موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

دروسٌ وعِبَرٌ مُستَخلَصةٌ من غَزوِ الصَّليبيين للعِراق

0 1٬048

 

بسم الله الرحمن الرحيم  
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد. 
          ها قد تم الغزو والاحتلال .. وها قد سقطت العراق ـ أرضاً وشعباً وحضارة ـ بأيدي الغزاة الصليبيين كما كان يتمنى ذلك المغفلون والخونة الحاقدون من أبناء جلدتنا وأمتنا .. ليُضاف إلى جروح الأمة النازفة جرح غائر آخر اسمه ” العراق المحتل “!
          وإليك أيها القارئ بعض الدروس والعبر المستخلصة من غزو الصليبيين للعراق:

 

          الدرس الأول: مما نستخلصه من دروس أن الظلم والطغيان لا يدوم .. وأن عاقبته إلى زوال وأفولٍ ولو بعد حين؛ فهو إما أن يزول بقدر كوني، وإما بسيوف أهل الحق والعدل، وإما بتسليط الظالمين على الظالمين، فيدفع الله تعالى الظالمين بالظالمين.
          فمن سنن الله تعالى في الأمم والدول والقرى أن يأخذها وهي قائمة على الظلم والفسوق والطغيان، فالله تعالى لا يأخذ قرية وهي قائمة على العدل، كما في قوله تعالى:) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (هود:102. وقال تعالى:) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (الأنبياء:11. وقال تعالى:) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (الحج:45. وقال تعالى:) وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (الحج:48. وقال تعالى:) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (الإسراء:16.
          وفي ذلك عبرة وعِظة لطواغيت الكفر الجاثمين على صدر الأمة بالحديد والنار ـ ومنذ زمنٍ ليس بالقريب ـ يحكمون العباد والبلاد بقوانين الهوى والكفر والشهوات .. بأن دور تهشيم أصنامهم وضرب صورهم بالنعال آتٍ لا محال بإذن الله، هذا إذا لم يصطلحوا بصدق مع الله تعالى ومع شعوبهم المقهورة المظلومة! 
          صدام واحد من عشرات الطواغيت الذين يحكمون الأمة .. كلهم مثل صدام وأزيد في الظلم والطغيان، والجبروت، واحتقار الشعوب .. وكلهم بإذن الله تعالى سيأتيهم اليوم الذي تدوسهم فيه الشعوب بالأقدام! 
          ستخرب قصورهم العامرة بالتبذير والفجور والطغيان كما خربت قصور من قبلهم من الفراعنة والطواغيت، غير مأسوف عليهم، ويحق فيهم قوله تعالى:) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (الدخان:25-29.
          من سياسة قوى الاستكبار والطغيان العالميين ـ وبخاصة منها أمريكا ـ أن يُجرئوا عملاءهم الخونة من الطواغيت على ظلم شعوبهم، وهضم حقوقهم، وعلى مزيد من الطغيان والتكبر على العباد، حتى إذا ما حلت ساعة الخلاص منهم ـ وشاءوا أن يتدخلوا بشؤون البلاد ـ استدلت تلك القوى العالمية الاستعمارية بظلم هؤلاء الحكام العملاء كورقة ضغط عليهم، وكمبرر لعزلهم وإزالتهم، مستغلة في ذلك نقمة الشعوب المظلومة عليهم!
          وإلا فقولوا لي كيف يمكن التوفيق بين احتضان أمريكا وغيرها من دول الغرب لكثير من الأنظمة الديكتاتورية الطاغية الحاكمة في المنطقة، وإقامة علاقات دبلوماسية معها، وفي نفس الوقت يحتضنون جميع فصائل المعارضة لتلك الأنظمة ..؟!!
          يُهيمنون على الشيء وضده في آنٍ واحد ليُهددوا الشيء بضده وقت تلوح لهم المصلحة من وراء ذلك، وما أكثر الأمثلة والشواهد الدالة على ذلك لو أردنا الاستدلال أو الإحصاء!
          وهذا درس أرجو أن يعقله طواغيت الحكم وفصائل المعارضة سواء! 
          الدرس الثاني: ما حدث للعراق أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الشيعة الروافض طابور خامس في جسد الأمة، لا يمكن الركون عليهم أو الثقة بهم في الملمات العظام التي تواجه الأمة .. هذه حقيقة طالما وسائل الإعلام ـ رهبة أو رغبة ـ تغاضت عنها! 
          أثبتوا ومنذ زمنٍ أنهم عملاء خونة، وبطانة سوء يعملون لصالح أعداء الأمة على الأمة وأبنائها .. فصوت الحقد والكراهية أقوى في قلوبهم من أي صوت أو خطاب آخر .. فمن قبل أعانوا مغول التتار ـ على يد الرافضي ابن العلقمي ـ في غزوهم للعراق ومكنوهم من رقاب المسلمين حتى قُتل منهم أكثر من مليون نفس مسلمة .. واليوم وقفوا ـ وبكل خسة وعمالة ـ مع الغزاة الصليبيين في غزوهم لأفغانستان والعراق حتى مكنوهم من البلاد والعباد!  
          فما أن يضطرب الأمن وتسنح لهم الفرص إلا وتراهم يقومون بأعمال النهب والقتل، والسطو، والاغتصاب، والاعتداء على ممتلكات وحرمات المسلمين .. ليعبروا عن مدى حقدهم الدفين على الأمة ودينها ..!
          وإلا فقولوا لي من يتجرأ على حرق مكتبات بغداد التي تحتوي على مئات الآلف من الكتب والمخطوطات العلمية والإسلامية .. ومَن المستفيد من جراء هذا الفعل الشنيع!
          الجواب: يعرفه الجميع وهو أن المستفيد اثنان لا ثالث لهما: الشيعة الروافض، والعدو الصليبي الغازي!
          أما الشيعة الروافض فهو لحقدهم الدفين على الإسلام وأهله وعلى كل ما يمت من علوم وكتب ومؤلفات نافعة قام بها علماء أهل السنة والجماعة!
          لا نحتاج إلى مزيد عناء لنثبت للقارئ أن شعر شعراء الشيعة الروافض .. وسواليف زنادقتهم وخرافاتهم أصدق عندهم وأحب إلى نفوسهم بكثير من صحيحي البخاري ومسلم أصح وأصدق كتابين بعد القرآن الكريم .. وبالتالي فهم لا يتورعون أن يُحيوا سنة المغول التتار الذين ألقوا بمؤلفات المسلمين وكتبهم في نهري دجلة والفرات حتى تغير لون الماء إلى لون المداد الذي كُتبت به تلك المؤلفات!
          وأنا أزعم أن الكتب والمؤلفات المطبوع منها والمخطوط التي تم حرقها على أيدي الشيعة الروافض اليوم في بغداد هي أكثر بكثير من الكتب والمؤلفات التي تم إتلافها على أيدي المغول التتار لما دخلوا بغداد .. وبخاصة أن الأخبار تأتي بأن الكتب التي حُرقت على أيدي الشيعة الروافض تزيد عن المليون كتاب .. ولا حول ولا قوة إلا بالله! 
          وأما أن المستفيد الثاني هو العدو الصليبي الغازي: فهو أولاً لأنه عدو للأمة وثقافتها .. وثانياً لأن إتلاف وتخريب أي شيء في العراق فهو يعني كبر وطول الفاتورة والتكاليف التي ستُدفع من مال وخيرات العراق .. ويعني مزيداً من فرص العمل لشركات الدول الغازية .. ويعني كذلك إطالة أمد إقامة العدو الغازي في البلاد؛ لأن عملية إعادة البناء والإعمار لما تم إفساده وتخريبه وتدميره تحتاج إلى وقت وإقامة أطول، وبالتالي كلما ازداد الخراب كلما طالت فترة إقامة الغزاة الصليبيين في البلاد .. ووجدوا لأنفسهم الذريعة التي تُبرر لهم المكث والإقامة لفترة أطول!
          لذا أقول أيما مؤسسة عامة يتم نهبها وحرقها، وتخريبها .. فهو يعني مزيداً من الإقامة للعدو المحتل في البلاد تحت زعم إصلاح ما تم إفساده وتخريبه ..!
لذا وجدنا الغزاة الصليبيين يغضون الطرف عن ـ بل ويشجعون ـ كل عمل تخريبي وتدميري ليجد الشعب العراقي نفسه محتاجاً لبقاء الغزاة في أرضه مدة أطول ليصلحوا ما تم تخريبه وتدميره .. وهذا غرض قد أعانهم على تحقيقه خيانة وحقد وسفه عقول الشيعة الروافض!
قالوا للغزاة الصليبيين: خذوا العراق كله بما فيه من خيرات على أن لا تقتربوا من حوزاتنا وأضرحتنا وقبورنا المقدسة[[1]]!
فقبورنا المقدسة خير من كل شيء .. نُسالمكم إذا سلمت قبورنا وحوزاتنا .. ونعاديكم إذا اقتربتم من قبورنا المقدسة بسوء .. هذا الإنسان الذي تقتلونه لا يهمنا .. هذه البيوت التي تهدمونها على ساكنيها من الأطفال والنساء لا تعنينا كثيراً .. خيرات البلاد التي تنهبونها ليست مشكلة .. المشكل القبور والمزارات المقدسة .. والحوزات الشيعية!
ألا ما أخف عقولكم .. وأرق دينكم .. هذا إذا وجد عندكم دين!
فإن قيل: فما بال هذه المظاهرات التي يخرج بها الشيعة الروافض وهم ينددون بالغزاة الأمريكان ..؟!
أقول: هي من قبيل التغطية على جرائمهم وخياناتهم المتكررة .. وإثبات الذات .. وكذلك من قبيل قتل القتيل ثم البكاء عليه والخروج في جنازته .. والشيعة الروافض خبراء في التقية والكذب، إذ أن دينهم يقوم على التقية والكذب، وتصديق الكذب!
فمن قبل كذبوا على الحسين رضي الله عنه عندما وعدوه بالنصرة والوقوف معه ضد يزيد .. فلما جاءهم خذلوه وتخلوا عنه إلى أن قُتل شهيداً رحمه الله .. فقتلوه بخيانتهم وغدرهم وخذلانهم قبل أن يقتله أعداؤه .. ومع ذلك فهم إلى الساعة يبكون الحسين، ويلطمون وجوههم وصدورهم، ويشقون جيوبهم وثيابهم حزناً ـ زعموا ـ على ما فرطوا بجنب الحسين رضي الله عنه!
ثم ما فائدة أن يهتفوا ليل نهار بالسقوط والموت لأمريكا ويصفوها بأنها الشيطان الأكبر ثم هم من جهة يدخلون عملياً في موالاة ونصرة هذا الشيطان الأكبر على الإسلام والمسلمين؟!
أقول: رغم أن المسلم لا يُلدغ من جحرٍ مرتين إلا أن الأمة لدغت أكثر من مرة من قبل الشيعة الروافض ولا تزال تُلدغ وذلك بسبب تحسين الظن بهم .. وتحت شعار توحيد الصف والكلمة .. وضرورة التقارب بين الأديان والمذاهب وغير ذلك من الذرائع الواهية!
خلاصة هذا الدرس المرير: أن يحذر المجاهد أن يقاتل الغزاة المحتلين وفي خندقه شيعي رافضي واحد، أو في محيطه أو خلفه شيعي رافضي؛ لأن الغدر سيأتيه منهم لا محالة .. فالرافضي لا يستطيع أن يُقاوم حقده الدفين على الموحد المجاهد عندما تسنح له الفرص للغدر والانتقام والخيانة، ومما بلغنا عن غدرهم وحقدهم أنهم غدروا بالمجاهدين العرب وهم جرحى على أسرّة المرض في المستشفيات .. وغير ذلك مما لو أردنا إحصاءه وذكره لطال بنا المقام!!
          وكلامي هذا لا يعني بحال إثارة النعرات الطائفية بين السنة والشيعة أو توسيع الهوة والفرقة بينهما في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العراق .. فهذا معنى لا نريده ولا نشجع عليه .. وإنما أردنا التنبيه لبعض طبائع القوم الخبيثة ليحطاط المسلمون لأنفسهم، وحتى لا يتخذوا منهم بطانة في أي عمل جادٍ وهام.
الدرس الثالث: في كل حدث جلل يُداهم الأمة منذ احتلال الصهاينة اليهود لفلسطين إلى سقوط العراق بأيدي الغزاة الصليبيين يثبت القوميون العرب ـ على مستوى الأنظمة العربية الحاكمة وكذلك الأحزاب والتنظيمات ـ  أنهم عملاء وخونة، وأنهم فاشلون ودون الأحداث! 
تأملوا مواقفهم تجاه ما جرى ولا يزال يجري في العراق .. وكذلك ما جرى ولا يزال يجري في فلسطين .. فهي بين موقفين لا ثالث لهما: العمالة والخيانة المعلنة الظاهرة، والعمالة والخيانة المبطنة، ولا أستثني نظاماً عربياً من أحد هذين الموقفين، وهذين الوصفين!
عوّلت الشعوب منذ زمنٍ على القومية والقوميين فما جنت إلا الخيبة والفقر، والذل، والضياع .. فضاع الإنسان وضاعت البلاد معاً!
في كل مصيبة تنتاب الأمة تتعالى صيحات الشعوب بالاستغاثة وطلب العون .. فلا تلقى من القوميين العرب ـ ممثلين في الأنظمة الحاكمة ـ إلا كل إهمال، واستهتارٍ، وخيانة وعمالة!
كم من مستغيث يستفتح إغاثته بمناشدة حكام العرب باسم العروبة وما تقتضيه على القوميين من حقوق وولاء لبني جنسهم وقوميتهم .. ولكن لا حياة لمن تنادي!
وما حصل من تفاعلٍ إيجابي مع الأحداث التي تجري في العراق ومن قبل في فلسطين .. كان دافعها البعد الإسلامي، والعقيدة الإسلامية لا غير .. سواء جاء هذا التفاعل من داخل الوطن العربي أم من خارجه .. ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو ظالم. 
ثم ليتهم كانوا أمواتاً لا حراك لهم على الإطلاق .. فهم أموات لا حراك لهم إذا اقتضى الواجب منهم أن يقفوا موقفاً مشرفاً تجاه العدو الغازي والمحتل لبلاد المسلمين .. أو أن يتحركوا في الاتجاه الذي فيه نصرة للأمة وقضاياها .. بينما عندما تكون الوجهة لاستئصال وضرب المجاهدين ـ صفوة الأمة وخيرها ـ الذين نهضوا ـ في سبيل الله ـ للذود عن حرمات الأمة .. تراهم أعيناً مفتحةً كالوحوش الكاسرة التي لا تعرف الرحمة ولا الشفقة .. حرصاً منهم على تلبية رغبات وطلبات سادتهم من الغزاة المستعمرين!
هؤلاء هم القوميون العرب الذين عوّلت عليهم الشعوب الآمال الكثيرة ومنذ زمن ليس بالقريب فما جنت منهم إلا الخزي والذل، والظلم، والعار!! 
لذا نؤكد ونقول ما قلناه مراراً: أنه لا خلاص للشعوب العربية بخاصة والإسلامية بعامة
مما هي فيه من الذل، والعار، والضياع .. إلا بالرجوع إلا الله تعالى .. والاعتصام بحبله المتين .. والجهاد في سبيله .. والبراءة من وثن العصبيات القومية وأصنامها .. وغيرها من الأوثان والأصنام وما أكثرها في بلادنا!
          الدرس الرابع: أثبتت الأحداث في العراق غياب المرجعية الفقهية الموحدة والمستقلة التي تواكب الأحداث وترتفع إلى مستواها .. والتي ترجع إليها الأمة عند الملمات .. وهذا مما لا شك أنه كانت له النتائج السلبية لما آلت إليه العراق من نتائج لا تُحمد!
          فريق من العلماء أوجب الذهاب إلى العراق للجهاد والذود عن الحرمات .. وفريق منع من ذلك .. وفريق أثم وجرّم وكفَّر من يفعل ذلك .. وفريق آثر الصمت إلى ما بعد سقوط البلاد بأيدي الغزاة الصليبيين .. وفريق أفتى بالاعتزال والاكتفاء بالمراقبة ومعرفة ما ستنتهي إليه الأمور .. ولا تخلو بعض هذه المواقف والفتاوى من ارتباط بالجهات الحاكمة في بلادهم .. مما حدا بأصحابها أن يقفوا الموقف الذي يرضاه منهم الحكام .. وليس رب وخالق الحكام!
          وهذه ثغرة طالما أوتيت الأمة من قبلها لا بد من سدها وإغلاقها باتفاق الأمة على مرجعية عُرفوا بالاستقلالية والعلم والصدق والجهاد يرجعون إليهم عند حصول النوازل والملمات .. إذ أن مثل هذه الخلافات المتباينة والمتضاربة في الفتوى من شأنها أن تُضعف الصف .. وتشتت الشمل .. وتفرق الكلمة .. وهذا الذي يسعى إليه أعداء الأمة والملة! 
          الدرس الخامس: من الدروس المستفادة كذلك أن الجيوش التي تُربى على تمجيد الطواغيت والولاء لهم من دون الله .. وعلى موائد الكفر والنفاق .. لا تملك مقومات الصمود والمقاومة وبخاصة في ظروف الضيق والشدة .. كما أن اختراق هذه الجيوش وشراء ذمم كثير من أفرادها وقياداتها لتعمل لصالح العدو ممكن وسهل أكثر بكثير مما لو كانت جيوشاً مرباة على الإيمان، وحب التضحية والجهاد في سبيل الله!
          فالجندي ـ في الغالب ـ عندما يُخير بين سلامة روحه أو الموت المحتم دون الطاغوت ودون أمجاد وأطماع الطاغوت تراه يختار سلامة روحه وأمنه وليكن بعدها ما يكون .. بينما عندما يكون جهاده في سبيل الله وحده .. ويعلم أن الفرار من الزحف كبيرة من كبائر الذنوب،  ثم هو بعد ذلك  يُخير بين تقديم روحه وبين الفوز بالجنان الخالدة ومرضاة الله تعالى .. يسهل عليه تقديم روحه في سبيل خالقها ومالكها، ويهون عليه الصعب المستحيل، وما أكثر الشواهد ـ من التاريخ البعيد والقريب ـ الدالة على ذلك.  
          وفي ذلك عبرة لكثير من الجيوش العربية القومية التي تربي جنودها على معاني الكفر والنفاق .. والمجون والفسوق .. وتجعل مجرد إقامة الجندي للصلاة جريمة كبيرة لا تُغتفر .. يؤخذ صاحبها بالنواصي والأقدام، ويُصنف في خانة المجرمين الخطرين!
          الدرس السادس: لم يكن هدف الغزاة الصليبيين من احتلال العراق إزالة أسلحة الدمار الشامل كما زعموا؛ لأنه ثبت بجميع الطرق والأدلة أن العراق خالية من أسلحة الدمار الشامل .. والغزاة يعلمون ذلك!
          كذلك لم يكن هدفهم ـ كما يزعمون ـ إزالة نظام طاغٍ ظالم .. كما لم يكن هدفهم حماية حقوق الإنسان كما يزعمون، بدليل أن الأرض تعج بالأنظمة الطاغية الظالمة ومع ذلك فهي لا تلقى من أمريكا وحلفائها إلا كل دعم وعون .. كما أن حقوق الإنسان تُقتل بطريقة بشعة في كثير من الأماكن والأمصار، وبخاصة في أمصار وبلاد المسلمين .. ومع ذلك فالقتلة والمجرمون الذين ينتهكون حقوق وحرمات الإنسان بغير وجه حق يلقون  من أمريكا وحلفائها كل تأييد ودعم وتبريك .. وبخاصة إن كان هؤلاء المجرمون القتلة يسيرون في فلك تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة!
هذا مع الإضافة أن أمريكا ذاتها ـ باتفاق جميع العقلاء والمراقبين ـ تعتبر دولة طاغية وظالمة تنتهك حقوق الإنسان بكل ما يعني الانتهاك من معنى، وما أكثر الشواهد والأدلة الدالة على ذلك لو أردنا الإحصاء .. وإذا كان الأمر كذلك فكيف تُعطي الآخرين شيئاً هي تفقده أصلاً .. فإن فاقد الشيء لا يمكن أن يُعطيه للآخرين!!
الكل يعلم أن أمريكا غزت العراق بنهرٍ من الدم بعد أن قتلت عشرات الآلاف من أهله بأسلحتها الذكية والمحرمة دولياً .. قتلهم للإنسان العراقي ـ لأدنى شبهة أو حركة ـ لا يُساوي عندهم شيئاً .. دمرت جميع مؤسسات العراق وبنيته التحتية .. وما لم تخربه آلتهم الحربية تعاونوا على تخريبه ونهبه وتدميره وحرقه مع المفسدين المخربين ممن رحبوا بهم .. ومع ذلك يزعمون زوراً وكذباً أنهم جاءوا من أجل التحرير .. وتحقيق الحرية!!
إذاً لماذا غزوا العراق .. وما هي أهدافهم الحقيقية من وراء غزوهم للعراق؟
أقول: غزوا العراق من أجل تحقيق الأهداف التالية:
1- السيطرة على خيرات وثروات العراق وبخاصة منها ثروة النفط الضخمة، وهذا لا
شك أنه سيكون له المردود الإيجابي على الاقتصاد الأمريكي الذي كان يشكوا أصلاً من الضعف واحتمال الانهيار!

2- سيطرت أمريكا على النفط العراقي يمكّن أمريكا من التدخل بقوة في سياسة منظمة أوبك، كما يمكنها من تحديد سعر النفط .. والكمية التي تُضخ للسوق العالمي .. وهذا مما لا شك أنه سيسهل عليها اتخاذ كثير من القرارات السياسية الهامة على مستوى المحافل الدولية .. لحاجة تلك الدول ـ وبخاصة منها الصناعية ـ لمادة النفط .. فالتحكم بالنفط العالمي يعني التحكم بسياسة العالم وبقراراته السياسية!

          3- تأمين فرص عمل لشركات الاستثمار والاستعمار الأمريكية التي تشكوا من البطالة .. لذا نجد أمريكا تنفذ سياسة ” دمر العراق ثم أعد إعمارها ” من أموال أهل العراق!
          4- من أهداف الغزو الأمريكي الصليبي كذلك تدمير أكبر قوة عسكرية وعلمية عربية في المنطقة قد تشكل خطراً على دولة الصهاينة اليهود ولو في المستقبل البعيد .. لذا فإن احتلال أمريكا للعراق وتدمير مؤسساته العسكرية بحيث يُصبح بلداً بلا عسكر ولا سلاح .. تعدى صفة أن يكون مجرد خدمة مباشرة للصهاينة اليهود، ليصبح في حقيقته احتلالاً مباشراً من قبل دولة الصهاينة للعراق إذ لا فرق بين أمريكا وإسرائيل فبعضهم أولياء بعض .. ولا نبتعد عن الصواب لو قلنا: أن احتلال أمريكا ـ ربيبة إسرائيل وحاميتها والساهرة على أمنها وتحقيق أهدافها ـ معناه تحقيق شعار الصهاينة اليهود القديم الجديد القائل بأن حدود  دولة إسرائيل تمتد ” من النيل إلى الفرات “!
          5- احتلال أمريكا للعراق عسكرياً  يعني إمكانية التدخل الصليبي الصهيوني العسكري المباشر بشؤون دول المنطقة وبخاصة منها دول الطوق المحيطة بدولة العراق من دون الحاجة إلى الوكلاء العملاء في المنطقة أو حتى الحاجة إلى القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في دول الخليج وغيرها .. ويعني كذلك إمكانية وسهولة ضرب الوكلاء العملاء الخونة ذاتهم من خارج حدود بلادهم لو بدا لأمريكا فعل ذلك أو كانت المصلحة تقتضي التخلص منهم .. وهذا مطلب وهدف تستشرف له أمريكا وتسعى له منذ زمنٍ بعيد! 
          6- الغزو الثقافي الحضاري وهو الهدف الأهم للغزو الصليبي الأمريكي للعراق والمتمثل في فرض التصور الأمريكي للديمقراطية في العراق .. والمتمثل في التحكم بسياسات العملية التعليمية والتربوية والتوجيهية في العراق الذي يعين على إيجاد جيلٍ أمريكي يتكلم العربية واللهجة العراقية يعمل على خدمة  أهداف ومبادئ وأطماع الإمبريالية الصليبية الصهيونية في المنطقة!
          لذا فإن القضية أكبر بكثير من أن تُختزل بشخص معين أو نظام معين كما يُصور بعض المغفلين .. فالقضية أكبر من ذلك بكثير: فالقضية تعني الأمة بكاملها .. تعني حاضر ومستقبل الأمة .. تعني هوية وعقيدة الأمة .. تعني إرادتها وحريتها واستقلالها .. تعني عزتها وكرامتها .. تعني خيراتها وثرواتها .. لذا نجد أن الصهاينة والصليبيين قد وضعوا كل ثقلهم وإمكانياتهم وعتادهم في معركة العراق .. وأبدوا استعداداً فائقاً ـ على غير عادتهم ـ في تحمل أي نوع من الخسائر لعلمهم المسبق أن النصر إذا كان حليفهم فسوف يُعوضون أضعاف أضعاف ما كانوا قد خسروه وفقدوه في حروبهم! 
          لا بد من النظر لهذا الحدث الجلل الذي حلّ بأرض العراق من هذا المنظور وعلى هذا الأساس وإلا نكون ممن يعين الظالمين على ظلمهم وعدوانهم على الأمة ونحن نعلم أو لا نعلم. 
          الدرس السابع: الشر في الغالب لا يكون شراً محضاً؛ حيث ما من شرٍّ إلا وتتخلله بعض معاني الحكمة والخير علم ذلك من علم، وجهله من جهل.
          فالغزو الصليبي للعراق وإن كان شراً لا نرضاه إلا أنه فتح باباً عظيماً من أبواب الجهاد ـ لا خلاف عليه ـ لا بد لشباب الأمة من أن يغتنموه ويستغلوه.
          كان الشباب من قبل يتجشمون الصعاب والمخاطر ليصلوا إلى ساحات العدو ليحيوا فيه فريضة الجهاد .. فهاهو العدو قد غزاهم في ديارهم وانتهك حرماتهم وفتح بنفسه أبواباً للعزة والجهاد لو وجد طلابه من المجاهدين المخلصين.
          أبواب الخير مواسم سرعان ما تغلق .. يهدي اللهُ إليها من يشاء من عباده .. فهنيئاً لمن يستغلها قبل أن تُغلق، ويقع الندم ولات حين مندم! 
          أعيذكم ونفسي من أن نتخلق بأخلاق الملأ من بني إسرائيل الذين كانوا يتمنون القتال في سبيل الله، ويسألون عنه، فلما كُتب عليهم القتال، وابتلاهم الله بعدوٍ لهم وله تولوا مدبرين إلا قليلاً منهم، كما قال تعالى فيهم:) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (البقرة:246.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

          17/2/1424 هـ.                                عبد المنعم مصطفى حليمة

          19/4/2003 م. www.abubaseer.com  أبو بصير الطرطوسي

 


[1] هذا مع التنبيه أنه لا يصح بالسند ولا بالخبر الصحيح أن القبرين اللذين في النجف هما قبرا علي بن أبي طالب والحسين بن علي عليهما السلام، ورضي الله تعالى عنهما.
   ثم هم في الوقت الذي منعوا فيه المسلمين من الجهاد والدفاع عن أنفسهم لرد العدو الصليبي الصائل انطلاقاً من مسجدهم الذي سموه مسجد علي بن أبي طالب .. وتعظيماً وتقديساً لقبورهم .. هم أنفسهم بأمر من ابن إمامهم مقتدى الصدر يذبحون بالسكاكين ابن إمامهم الآخر عبد المجيد الخوئي ومن معه في نفس المسجد .. وأمام قبورهم ومزاراتهم .. فأين الحرمة التي يزعمونها للمسجد وما فيه من قبور .. مما دل أن غايتهم كانت أن يحولوا بين المسلمين والدفاع عن أنفسهم ضد الغزاة المحتلين الصائلين .. وليس مراعاة لحرمة المسجد كما زعموا وكذبوا!
   ثم فات هؤلاء الضلال الجهلة أن العدو الصائل لو داهم المسلمين وهم في بيت الله الحرام في مكة المكرمة لجاز لهم القتال والدفاع عن أنفسهم كما قال تعالى:) وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ(البقرة:191. أم أن مسجدهم الذي بنوه ضراراً بأيديهم وتفريقاً بين المسلمين خير وأعظم حرمة من بيت الله الحرم الذي بناه النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام بيده؟!!
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.