موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

الجزاءُ من جِنسِ العَملِ .. وصدَّامُ حُسين

0 822

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          لا يُمكن أن نُشارك الكفرة الغزاة .. والمنافقين المرجفين .. فرحتهم .. ولو كان سبب فرحتهم هلاكَ أو اعتقالَ طاغية ظالم؛ لأن مشاركتنا فرحتَهم تعني مباركة طغيانهم، وعدوانهم، وكفرهم، واستباحتهم للحرمات .. وبخاصة إن كان لهذا الظالم نوع مقاومة لهم ولوجودهم! 

          ولما علمت بخبر اعتقال صدام حسين .. ورأيت صوره التي نُشرت عنه بعد اعتقاله .. راودتني مباشرة القاعدة الشرعية التي دلت عليها عشرات النصوص الشرعية .. والتي تقول:” الجزاءُ من جنس العمل “[[1]].
          كما قال تعالى:)  مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (.
          وقال تعالى:) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (. أي يُسلط الله تعالى الظالمين على الظالمين؛ فيهلك الظالمين ـ لظلمهم وبما كسبت أيديهم من الظلم ـ بالظالمين!
          وقال تعالى:) فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ( . وقال تعالى:)  نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( فعاقبهم الله تعالى من جنس فعلهم وذنبهم!
          وفي الأثر:” كن كما شئت، كما تدين تُدان “.
          فالله تعالى من أسمائه الحسنى ” العَدْل ” ومن مقتضيات هذا الاسم ومعانيه تنزيه الخالق سبحانه وتعالى عن أدنى درجات الظلم، كما قال تعالى:) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (. وقال تعالى:) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (.  
وبعد، فلما تأملت حال صدام حسين وما حلَّ به .. فقد وجدته قد أثكل كثيراً من الآباء والأمهات بقتل أبنائهم ظلماً وعدواناً .. فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه؛ بقتل ولديه، وحفيده .. في حياته وأمام عينيه .. ليشرب من نفس الكأس، ويشعر بنفس الآلام التي يشعر بها أولئك الآباء الذين فقدوا فلذات أكبادهم على يديه!
وجدته قد يتَّم أطفالاً .. ورمّل نساءً .. فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه؛ فيتَّم الله أبناء بناته وأبناء أبنائه .. ورمّل بناته .. ونساءَه .. وهذا كله تم في حياته وأمام ناظريه!
وجدته قد فرَّق بين الأحبة .. وهجَّر بظلمه آلافاً من الناس بعيداً عن أرحامهم وأوطانهم .. فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه؛ ففرق بينه وبين زوجه وبناته؛ فهو في وطن، وزوجه في وطن، وبناته في وطن .. لا يستطيع أن يتصل بهن؛ كما كان المهجَّرون من شعبه لا يستطيعون أن
يتصلوا بذويهم ورحمهم في العراق .. خوفاً من ظلمه وطغيانه!
وجدته يعيش ـ بغير وجه حق ـ الإسراف والتبذير في قصور فارهة منعمة .. فيها ما لذ وطاب من النعيم ووسائل الترف .. فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه؛ فجعله يعيش ـ رغماً عن أنفه ـ كهوفاً ومغارات .. وضنكاً من العيش .. ينسيه نعيم تلك الأيام الخالية كلها .. ونعيم تلك القصور الفارهة!  
وجدته قد طارد كثيراً من الأحرار الأبرياء، إلى أن ألزمهم العيش ـ خوفاً على أنفسهم وأرواحهم ـ في غرف ضيقة تحت الأرض .. لا يرون الشمس من خلالها لأشهر عدة .. وربما لسنين عدة، فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه؛ فجعله مطارداً خائفاً على نفسه وروحه .. يترقب ويتوجس الريبة من كل من يراه ..  إلى أن سكن في نفس الغرف الضيقة تحت الأرض لأشهر عدة .. التي سكنها ضحاياه وضحايا ظلمه من قبله! 
وجدته قد اعتقل كثيراً من أبناء شعبه بغير وجه حق .. فزجهم في غياهب السجون .. فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه، فسلط الله عليه من يعتقله ويسجنه!
وجدته قد غدر برحمه وأقاربه .. فقتَّل منهم من قتل، وهجَّر من هجَّر .. وأبقى من أبقى .. فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه؛ فغدَر به رحمه .. وتخلوا عنه في وقت الشدة .. وكان اعتقاله بوشاية أحد نَسائبه وأقاربه! 
وجدته قد تكبَّر .. وأذلَّ خلقاً كثيراً من شعبه بغير وجه حق .. فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه، فسلط عليه من يُذله، ويعبث برأسه وشعره ـ أمام الخلق كلهم ـ وكأنه مصاب بالجرب أو القُمل!
وجدته قد اعتدى ـ بغير وجه حق ـ على مُلك الآخرين من دول الجوار .. فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه، فأذال عنه ملكه وحكمه .. وجعله يتيه في الأرض إلى أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت!
وجدته قد كمَّم الأفواه .. وألغى كل صوت غير صوته، على طريقة الطاغية الأول فرعون إذ ) قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (، فعاقبه الله تعالى من جنس عمله وذنبه، فكُمم فاه .. وفقد وسائل الإعلام .. وأُلغي صوته .. إلا كلمات ينتقيها ويأذن بها أعداؤه!
وجدته قد قتل بنفسه ـ بغير وجه حق ـ خلقاً كثيراً .. وحكم عليهم ظلماً وعدواناً بالإعدام .. فهل يُسلط الله تعالى عليه من يحكم عليه بالإعدام فيقتله .. هذا الذي تبقى ولم نره .. وربما يكون قريباً، والله تعالى أعلم.
فالموقف بالنسبة لي موقف عظة وتأمل واعتبار .. لا شماتة فيه ولا فرح!
ثم أقول لكم: لا تفرحوا؛ فإن الله لا يُحب الفرحين .. ولا تحزنوا .. ولا تقنطوا من رحمة الله ) وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ( فرُب ضارة نافعة .. وكم من أمرٍ أحزننا وتمنينا أنه لو لم يكن .. ثم علمنا فيما بعد أن الخير كل الخير كان فيه .. وحمدنا الله أن كان .. وكم من أمرٍ أفرحنا ثم علمنا فيما بعد أن الشر كل الشر كان فيه .. وتمنينا أنه لو لم يكن .. فالخيرة ما يختاره الله ) وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (.
كم هي الحرمات التي انتهكت .. وكم هي البيوت التي دُهمت وهُدِّمت .. وكم هم الأبرياء .. والأطفال .. والنساء الذين قُتلوا .. على يد الكفرة الغزاة .. وكانت ذريعتهم في كل جريمة يرتكبونها .. هو القضاء على صدام حسين .. والبحث عنه .. زعموا .. فهو ـ عندهم ـ غاية تبرر لهم كل الوسائل!
والآن يُقال لهم: هاهو الرجل قد أصبح عندكم .. وفي قبضتكم .. فما هي ذرائعكم التي تبرر لكم دوام احتلالكم .. وممارسة جرائمكم .. فالأمر ـ على جميع المستويات ـ سيكون لهم ـ من هذا الوجه ـ محرجاً إن شاء الله .. وهذه الشَّماعة التي كانوا يتذرعون بها .. لم يعد يجدونها .. وفي ذلك من الخير لمستضعفي أهل العراق ما فيه إن شاء الله.
وكذلك هؤلاء الذين اعتزلوا القتال ومقاومة الغزاة المعتدين .. خشية أن يُقطف جهادهم وقتالهم لصالح صدام .. أو خشية أن يُفسر على أنه قتال في سبيله .. وسبيل إعادة ملكه وحكمه .. يُقال لهم الآن: ها قد ذهب صدام .. وذهب معه ملكه وحكمه إلى حيث لا رجعة إن شاء الله .. وانتفت أعذاركم .. فما الذي يمنعكم ويصدكم عن الجهاد في سبيل الله .. والانخراط في صفوف المقاومة الباسلة لصد الغزاة المعتدين؟!
لذا فإنني أرى ـ بعد رحيل صدام حسين وأفول حكمه ونظامه ـ مستقبلاً نوعياً ومتميزاً ومتقدماً للمقاومة الإسلامية المجاهدة في العراق إن شاء الله .. يُفرح الصديق .. ويُحزن العدو الغازي .. وكل من دخل في بطانته من المنافقين والعملاء .. وإن غداً لناظره لقريب!
بقي السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ما حصل لصدام حسين .. وما آل إليه .. سيكون موطن عبرة وعظة لغيره من طواغيت الحكم والظلم الذين ابتليت بهم شعوب الأمة .. ومنذ عهد ليس بالقريب؟!
هل سيكون لهم سبباً لمراجعة النفس .. والمواقف والسياسات .. والوقوف مع الذات ومحاسبتها قبل أن تُحاسَب؟!
هل سيصطلحون مع خالقهم سبحانه وتعالى فيحكمون بشرعه .. ومع شعوبهم فيحكمونهم بالعدل والسوية ..؟!
أم أنهم سيظلون في كبرهم .. وظلمهم .. وكفرهم .. وفجورهم .. وإسرافهم وتبذيرهم .. واستعلائهم على العباد .. يعمهون ويتيهون؟!!
 أيها الطواغيت .. وبخاصة منهم طواغيت العرب .. إن لم تغيروا ما بأنفسكم .. وتتقوا الله في شعوبكم .. فإن التغيير ـ بإذن الله ـ لا محالة قادم .. وإن الشعوب ستدوسكم بالأقدام .. وستلعنكم .. وتقذفكم في مزابل التاريخ مع الخونة والظلمة والعملاء .. كما فعلت ذلك مع من سبقكم من الطغاة الظالمين!
أيها الطواغيت .. حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا .. ويقع الندم والمحظور .. ولات حين مندم!
واعلموا أن المُلْكَ لله الواحد الأحد يؤتي الملك من يشاء، ويُعز من يشاء، ويُذل من يشاء .. ) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (.
والحمد لله رب العالمين
21/10/1424 هـ.                         عبد المنعم مصطفى حليمة
15/12/2003 م.                              أبو بصير الطرطوسي
 

 


[1] هذه القاعدة رغم دلالة عشرات النصوص الشرعية عليها، فإنها ليست على إطلاقها؛ أي لا يلزم دائماً نزول البلاء لعمل أو ذنب من جنس هذا البلاء، فالبلاء ينزل أحياناً بالمرء ليرفع مقاماته ودرجاته يوم القيامة في العلا والجنان كالبلاء الذي ينزل بساحة الأنبياء والصديقين والشهداء، وبلاء ينزل أحياناً بالمرء طهوراً وكفارة لذنوبه؛ كالبلاء الذي ينزل بعصاة المؤمنين الموحدين ممن يُقارفون صغائر الذنوب، وبلاء ينزل عقاباً وانتقاماً وطهوراً يُكفِّر الخطايا في آن معاً؛ كالبلاء الذي يصيب عبداً خلط عملاً ظالماً كبيراً وعملاً صالحاً، وبلاء ينزل يُراد به العذاب والانتقام الصرف؛ وهو البلاء الذي ينزل بساحة الطواغيت الظالمين، والكفرة المجرمين .. والنصوص الشرعية قد دلت على جميع هذه الأصناف الآنفة الذكر .. فتنبه ولا تشط ولا تخلط!
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.