية ([8]) ..!!
كفروا من هذه الجهات وغيرها كفراً بواحاً صريحاً لا يحتمل التأويل أو الخلاف أو التوقف في كفرهم .. ولا يتوقف في كفرهم إلا كل مرجئٍ ـ آثر فتاتهم الذي يُرمى له على العتبات والأبواب على مرضاة الله تعالى وجنان الخلد ونعيمها ـ أعمى البصر والبصيرة، أعشى الليل والنهار .. !!
          هذا وجه من الأوجه ..
          ومنها: أن هؤلاء رغم طغيانهم وكفرهم المغلظ تراهم يتظاهرون بالشهادتين وقيام الصلاة أحياناً وفي المناسبات نفاقاً وتضليلاً لشعوبهم التي تطالب بالرجوع إلى الدين ..!!
ولا يترددون في المناسبات العامة أن يعلنوا أنهم مسلمون .. وربما بعضهم يزعم أن نسبه ينتهي للرسول r، ولأهل البيت، فهذا كله من مقتضيات سياسة الشعوب الضالة والتائهة التي يرضيها من الإسلام مجرد الزعم، أو الركيعات التي تنم عن إسلام صاحبها ..  وهذا وجه آخر من أوجه النفاق والزندقة .
ومنها: أن هؤلاء الطواغيت ـ رغم كفرهم المغلظ ـ لا يقبلون من أحدٍ أن يصفهم بالكفر والمروق من الدين، فهم قد يهون عليهم كل حكم أو إطلاق يُقال بهم إلا حكم الكفر لا يطيقون أن يسمعوه من أحد إلا فتكوا به وأنزلوا به جم طغيانهم وجبروتهم ..!
فهو قد يقبل منك أن تحاوره في أي شيء .. أو يسمع منك أي شيء .. إلا مسألة أنه كافر ويجب عليه أن يتوب ويصطلح مع الله والأمة .. فهو لا يقبلها من أحد، ولو قيلت له تراه تأخذه العزة بالإثم وسرعان ما يُعلن أنه مسلم قبل المسلمين .. وهو أبو الإسلام وخادمه وحارسه .. فلا يُسمح لأحد أن يُزاود عليه أو يعلمه الدين والإسلام !!
وهذه هي الزندقة بعينها .. ولأجلها حكمنا عليهم أنهم من زنادقة العصر التي ابتليت بهم وبشرهم هذه الأمة .. يطالهم حكم الزنديق ووصفه، واسمه .
فهم توفرت فيهم جميع عناصر الزندقة: اعتقاد الكفر .. وإظهاره والدعوة إليه، مع إظهار الإسلام بحسب ما تقتضيه الحاجة والموقف .. وجحود الكفر وأنهم كفروا إذا ما استتيبوا أو  نوقشوا ما هم عليه من كفرٍ ومروق ..!!
فهذه معايير ومقاييس الزندقة، وهذه هي عناصرها .. وأيما فرد أو جماعة تتصف بهذه المعايير والمقاييس فحكم الزندقة واسمها يطالهم مباشرة ولا بد .
فإن قيل من طواغيت العصر من لا تجتمع فيه جميع عناصر الزندقة المذكورة أعلاه .. فما يكون حكمهم حينئذٍ ..؟
أقول: لكفرهم المغلظ والمركب ـ والذي تقدم ذكر بعضه ـ فهم لا يخرجون عن أحد الوصفين والحكمين التاليين: إما الزندقة وقد عُلم .. وإما الردة المغلظة .. وكلاهما أسوأ من بعضهما البعض .
ثالثاً: غلاة الشيعة الروافض .
ومما يدخل في زنادقة العصر وحكمهم غلاة الشيعة الروافض كالنصيرية، والدروز، والإسماعيلية وغيرهم من الغلاة الذين عُرفوا بتأليه المخلوق، وقولهم بألوهية علي بن أبي طالب t وجحود الواجبات والفرائض الدينية، واستحلال المحرمات، وإنكار البعث والنشور، والحساب والجزاء وغير ذلك من الكفر البواح الذي يقولون به ويدعون له .. 
فجعلوا للدين ونصوصه تأويلات ورموز باطنية تتفق مع طقوسهم وجحودهم وكفرهم، لذلك يُسمون أحياناً بالباطنية لاعتقادهم أن الدين له باطن يختلف عن ظاهره لم يهتد إليه أحد غيرهم ..!
وبنفس الوقت تراهم ينتسبون إلى الإسلام بتظاهرهم بالشهادتين لو طلبت منهم تقيةً من سيوف الحق أن تُسلط عليهم ..!
ولو أردت أن تستتيبهم سرعان ما ينكرون كفرهم ومروقهم من الدين ويجحدون ما هو معلوم عنهم من الكفر لخاصة الناس وعامتهم .. وربما جحدوا اسم الطائفة التي ينتسبون إليها خوفاً وتقيةً .. وينطقون بالشهادتين، ويقرون بأنهم مسلمون، لا يوجد عندهم من الكفر ما يستدعي توبتهم أو استتابتهم ..!!
وهؤلاء من أكثر الناس دخولاً في الزندقة حكماً، واسماً، ووصفاً، وقد أفاض الحديث عنهم وعن معتقداتهم أهل العلم في كتب الفرق والملل والنحل ما يُغني عن التوسع في الحديث عنهم في هذا الموضع .
وهم لهم وجودهم الظاهر في كثير من الأمصار وبخاصة منها بلاد الشام كسورية، ولبنان، وفلسطين، والأردن، .. فكانوا بحكم بوجودهم في تلك المنطقة الحساسة أكبر معينٍ على قيام دولة اليهود في فلسطين، ولا يزالون إلى الساعة يلعبون دور الخيانة والعمالة الذي يُملى عليهم مـن
أسيادهم وحلفائهم أحبار يهود ..‍‍‍   !! 
          ـ مقتطفات من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في زنادقة الشيعة الروافض :
قال رحمه الله في كتابه منهاج السنة: فملاحدة الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا ـ أي من باب التشيع ـ وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، واستولوا بهم على بلاد الإسلام، وسبوا الحريم، وأخذوا الأموال وسفكوا الدم الحرام، وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدين والدنيا ما لا يعلمه إلا رب العالمين .
ودخل في الرافضة من الزنادقة المنافقين: الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم ممن لم يجترئ أن يدخل عسكر الخوارج .. وبهم ـ أي الرافضة ـ تستَّرت الزنادقة كالغالية من النصيرية وغيرهم، ومن القرامطة الباطنية والإسماعيلية وغيرهم، فهم منشأ كل فتنة .. ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأعداء الإسلام المرتدين؛ كبني حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب، ويقولون إنهم كانوا مظلومين، كما ذكر صاحب هذا الكتاب ـ أي منهاج الشيعة !ـ وينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي، ومنهم من يقول: اللهم ارض عن أبي لؤلؤة واحشرني معه، ومنهم من يقول في بعض ما يفعله من محاربهم: واثارات أبي لؤلؤة ! كما يفعلونه في الصورة التي يقدرون فيها صورة عمر من الجبس وغير .. وأبو لؤلؤة كافر باتفاق أهل الإسلام كان مجوسياً من عباد أهل النار ..
وضلت طوائف كثيرة من الإسماعيلية والنصيرية، وغيرهم من الزنادقة الملاحدة المنافقين وكان مبدأ ضلالهم تصديق الرافضة في أكاذيبهم التي يذكرونها في تفسير القرآن والحديث، كأئمة العبيديين عندما يقيمون مبدأ دعوتهم بالأكاذيب التي اختلقتها الرافضة، ليستجيب لهم بذلك الشيعة الضلال، ثم ينقلون الرجل من القدح في الصحابة إلى القدح في علي، ثم في النبي r، ثم في الإلهية، كما رتبه لهم صاحب البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم، ولهذا كان الرفض أعظم باب ودهليز إلى الكفر والإلحاد .
والعلماء دائماً يذكرون أن الذي ابتدع الرفض كان زنديقاً ملحداً مقصوده إفساد دين الإسلام، ولهذا صار الرفض مأوى الزنادقة الملحدين من الغالية المعطلة، كالنصيرية والإسماعيلية ونحوهم .. فالذي ابتدع الرفض كان مقصوده إفساد دين الإسلام، ونقض عراه، وقلعه بعروشه آخراً .. وهذا معروف عن ابن سبأ وأتباعه، وهو الذي ابتدع النص في علي، وابتدع أنه معصوم، فالرافضة الإمامية هم أتباع المرتدين، وغلمان الملحدين، وورثة المنافقين، لم يكونوا أعيان المرتدين الملحدين ..!
ولهذا ما زال أهل العلم يقولون: إن الرفض من إحداث الزنادقة الملاحدة، الذين قصدوا إفساد الدين: دين الإسلام، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فإن منتهى أمرهم تكفير
علي وأهل بيته، بعد أن كفروا الصحابة والجمهور !
          ولهذا كان صاحب دعوى الباطنية الملاحدة رتب دعوته مراتب: أول ما يدعو المستجيب إلى التشيع، ثم إذا طمع فيه قال له: عليّ مثل الناس، ودعاه إلى القدح في علي أيضاً، ثم إذا طمع فيه دعاه إلى القدح في الرسول r، ثم إذا طمع فيه دعاه إلى إنكار الصانع . هكذا ترتيب كتابهم الذي يسمونه ” البلاغ الأكبر ” و ” الناموس الأعظم ” وواضعه الذي أرسل به إلى القرمطي الخارج بالبحرين لما استولى على مكة، وقتلوا الحُجاج، وأخذوا الحجر الأسود، واستحلوا المحارم، وأسقطوا الفرائض، وسيرتهم مشهورة عند أهل العلم .. ولهذا كانت الزنادقة الذين قصدهم إفساد الإسلام يأمرون بإظهار التشيع، والدخول إلى مقاصدهم عن طريق الشيعة .. انتهى .
          رابعاً: غلاة أهل الكلام والفلسفة .
          أهل الكلم هم الذين يخوضون في الإلهيات والنبوات، والغيبيات بعيداً عن هدي الكتاب والسنة، معتمدين في ذلك على عقولهم وأهوائهم وخيالاتهم، وظنونهم، وفلسفتهم ..!!
          وغلاة أهل الكلام ـ كما نقل أهل العلم عنهم ـ هم الذين بلغ بهم انحرافهم وكفرهم أن جحدوا النبوات، والبعث، والنشور والحساب، والجنة والنار، وخاضوا بذات الله U وصفاته، فأثبتوا له صفات لا تصح ولم تثبت، ونفوا عنه صفات ثابتة بالكتاب والسنة، مفادها إنكار وجحود ذات الله U وصفاته ([9]) ..! 
          قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله لبشر المريسي: العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم([10])، وإذا صار الرجل رأساً في الكلام، قيل: زنديق، أو رمي بالزندقة..
          وعنه أيضاً أنه قال: من طلب العلم بالكلام تزندق .. ا-هـ . أي اعتقد عقائد أدت به إلى الزندقة، وإلى أن يكون زنديقاً ..!
          وسبب كون غلاة المتكلمين والفلاسفة ـ ممن ينتسبون للقبلة ـ زنادقة، هو أنهم يأتون بالمقاييس والصفات التي تلحق بهم وصف الزنديق وحكمه واسمه ..
          فهم من جهة يعتقدون الكفر ويدعون له، ويُعرفون بذلك .. ومن جهة ينسبون أنفسهم للإسلام وبخاصة عندما يحصل الكلام على مدى صدق انتمائهم لهذا الدين .. ومن جهة ثالثة  تراهم يجحدون كفرهم ومروقهم من الدين إذا ما رُموا بالكفر أو الزندقة، أو استتيبوا، ويدافعون عن أنفسهم أنهم على الإسلام الصحيح، وما سواهم فهو على الباطل ..!!
          لأجل ذلك كله أدرجناهم في قائمة زنادقة العصر، الذين يأخذون اسم ووصف وحكم الزنديق ..
          فإن قيل: هؤلاء بالنسبة لنا تاريخ .. لا داعي للاكتراث بهم، أو التحذير منهم ..؟!
          أقول: بل فكر هؤلاء الزنادقة من الفلاسفة هو الذي يدرس في كثير من جامعاتنا المعاصرة اليوم، وطلابنا يتلقونه من أساتذتهم من دون أن يميزوا الحق منه من الباطل ..!
          إضافة إلى ذلك فإن كثيراً من الدعاة المعاصرين ـ على تفاوت فيما بينهم ـ من تأثر بعلم أهل الكلام والفلسفة، يقول بآرائهم، ويتلفظ بمصطلحاتهم وعباراتهم .. فضلواَّ وأضلوا !! 
          لذا فقد تعين التحذير، والتنبيه، والبيان .. والله المستعان .
          خامساً: غلاة الصوفية .
          وهم الذين يقولون بالحلول ووحدة الوجود؛ أي أن الخالق I حال في خلقه متحد معه فالخلق والخالق شيء واحد، كما يقول بعضهم عن نفسه: ما في الجبة إلا الله .. أي هو الله، والله هو..!
          وكما يقول الزنديق ابن عربي في فتوحاته المكية:
          فإني بالغني وأنا    أساعده وأسعده
          فيحمدني وأحمده  ويعبدني وأعبده
          أي هو العبد والرب معاً، فمن منهم يعبد من ..؟!!
          ويقول: فعين الخلق عين الحق   فلا تنكر فإن الكون عينه 
          ويقول بعضهم: 
          تكثرت الأشياء والكل واحد    صفات وذات ضمناً في هويةٍ
          فأنت أنا لا بل أنا أنت وحدة    منزهة عن كل غير وشركةٍ 
          ومن قولهم كذلك:
          أنا من أهوى ومن أهوى أنا    نحن روحان حللنا بدنا
          فإذا أبصرتـني أبصرتـه     وإذا أبصرته أبصرتنـا
          أي إن نظرت إليهم فأنت في حقيقة أمرك ترى الله فيهم؛ لأن الله قد حل بهم، وهم حلوا به، فكلاهما شيء واحد ..!!
          وهذا مما حملهم على القول بسقوط التكاليف الشرعية، وبسقوط الواجبات والفرائض الدينية عنهم، فهم والله شيء واحد، لا حاجة لهم للعبادة .. فمن منهم يعبد الآخر ..!!
          كما يقول قائلهم:
          العبد ربٌّ والربُّ عبدٌ    يا ليت شعري من المكلف
          إن قلت عبد فذاك ربٌّ  أو قلت رب فأنىَّ يُكلف 
          ومن غلوهم قولهم: أن للدين ونصوصه باطناً لا يعرفه إلا العارفون منهم .. فيحملهم ذلك على تفسير الدين ونصوصه تفسيراً باطنياً أشبه بتفسيرات الباطنيين الغلاة من القرامطة وغيرهم ..!!
          وزعمهم كذلك أنهم يتلقون العلوم عن الله مباشرة، فلا حاجة لهم للكتاب والسنة، ولا إلى ما هو مسود على الورق .. وإن سألت أحدهم الدليل عن شيءٍ مما يقوله، قال لك: حدثني قلبي عن ربي ..؟!!
          فمصادر التلقي عندهم الوجد والكشف، والذوق .. وليس الكتاب والسنة !!
          وهؤلاء لا شك في كفرهم وزندقتهم، ومروقهم من الدين ..
          أما كونهم من الزنادقة ـ وهذا الذي يهمنا بيانه في هذا البحث ـ فذلك للأسباب التالية:
          أولاً، فهم إضافة إلى كفرهم ومروقهم من الدين حريصون على أن يُظهروا من التنسك والتزهد ما يدل على إسلامهم ..!!
          ثانياً، حرصهم على أن لا يُعرف عنهم هذا الكفر وهذه الزندقة لعامة الناس .. لأنه علم لا طاقة لهم به .. ولا يشون به إلا للخواص منهم الذين بلغوا درجة الوصول أو اليقين ..!!
          ثالثاً، إن فاتحتهم بما يصدر عنهم من كفر وزندقة جحدوا وأنكروا كل ما يُنسب إليهم من كفر .. والتجأوا إلى المراوغة والتأويل الباطني لعباراتهم وأقوالهم .. ورموك بالجهل بأنك أنت لم تفهم مرادهم وقصدهم ..؟!!
          ولو حملتهم على الاستتابة من كفرهم سخروا منك وقالوا لك: نحن مسلمون أكثر منك، نعلم مالا تعلم .. فمما تستتيبنا، ولمَ تستتيبنا ؟!!
          لأجل ذلك فهم زنادقة ولجوا الزندقة من جميع أبوابها .. يُحمل عليهم ـ ولا بد ـ وصف، واسم، وحكم الزندقة ..ويلحق بهم تبعاته في الدنيا والآخرة .
          أما عن سبب إدراجهم في زنادقة العصر، ولمَ هم من زنادقة العصر .. فهو لانتشارهم الواسع في جميع أمصار المسلمين، حتى لا تكاد تخلو بلد من البلدان إلا وفيها طريقة من طـرق
الصوفية، وجماعة منهـم يدعون إلى شذوذاتهم وبدعهم، وخرافاتهم([11]) . 
          وبعد، هذه الأصناف الخمسة من الزنادقة هم أخطر وأبرز زنادقة العصر التي ابتليت بهم الأمة .. أشرنا إليهم في هذا البحث لتحذرهم ـ يا عبد الله ـ على دينك ونفسك وأهلك، وتحذر أفكارهم، وبدعهم وشرورهم، وتحذِّر الآخرين منهم ومن كفرهم . 
          أشرنا إليهم ـ إبراءً للذمة ـ من باب النصح للأمة ولجميع للمؤمنين .. خاصتهم وعامتهم.
اللهم إني قد بلغت .. اللهم فاشهد .
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
          21/6/1421هـ .                            عبد المنعم مصطفى حليمة
          20/9/2000م .                                         أبو بصير
                             www.abubaseer.com


[1] ذكره ابن تيمية في الصارم المسلول:360.
[2] عن إكفار الملحدين: 37.
[3] لو تأملت حال جميع الأحزاب والأنظمة العلمانية المعاصرة ـ على اختلاف مبادئها ومشاربها وشعاراتها ـ تجد جميعها متفقة على هذه المبادئ والأفكار المذكورة أعلاه ..!
[4] شهادة التوحيد ” لا إله إلا الله ” ليست مجرد كلمات تردد على اللسان من غير امتثال لدلالاتها ومعانيها وشروطها اعتقاداً وقولاً وعملاً، كما يصور مرجئة العصر .. فشهادة التوحيد لها شروط لا بد من استيفائها وتحقيقها حتى ينتفع بها صاحبها في الدنيا والآخرة .. وإني لأرجو من الله تعالى أن يجعل في العمر بقية لنتمكن من بيانها في بحث مستقل، ننشره في موقعنا على الإنترنت قريباً إن شاء الله .
[5] وجدنا كثيراً من قادة الأحزاب الشيوعية الملحدة من يصلي، ويذهب إلى المساجد، ومن يُعلن أنه ليس ضد الدين، وأن من أفراد حزبهم من يصلي ويصوم .. وغير ذلك من العبارات والإعلانات التي تسترضي عنهم الجماهير المتعاطفة أو المطالبة بالعودة إلى الدين، والتي لا يمكن تجاهلها .. وهذا هو عين النفاق والزندقة !!
[6] انظر إن شئت مقال ” حالات يجوز فيها إظهار الكفر ” في موقعنا على الإنترنت .
[7] كثير من أمصار المسلمين ـ بفعل سياسة الطواغيت مع شعوبهم ـ قد تفشت فيها ظاهرة شتم الله والدين والرسول r، ولأتفه الأسباب، أو أدنى خلاف أو شجار يجري بين اثنين .. وقوانين الطواغيت لا تأخذ على أيديهم، بل ترخص لهم، وتغض الطرف عنهم لتذهب من نفوسهم قدسية الكتاب والسنة، وتعظيمهم لقدر الله U وقدر نبيه r ..!!
   وبعض هذه الأنظمة الطاغية ينصون على استحياء ونفاق في قوانينهم ـ مجرد قوانين لا يُعمل بها ـ أن شاتم الله والرسول يُعاقب بالسجن لمدة أقصاها ثلاثة أشهر .. بينما شاتم الطاغوت الحاكم، أو أصحاب المقامات الحاكمة فإنه يُعرض لعقوبة بالسجن لمدة أدناها ثلاث سنوات، والباب مفتوح لاجتهاد القاضي وتقديراته .. فتأمل !!
   ومما أذكره في هذا المجال أنني كنت قد شتمت طاغوت الشام النصيري الهالك ـ وكان عمري وقتها لا يزيد عن الخامسة عشر سنة ـ وقد كتبت شتمي له على الجدران .. لأن الجدران كانت وقتها هي دفاترنا وأوراقنا، لا نملك الحرية في أن نكتب على ما سواها .. !!
   وقدر الله لي أن أُعرف فاعتقلت أكثر من ثلاثة أشهر في أسوأ زنازن مخابراتهم .. وقد نالني من تعذيبهم وضربهم مالا يعلمه إلا الله .. هذا مع مراعاتهم لصغر سني .. وإلا فإن شتم القائد الرئيس عقوبته الإعدام، أو السجن المؤبد !!
   وعندما أُخذت إلى محاكمهم الجائرة .. كان القاضي وهو جالس خلف منصة القضاء يشتم الخالق I بأقذع السب والشتم، ويقول لي: كيف تشتم سيادة الرئيس القائد .. كيف .. ؟!!
    فقلت له: يهون عليك شتم الخالق جل جلاله .. ويعز عليكم شتم المخلوق .. فأينا المجرم، وأينا أولى بالعقاب .. ؟!!
   هذه بعض صور كفرهم وإجرامهم .. فتأمل !!
[8] كثير من طواغيت الحكم المعاصرين تنص دساتيرهم وقوانينهم التي يجب على شعوبهم احترامها والتحاكم إليها على أن ” الطاغوت فوق المساءلة .. ولا يُسأل عما يفعل “، والذي لا يُسأل عما يفعل هو الله تعالى وحده .. فتأمل كيف يتقمصون خصائص الإلهية وصفاته من دون أدنى خجل أو حياء ..!!
[9] انظر إن شئت كتاب موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، وكتاب درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
[10] مراده أن من اعتقد صحة علم الكلام فهو عين الجهل، ومن اعتقد بطلان علم الكلام وعدم صحته، ولم يلتفت إليه فهو في حقه علم نافع .. انظر إن شئت تهذيبنا لشرح العقيدة الطحاوية:21.
[11] مما يلفت النظر هذه المصالحة والعلاقة الحميمة بين فرق الصوفية ـ على اختلاف طرقها ومذاهبها ـ وبين طواغيت الحكم والإجرام .. وما ذلك إلا لأن طواغيت الحكم يرون فيهم المعين الكبير على تثبيت عروشهم وأنظمتهم الطاغية في الحكم .. فهم من جهة يصبغون على أنظمة الطواغيت الشرعية والقانونية التي يجب احترامها وعدم التعرض لها بسوء .. ومن جهة أخرى يصرفون الناس عن الاشتغال بالسياسة أو بواقعهم المنحرف الذي يحتاج للعلاج والتقويم، بحجة ضرورة الانصراف إلى التعبد والأذكار، والزهد ..!! 
   فالصوفية تعمل حقيقةً على تخدير الشعوب، وصرفها عن الجهاد والاجتهاد ..!
   لأجل ذلك فالصوفية تلقى من طواغيت الحكم كل رعاية وعناية وحماية .. حتى أن بعض هذه الأنظمة الطاغية تجعل محاربة الصوفية هي محاربة لأنظمتها، وأركان حكمها .. لما في زعزعة الصوفية من زعزعة حقيقية لنظام الطاغوت وحكمه ..!!
  فإذا عرفت ذلك لا تعجب لو سمعت عن طاغوت من الطواغيت ـ ملوث بدماء شعبه ـ يدخل في طريقة من الطرق الصوفية، ويذهب ـ بخشوع كخشوع إبليس ـ إلى شيخ الطريقة ليقبل يده ويأخذ منه ورده ..!!
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.