موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

وقفاتٌ معَ الإصلاحِ السورِي المزعُوم

0 865

 

بسم الله الرحمن الرحيم
          منذ أن تسلط ” بشار الأسد ” على الحكم في سورية كوريث وحيد لأبيه .. رفع النظام السوري شعار الإصلاح، فشكلوا حكومة إصلاح برئاسة ” محمد مصطفى ميرو ” ليصلح بعض ما أفسده النظام في عهده القديم .. ولكن بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على حكم ” الوريث ” لم تتمكن الحكومة الإصلاحية من إصلاح شيء .. بل الأمور ـ على جميع المستويات ـ من سيئ إلى أسوأ .. ومن ظلم وفساد إلى ما هو أشد ظلماً وفساداً!
          وهاهم اليوم بعد إثبات عجز حكومتهم وفشلها في إصلاح أي شيء وفي أي مجال من مجالات الحكم والسياسة والحياة .. يستبدلونها بحكومة إصلاحية أخرى برئاسة ” محمد ناجي العطري ” من قبيل ذر الرماد في الأعين، والضحك على الشعوب .. وكأن المشكلة الحقيقية التي تمنع من الإصلاح تكمن في حكومة دون أخرى .. أو في رئيس للوزراء دون غيره!

 

          ونحن نقول لهم: المشكلة الحقيقية التي تمنع من الإصلاح لا تكمن في هذه الحكومة أو تلك .. ولا في شخص رئيس الوزراء أو غيره .. ولا في خطة دون أخرى .. وإنما هناك أسباب أخرى قديمة حديثة ـ يعرفها الساسة المتنفذون المتسلطون ـ تمنع من الإصلاح، وتحيل بين أي مشروع إصلاحي من أن يأخذ طريقه إلى حيز الواقع والتنفيذ .. نجمل أهم هذه الأسباب في النقاط التالية:
          أولاً: أن نظام البعث الطائفي الحاكم في سورية تحكمه حكومتان: حكومة ظاهرة قابلة للتغيير والتبديل، لا حول لها ولا قوة، مشلولة الرأي والقرار والإرادة .. تتمثل في رئيس الوزراء ووزرائه .. وهذه الحكومة دورها شكلي يقتصر على أداء المراسيم الدبلوماسية على طريقة ومبدأ ” استقبل وودع .. ووقع ” فقط!
          وحكومة خفية ثابتة تعمل في الخفاء غير قابلة للتبديل والتغيير، بيدها جميع مقاليد الحكم والأمور .. تتدخل في الشاردة والواردة وفي أخص خصائص حياة المواطن .. تتمثل في المخابرات، والأجهزة الأمنية القمعية الأخرى!
          هذه الحكومة الخفية هي السلطة الفعلية التي تحكم البلاد والعباد .. وكلمتها هي النافذة والماضية التي لا يمكن للحكومة الظاهرة ـ الممثلة بالوزراء ورئيسهم ـ أن تخالفها في شيء أو أن تتخذ خطوة لا ترضى عنها ولا توافق عليها!!
          وأيما عملية إصلاح تتعارض مع سياسة ومصالح وأهواء هذه الحكومة الخفية المخابراتية
الجاسوسية .. فهي مرفوضة ومآلها إلى الفشل والانتكاس!
          فأي إصلاح يُنشد ويُمكن أن يتحقق مع هذا الواقع الرهيب للنظام الحاكم ..؟!!
          ثانياً: أن الطاقم القديم المرافق لعهد ” حافظ الأسد ” لا يزال ـ بجميع تراكماته المليئة بالإجرام والفساد ـ موجوداً على سدة الحكم والمسؤولية والقرار، ومحيطاً بالحاكم الحالي ” بشار الأسد ” إحاطة السور بالمعصم؛ فهم وصية حافظ الأسد لولده، وولده وصيته لهم؛ فكما أنهم حافظوا على وصية حافظ الأسد في ولده، وتنصيبه حاكماً على البلاد والعباد، فعلى ولده كذلك أن يُحافظ على وصية والده فيهم، وفي الحفاظ عليهم، وتقريبهم .. مهما بدر منهم من ظلم وفساد وإجرام! 
          وعندما كان يشكو المواطنون السوريون فساد وإجرام واحد من هؤلاء القدماء .. كان يجيبهم رئيس النظام الحالي ” بشار الأسد “: هذا وصية الوالد .. لا يمكن إزعاجه .. أو نهيه عما يفعل .. أو إقالته من منصبه! 
          فأي إصلاح ينشده النظام وهذا الطاقم القديم بكل تاريخه الحافل بالفساد والإجرام لا يزال جاثماً على سدة الحكم يتصدر المسؤوليات وإصدار القرار؟!
          الإصلاح بالنسبة لهؤلاء المجرمين القدماء ـ وصية الأسد الأب ـ يعني فضحهم، وبيان فسادهم وإجرامهم بحق البلاد والعباد .. وهذا مالا يمكن حصوله ما داموا قادرين على منعه وتحقيقه! 
          الإصلاح الفعلي الحقيقي يستدعى مراجعة ومناقشة الأسباب الحقيقية لظاهرة الفساد المتفشية في البلاد، وهذا يلزم منه الرجوع إلى الوراء إلى تاريخ ومنشأ هذه الأسباب .. ومن كان وراء هذه الأسباب، وسبباً فيها .. وهذا يعني محاسبة الرؤوس الحاكمة المجرمة المتنفذة وصية الأسد الأب، ولا بد .. وهذا مالا يمكن تحقيقه مادام هؤلاء المجرمون لا يزالون يحكمون ويتصدرون المسؤوليات والمهام العامة!
          ثالثاً: إضافة إلى ما تقدم فإن نظام البعث الحاكم في سورية نظام طائفي قائم على حكم الأقلية من الطائفة النصيرية الموجودة في المجتمع السوري؛ وهذا معناه أن الكلمة الأولى والأخيرة والنافذة هي للموظف النصيري أو الضابط النصيري مهما صغرت رتبته .. وبغض النظر عن موافقته للصلاح والفساد، أو الحق والباطل!
          لا نتعدى الحقيقة والواقعية لو قلنا أن ضابطاً نصيرياً لا تتعدى رتبته رتبة الملازم يملك صلاحيات التصرف ـ والحل والربط ـ ما لا يملكه وزير سني .. أو وزير لا ينتمي لتلك الطائفة .. وهذا واقع ملموس ومعايش لا يمكن أن ينكره أحد!
          يأتي بعد الموظف النصيري درجة من حيث حرية العبث والنهب والإفساد .. الموظف الحزبي المتعصب لحزبيته وبعثيته .. فعلى قدر ما يُظهر من ولاء لحزب البعث .. والطائفة النصيرية الحاكمة .. تُرفع عنه المُساءلة .. وتُطلق يده ليعبث بحقوق العباد والبلاد كيفما يشاء!  
          وبالتالي ما قيمة عمليات الإصلاح .. وخطط الإصلاح .. ومشاريع الإصلاح .. إذا كانت كلها معرضة لفيتو الموظف النصيري .. أو الحزبي .. فيرد منها ما يشاء ويقبل منها ما يشاء، ويُمضي منها ما يشاء؟!!
رابعاً: يحكم النظام البعثي الطائفي في سورية ـ ومنذ نشأته ـ على طريقة حكم إنسانٍ مودع .. وعلى طريقة فرصة سانحة قد لا تتكرر .. وبالتالي ينبغي استغلالها بأكبر قدر من النهب والسلب .. وليكن بعدها ما يكون .. المهم أن تشبع البطون .. وتمتلئ الجيوب المخرومة التي لا يمكن أن تمتلئ!
ترى أحدهم ـ نصيرياً أم حزبياً متكلفاً ـ يستشرف مواطن المسؤوليات والوظائف المتقدمة .. وربما يقدم مقابل ذلك المال والعِرض .. مقابل أن يحصل على تلك الوظيفة أو المنصب .. لا لكونه يصلح لذلك المنصب .. ولا لكي يخدم الناس .. ويبني البلاد .. ويفعِّل عمليات الإصلاح .. وإنما لكي يستغل موقعه الجديد ـ كفرصة العمر التي قد لا تتكرر ـ في النهب والسلب .. وأخذ الرشاوى .. والاعتداء على حرمات العباد!
لا يمكن للنصيري أو البعثي الحزبي أن يخطط ويمضي في مشاريع إصلاحية تنتفع منها الأجيال اللاحقة .. من دون أن ينتفع بها هو أولاً .. ويقطف ثمارها في حياته ولنفسه .. وذلك لضعف ـ إذا لم يكن لانعدام ـ شعور الانتماء لديهم للأوطان التي يقطنونها .. والأمة التي ينتمون إليها .. ولشعورهم بأنهم جسد غريب عن الأمة .. دخيل على قيمها وعقيدتها .. لا بد له من أفول وزوال! 
النصيري ولاؤه لطائفته .. ولشهواته ونزواته .. وأيما ولاء يتعارض مع هذا الولاء فالولاء أولاً وآخراً للطائفة والشهوات والنزوات .. وبالتالي فهو لا يمكن أن يُعطي العطاء الذي يتجاوز ولاءه هذا .. يظهر ذلك في أمرين جليين: أولهما أنه لا يُعرف عن النصيرية ـ كطائفة وأفراد ـ أنها خالفت النظام النصيري الحاكم في سورية في شيء من سياساته وتقلباته وتناقضاته وخياناته على كثرتها .. فهي تدور مع الحاكم ونظامه حيثما دار، وفي الحق والباطل!
ثانياً: أنهم بعد أكثر من ثلاثين سنة من حكمهم للبلاد والعباد .. لم يقدموا للمجتمع السوري ومواطنيه إلا التخلف .. والفقر .. والجوع .. والرعب .. والقتل .. والسجون .. والتعذيب .. والمجون .. والفجور .. والإلحاد .. وهاهم ـ بعد ثلاثين سنة من السيرة الذاتية المقيتة ـ بعدما استفحل فسادهم وشرهم إلى حدٍ لا يُطاق .. يتنادون ـ خجلاً من الرأي العام ـ إلى الإصلاح ..!!
أي إصلاح هذا الذي يريدونه وراعي الإصلاح يفقد الإصلاح وهو إما نصيري طائفي متنفذ تقدمت بعض أوصافه وخصاله .. أو متحزب متعصب لبعثيته وحزبيته يمتطي حزب البعث كوسيلة لإشباع شهواته، وتحقيق مآربه وأطماعه الخاصة .. لا هم له إلا كيف يملئ جيبه المخروم .. وكيف يسطو على حرمات وحقوق العباد!
خامساً: أيما مواطن يريد أن يستثمر ماله في سورية أو يبدأ بمشروع اقتصادي يعود عليه وعلى البلاد بالخير والفائدة يجب أن يكون وراءه نصيري قوي أو واحد من الشلة الحاكمة المتمكنين كواسطة يحميه من بقية اللصوص الأخرى، ويُسهل عليه المعاملات والإجراءات التي غالباً ما تكون بالغة التعقيد .. مقابل أن يُقتطع له ـ وهو جالس في مكتبه ـ نسبة من أرباح ودخل المشروع أو المال المُستثمر .. يُقدر بحسب رتبة ومكانة اللص الوسيط .. وهذا أمر ظاهر لا يمكن إنكاره، ولا يستدعي منا إلى ذكر الأدلة والبراهين، يعرفه جميع أبناء سورية وبخاصة من حاول منهم أن يستثمر ماله في البلاد!
وهذا المسلك اللاأخلاقي ـ في كثير من الأحيان ـ يُفسد المستثمر ذاته؛ عندما يجد وراءه لصاً ووسيطاً متمكناً من الشلة الحاكمة يحميه .. فإنه يتجرأ على الغش، والكذب، والإفساد، وتجاوز الممنوعات!!
والسؤال: أي إصلاح ينشدونه إذا كان هذا هو واقع الاستثمار والمستثمرين عصب اقتصاد المجتمع السوري ..؟! 
سادساً: لنجاح أي عملية إصلاح لا بد من توفر الإنسان الصالح الذي يقود الإصلاح ويرقى إلى مستوى الإصلاح؛ إذ لا قيمة للإصلاح والخطط الإصلاحية ـ مهما كانت جادة ونافعة ـ إذا فُقد الإنسان السوي الصالح الذي يقدر على أن يرعى تلك الخطط الإصلاحية ويرقى إلى مستواها .. فالإنسان هو المادة الأساسية والأهم لأي عملية إصلاح أو تقدم أو تغيير. 
إذا سلمنا بذلك ـ ولا بد من أن نسلِّم ـ نلقي نظرة إلى المواطن السوري والمستوى الذي وصل إليه في ظل حكم النظام البعثي النصيري الطائفي!
فأقول: رغم أن الإنسان السوري قد عُرف بذكائه، ونشاطه، وحبه للعمل والإنتاج، والإبداع .. إلا أنه وصل موصلاً ـ في ظل النظام الحاكم ـ لا يُحسد عليه!
فبسبب سياسة البطش، والتجهيل، والتقتيل، والسجن، والتجويع، وتكميم الأفواه، والتجسس، ومطاردة الأحرار التي ينتهجها النظام السوري بحق أهل سورية ومواطنيها على مدار أكثر من ثلاثة عقود فإن الإنسان السوري يعيش حالة من الرعب والخوف .. والجبن .. والفقر .. والجهل .. والانحراف .. وعدم الثقة بالنفس .. والقلق إلى درجة المرض .. التي تمنعه من النهوض بأعباء أي عملية إصلاح أو تغيير!
صفوة المجتمع السوري .. علماً وفهماً والتزاماً وعطاءً .. وعددهم بعشرات الآلاف .. بين شهيد قتيل .. وسجين غيبتهم سجون وزنازين النظام الحاكم .. وطريد خارج البلاد تلاحقه وتتابع أخباره أعين جواسيس مخابرات النظام[1]!
كمموا أفواه العباد .. قتلوا في نفوسهم كل فضيلة وقيمة أو خلق .. وربوهم على خلق واحد ألا وهو تمجيد الطاغوت الحاكم .. وحزب الطاغوت .. والرقص والغناء من أجل الطاغوت!
لسياسة التفقير والتجويع والإذلال ـ على مبدأ جوع كلبك يتبعك .. وعلى مبدأ تطبيق الاشتراكية ـ التي ينتهجها النظام الحاكم .. فإن غالب الشعب السوري يعيش هم تأمين لقمة العيش ليسد رمقه ورمق من يعيل من الأبناء والعيال!
شعب هذا همه .. وتفكيره .. لا يمكن أن يتجاوز ساحة الاهتمام بلقمة العيش .. كيف يُتوقع منه أن يُبدع .. ويُصنِّع .. ويُخطط .. ويُصلح .. ويعمل على التغيير إلى الأفضل؟!
شعب يعيش القهر والخوف والذل .. وسياسة تكميم الأفواه .. على مدار أكثر من ثلاثين عاماً .. كيف يُطالب بالإصلاح أو أن ينجح في تنفيذ أي عملية إصلاح؟!
شعب يُحرَم من أن يكون له رأي فيمن يحكمه .. كما يُحرم من أن يكون له رأي في أي شيء مما يدور حوله من شؤون بلاده وأمته .. كيف يُطالب بالإصلاح .. أو أن يرقى إلى مستوى الإصلاح؟!
لذا نقول لمن ينشد الإصلاح: قبل الإصلاح الإداري الذي تتكلمون عنه لا بد من إصلاح الإنسان الذي يقود عملية الإصلاح .. لا بد من أن ترفعوا الأغلال الثقال عن الإنسان الذي به يتم الإصلاح .. لا بد من العمل على رفع الإنسان إلى مستوى الإصلاح .. لا بد من
احترام وتكريم آدمية الإنسان .. وإلا فإن الدعوة إلى الإصلاح ستظل زعماً ولغواً لا واقع لها!
هذه هي أهم الأسباب التي تمنع من تفعيل أي عملية إصلاح ينادي بها النظام السوري .. لا بد من تغييرها وتداركها وتصحيحها قبلاً إن كان القوم جادين فعلاً بالإصلاح وراغبين فيه .. وأيما تجاهل لهذه الأسباب ـ أو بعضها ـ فإن عملية الإصلاح ستظل حبراً على ورق، وزعماً لا واقع له ولا أثر .. مهما تغيرت الحكومات وأسماء وزرائها! 
) إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (.  

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

21/7/1424هـ.                             عبد المنعم مصطفى حليمة

         17/9/2003م.                                   أبو بصير الطرطوسي

 


[1] من عادة السجناء في دول العالم أن يعدوا فترة سجنهم بالأيام أو الأسابيع أو الشهور أو السنين .. بينما سجناء سورية المنسيين يعدون أيام سجنهم في سجون الطاغوت الحاكم بالعقود، وبالقرون وأجزائه؛ حيث قد مضى على كثير من سجناء الرأي كما يسمونهم ـ ومن غير أن يكون لهم رأي ـ أكثر من ربع قرنٍ .. منهم أخي وابن عمي!!
   إنسان مدمر يمضي على سجنه ـ ظلماً وعدواناً وقتلاً لإنسانيته ـ ربع قرنٍ وأزيد .. في أسوأ سجون العالم وأقذرها .. كيف تتوقعون أن يستأنف حياته من جديد .. وكيف يمكن له أن يقود أي عملية بناء أو إصلاح!
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.