موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

الضَّوابطُ المُثلَى في كيفيِّةِ التعامُلِ مع الدعاةِ والعلماءِ

0 529

 

بسم الله الرحمن الرحيم 
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          فقد كثر الحديث والسؤال عن حقوق الدعاة والعلماء .. وما يجب لهم وما يجب عليهم .. وعن اللحوم المسمومة وغير المسمومة!
          وكثير من الناس ـ كعادتهم ـ فريقان: فريق يجنح إلى الإفراط والغلو في الطاعة والولاء والتقديس .. وعلى حساب الحق .. فلا يقبل أن يُقال في شيخه .. أو الداعية الذي يهواه .. نقداً .. ولا نصحاً .. ولا توجيهاً .. ولا أن يُقال عنه أخطأ والصواب كذا .. فشيخه ـ في نظره ـ فوق النص .. وفوق المساءلة والمحاسبة أو أن يُقال له أخطأت!
          وهو ما إن يسمع أي نقدٍ أو توجيه أو نصح ـ وإن كان حقاً ـ يقال عن شيخه أو لشيخه الذي يهواه .. إلا وتراه يرتجف .. ويزبد .. ويصيح .. وتنتفخ أوداجه .. ويفجر في الخلاف والخصام .. ويكلمك عن ضرورة احترام العلماء .. وعن اللحوم المسمومة ..!

 

وهو في تعصبه لشيخه الذي يهواه .. لا يتورع عن الطعن والتجريح في الشيوخ الآخرين الذين لا يهواهم .. إذا دعت ضرورة الدفاع عن شيخه المحبوب إلى ذلك!
وأذكر في ذلك رجلاً كتب إلي زاعماً مناصحتي فيما كتبته ـ ناصحاً ومشفقاً ـ عن أحد الدعاة وأسلوبه الدعوي .. مستهجناً علي جرأتي وقلة أدبي في توجيه النصح لذلك الداعية .. فأين أنا منه .. ومن أكون أنا حتى أنصحه .. وهو في نصيحته الغضبية ـ المزعومة ـ هذه لي لم يفته الإكثار من السب، والطعن، والتهكم، والتحقير بي .. علماً أنني أكبر سناً من ذاك الداعية الذي يغضب لأجله، ويدافع عنه .. ولا أود أن أزيد!
فقلت: يا سبحان الله .. ينهى عن خلق ـ بزعمه ـ ويأتي أسوأ ما فيه ..!
يُطالبني بالأدب والتأدب .. والحوار الراقي والمتحضر .. مع الآخرين .. وهو في نصيحته المزعومة هذه .. يكثر من السب والطعن، والتجريح بي ..؟!
ما الذي حمله على هذا الغضب الشديد .. وهذه الأخلاق .. أهو حقاً الغضب لله ومن أجل حرمات الله .. أم أنه الغضب والعصبية العمياء لمحبوبه الذي يهواه .. ويهوى فيه .. والذي لا يطيق أن يسمع فيه كلمة واحدة لا تروق لمزاجه!
أهو فعلاً الحرص على ضرورة التأدب مع العلماء والدعاة .. أم أنه التعصب الأعمى للرجال في الحق والباطل سواء .. وعلى حساب الحق المسطور في الكتاب والسنة؟! 
هذا الرجل مَثَلٌ ونموذج عن الفريق الذي يمثل الغلو والإفراط في الطاعة والولاء لذوات الدعاة .. وما أكثر الأمثال والنماذج ـ في أمتنا ـ التي تماثل وتُطابق هذا المثل والنموذج في أخلاقه وعصبيته وإفراطه!
أما الفريق الآخر الذي يجنح للتفريط .. يتمثل في شريحة من الناس لا تقيم للعلماء العاملين وزناً ولا قيمة ولا احتراماً .. فأحدهم لأدنى خلاف .. أو لأي اجتهاد معتبر يصدر عن ذاك العالم أو الداعية لا يفهمه أو قد لا يروق له .. تراه لا يتورع عن الطعن والتشهير والاستخفاف به .. وبعلمه .. ويعلن البراء منه .. والحرب عليه!
وهذا أيضاً منهج باطل وخاطئ .. وهو خلق يبرأ منه الإسلام!
          والحق وسط بين الفريقين والمنهجين .. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .. ومن غير جنوح إلى إفراطٍ ولا تفريط .. نجتهد في أن نُظهر هذا المنهج الوسطي الحق الذي يحدد صفة وكيفية التعامل مع الدعاة والعلماء .. ويبين ما لهم وما عليهم .. من خلال ذكر الضوابط التالية .. راجياً من الله تعالى السداد والتوفيق.
          الضابط الأول: يجب أن يعلم الجميع أن للعلماء العاملين الصادعين بالحق مكانتهم الرفيعة، وحقوقهم المحفوظة في الإسلام.
          فهم أولي الأمر .. وهم القادة .. وهم الأمناء على دين الله في الأرض .. وهم الطليعة النخبة الذين يتقدمون الأمة في ميادين الجهاد والصدع بالحق .. ونحو كل خير .. وهم الطائفة المنصورة الظاهرة بالحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم .. لذا فلهم من الأمة التوقير، والاحترام، والإكرام، والإجلال.
          قال تعالى:) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت:33.
فهؤلاء بشهادة الله تعالى لا أحد أحسنَ منهم ديناً، ولا أجراً، ولا مكانة ولا مقاماً .. وأحسن من دعا إلى الله وعمل صالحاً .. وقام بواجب الدعوة إلى الله تعالى .. هم الأنبياء والرسل صلوات ربي وسلامه عليهم .. وأحسن من دعا إلى الله وعمل صالحاً من الأنبياء والرسل هم ألوا العزم من الرسل .. وأحسن من دعا إلى الله وعمل صالحاً من أولي العزم من الرسل هو نبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن العالِمَ ليستغفرُ له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماءِ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائرِ الكواكب، وإن العلماءَ ورثةُ الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ
“[[1]].
          وقال صلى الله عليه وسلم:” فضل العالمِ على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملةَ في جُحرها، وحتى الحوتَ ليصلون على معلمي الناس الخيرَ “[[2]].
          قلت: هذا فضل العالم على العابد .. فكيف بفضله على من سوى العبَّاد من عامة المسلمين .. لا شك أنه أعظم بكثير!
          وقال صلى الله عليه وسلم:” سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتلَه “[[3]].
          وقال صلى الله عليه وسلم:” ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا “[[4]]. أي يعرف لعالمنا حقه من توقير وتكريم واحترام.
          وقال صلى الله عليه وسلم:” إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبةِ المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المُقسِط “[[5]]. 
          فالذي يتطاول على هذا الصنف من العلماء العاملين بالطعن، والسب، والتهكم، أو التشهير .. أثمه مغلظ ومضاعف .. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ” البخاري. وفي رواية:” من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة “، وفي رواية:” من أهان لي ولياً، فقد بارزني بالمحاربة “. نسأل الله تعالى السلامة والعفو والعافية.
          الضابط الثاني: إن إجلال واحترام وإكرام العلماء يتفاضل ويزيد وينقص بحسب قِدم السيرة العلمية، والدعوية، والجهادية لكل عالم؛ فحق العالم العامل المجاهد أعظم وأغلظ من حق العالم القاعد عن الجهاد .. ولكل فضله .. وكذلك من كان له السبق في الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله .. فله زيادة حق وفضل على من كان حديث عهد مع العلم والدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله .. والنصوص الشرعية قد دلت على ذلك. 
          قال تعالى:) لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (الحديد: من الآية10. فميز الله تعالى ـ من حيث الأجر والمثوبة والدرجة ـ بين من آمن وأنفق وقاتل في سبيل الله قبل
فتح مكة ـ فهؤلاء أعظم أجراً وأرفع مكانة ـ وبين من آمن وأنفق وقاتل في سبيل الله بعد فتح مكة، وكلاً وعد اللهُ الجنة.
وقال تعالى:) لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (النساء:95. فالآية صريحة في تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من المؤمنين.
وفي الحديث المتفق عليه، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تسبوا أحداً من أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً، ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه “.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لخالد بن الوليد علماً أن خالد بن الوليد رضي الله عنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لما كان إسلام وإيمان وجهاد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه متقدماً على إسلام وإيمان وجهاد خالد بن الوليد .. فرق بينهما في المنزلة والأجر، وعد ما يُنفقه من تأخر إسلامه وجهاده إلى الفتح أو ما بعد الفتح ولو كان مثل جبل أحد ذهباً .. فإنه لا يوازي ولا يُساوي مدَّاً واحداً ولا نصيفه مما كان يُنفقه الصحابة ممن كان لهم السبق في الصحبة والإيمان والجهاد في سبيل الله ..!
حتى في خلاف حصل بين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يراعي هذا الضابط والمقياس، فيقول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه زاجراً وناهياً ـ والفاروق عمر هو هو ـ:” إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكرٍ: صدقتَ، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي .. فهل أنتم تاركو لي صاحبي ” مرتين، فما أُوذي بعدها. والحديث مخرج عند البخاري في صحيحه، وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه لما رأى من غضب النبي صلى الله عليه وسلم على عمر، أشفق على عمر .. وأخذ يهدئ من غضب النبي صلى الله عليه وسلم ويقول:” يا رسولَ الله، والله أنا كنتُ أظلمُ .. والله أنا كنت أظلمُ ” مرتين!
والأحاديث النبوية التي تبين فضل أهل موقعة بدر على من سواهم من الصحابة .. ومن جاء بعدهم .. كثيرة جداً .. وهي كذلك تصلح كدليل على الضابط الآنف الذكر.
وفي الأثر عن ابن عباس رضي الله عنه  قال: لا تسبوا أصحاب محمدٍ؛ فلمقام أحدهم ساعة ـ يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم ـ خير من عمل أحدكم أربعين سنة “[[6]]. وفي رواية:” خير من عبادة أحدكم عُمُرَه “. يقول ابن عباس ذلك لمعاصريه من الصحابة والتابعين .. فكيف بمن جاء بعدهم .. فكيف بزماننا هذا الذي فشا فيه الكذب .. وفقدت فيه الأمانة .. وساد الغدر .. لا شك أنه من باب أولى أن نمسك عن الخوض فيمن تقدموننا بالإيمان والعمل الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان .. وبخاصة القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية والفضل، وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا “[[7]]. أي أمسكوا عن الخوض فيهم واحذروا أن تتوسعوا في الحديث عنهم بغير علم .. حتى لا تقعوا بالمحظور! 
خلاصة القول: مما تقدم نستفيد أن المسلمين في كل عصر من عصورهم .. لا بد من أن يُراعوا في تعديلهم وتجريحهم .. ودرجة توقيرهم واحترامهم .. للآخرين علماء كانوا أو غيرهم .. ضابط الأقدمية والأسبقية في الطلب، والدعوة إلى الله تعالى، والجهاد والبلاء في سبيل الله .. فلا يستوي المجاهدون والقاعدون .. ولا الصادع بالحق من أهل العلم والساكت عن الحق .. كما لا يستوي الأقدمون في الدعوة والجهاد وبذل العلم والحديثو عهدٍ في الدعوة والجهاد .. فهذا أمر بيِّنٌ لا يحتاج ـ ولله الحمد ـ إلى مزيد تفصيل وبيان.
الضابط الثالث: من عقيدة أهل السنة والجماعة أن كل إنسان مهما كانت مرتبته ودرجة تحصيله العلمية، يُخطئ ويُصيب، يؤخذ منه ما أصاب فيه، ويُرد عليه ما أخطأ فيه .. عدا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (النجم:4.
لذا جاءت النصوص الشرعية مبينة أن الطاعة لا تكون على الإطلاق، وإنما تكون في المعروف، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما في الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعةُ في المعروف ” متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم:” من أمركم من الولاة بمعصية فلا تُطيعوه “[[8]]. وقال صلى الله عليه وسلم:” السمعُ والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ أو كره، ما لم يُؤمر بمعصيةٍ، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ” متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم:” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق “.
ومن الشرك الذي وقع فيه أهل الكتاب أنهم أطاعوا علماءهم وأحبارهم ورهبانهم طاعة مطلقة في كل ما يصدر عنهم من حق أو باطل، فاتخذوهم بذلك أرباباً من دون الله، كما قال تعالى عنهم:) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (التوبة:31. وذلك لما أحلوا لهم الحرام فاتبعوهم وأطاعوهم على التحليل، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم وأطاعوهم على التحريم .. ذلك معنى اتخاذهم إياهم أرباباً من دون الله.
وهذا معتقد سيئ وباطل ينبغي على المسلمين أن يحذروه ويجتنبوه .. فمن وقع فيه وتخلق به من المسلمين، وتعامل مع العلماء كما تعامل أهل الكتاب مع أحبارهم ورهبانهم فأطاعهم في كل ما يصدر عنهم من حق أو باطل، من صواب أو خطأ، فقد وقع في الشرك، واتخذ العلماء أرباباً من دون الله تعالى.
ومنه نستفيد أن الحق أولى بالاتباع والالتزام .. وأنه لا بد من أن يُقال للعالم أصبت فيما قد أصاب فيه ووافق الحق، وأخطأت فيما قد أخطأ فيه وخالف الحق .. وهذا لا يتعارض أبداً مع حقوقه المحفوظة المشار إليها في الضابط الأول؛ فاحترام العالم شيء وإنصاف الحق منه شيء آخر.
فديننا قائم على النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” الدين النصيحة ” قلنا: لمن؟ قال:” لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ” مسلم.
بعض المغفلين من المتعصبة يظنون أن مجرد التعقيب على العلماء أو الدعاة .. وبيان الحق فيما قد أخطؤوا فيه .. يتعارض مع ما يجب لهم من التوقير والاحترام .. لذا فأحدهم لا يقبل أن يُقال عن شيخه الذي يحبه قد أخطأ والصواب كذا .. وهو على استعداد أن يرد قول النبي صلى الله عليه وسلم ويتكلف الجدال والتأويل والتحريف .. ولا أن يُقال عن شيخه أخطأ .. وهذا لا شك أنه من الجهل المركب .. والعصبية الجاهلية .. قد يودي به إلى المهالك! 
قال الإمام أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو:) فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة ( وجعل يكررها، ويقول: وما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه.
وقيل له إن قوماً يدعون الحديث، ويذهبون إلى رأي سفيان! فقال: أعجب لقومٍ سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصِحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره! قال الله تعالى:) فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة ( وتدري ما الفتنة؟ الكفر. قال الله تعالى:) والفتنة أكبر من القتل ( فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي؟![[9]].
الضابط الرابع: فإن قيل قد عرفنا حق العلماء العاملين .. فما بال العلماء الذين يخلطون في دعوتهم ومنهجهم حقاً وباطلاً .. سنة وبدعة .. فهل لهم من التوقير والاحترام والإكرام .. ما قيل عن العلماء العاملين في الضابط الأول .. وهل النصوص التي قيلت هناك تُحمل عليهم؟
أقول: لا بد من النظر إلى كمية ونوعية البدعة أو الباطل الذي يتصف به منهج أولئك  العلماء المراد تقييمهم؛ وهم ثلاثة أصناف:
أولاً: عالم تغلب حسناته على سيئاته، والبدع التي يتصف بها هي بدع عملية أو بدع لا مساس لها بالتوحيد والأصول .. وكانت أصوله يغلب عليها السلامة والصحة، فعالم هذا وصفه يُحذر من بدعته ومن أخطائه .. ومن ضلالاته وانحرافاته .. ويُحكم على شذوذاته بالأوصاف الشرعية التي تستحقها .. مع بقاء الاحترام والتقدير لشخصه كعالم من علماء المسلمين بقدر ما يُظهر من خير يعم على الإسلام والمسلمين .. وإن كان لا يجوز أن يحظى من التقدير والاحترام الذي يحظاه العالم العامل المجاهد.
فالولاية والمحبة وكذلك الاحترام والإكرام والتقدير يتذبذب صعوداً وهبوطاً، زيادة ونقصاناً بحسب ما يظهر من ذاك العالم أو الداعية من تقوى وعمل صالح يرتد على نفسه والأمة بالخير والاستقامة والصلاح.
قال تعالى:) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات:13.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن أوليائي منكم المتقون، من كانوا وحيث كانوا “[[10]].
فكما أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالذنوب والآثام .. كذلك الولاء والبراء، والمحبة والجفاء فإنه يتذبذب بين الزيادة والنقصان بحسب ما يظهر لنا من ذاك العالم أو الشخص المراد موالاته من تقوى وصلاح أو خلاف ذلك ؛ فإن أظهر لنا اليوم مواقف إيمانية صالحة .. مباشرة يزداد حبنا وولاؤنا له، فإن أظهر لنا في اليوم التالي خلاف ذلك من المواقف الآثمة والمنحرفة مباشرة يضعف حبنا وولاؤنا له بقدر ما يُظهر لنا من تلك المواقف المنحرفة، وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم:” أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله “[[11]]. وقوله صلى الله عليه وسلم:” من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان “[[12]]. وما أقل من يفعل ذلك في زماننا!
ثانياً: عالم تغلب سيئاته على حسناته، والبدع والأهواء التي يدعو إليها، لها مساس بالتوحيد والأصول، وكانت أصوله التي ينطلق منها أغلبها يغلب عليها الفساد والبطلان .. لكنها لم تبلغ به درجة الكفر والخروج من الإسلام.
فعالم هذا وصفه لا أرى أن يؤخذ عنه علم؛ لتوفر هذا العلم عند غيره من العلماء ومن مصادر أخرى تخلو مما يتصف به من بدع وأهواء وانحرافات، ولأن الأخذ عنه كذلك في كثير من الأحيان لا يمكن من دون الوقوف على شيء من بدعه وأهوائه وشذوذاته .. أي أن العلم لا يمكن أن يصل لطالبه صافياً من دون أن تتخلله الشوائب والشبه .. ورحم الله امرأً لم يرع ولم يحم حول الحمى!
كما لا أرى جواز احترامه وتبجيله أو إضفاء ألقاب المديح والثناء الحسن عليه؛ لأن ذلك فيه عون له على باطله وبدعته، ومنهجه الفاسد الباطل، كما وفيه إضلال للأتباع الذين قد يفسرون هذا المديح أو الاحترام عبارة عن تعديل لمنهجه وباطله وبدعته!
لذلك جاء في الحديث:” يليكم عمال من بعدي يقولون ما لا يعلمون، ويعملون مالا يعرفون، فمن ناصحهم، ووازرهم، وشد على أعضادهم، فأولئك قد هلكوا وأهلكوا ..”[[13]].
فقد هلك؛ لأنه قد آزر مبطلاً على باطله، وأهلك غيره؛ لأنه بثنائه واحترامه وتبجيله لذاك المبطل الظالم ـ وبخاصة إن كان ممن يُقتدى به ـ يكون قد أضلهم وغشهم حول حقيقة ذلك المبطل الظالم.
وفي الأثر:” من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام “. لأنه بتوقيره لصاحب البدعة يكون عوناً للمبتدع على بدعته، كما يكون سبباً لنشر بدعته وضلالاته بين الناس .. وما من بدعة تنتشر وتسود إلا وتندرس مقابلها سنة من السنن! 
قال الشافعي رحمه الله:” حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويُقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام ” ا- هـ.
هذا الحكم من الشافعي رحمه الله يطال شيوخ وعلماء أهل الكلام الذين يتكلمون عن الإسلام وباسم الإسلام .. بغير سلطان من الكتاب والسنة .. وما أكثرهم في زماننا!
والسؤال: أي احترام وتبجيل يبقى لهم مع ضربهم بالجريد والنعال أمام الناس ..؟!
ثالثاً: عالم ـ ونحن هنا نسميه عالماً تجاوزاً ـ بلغ به طغيانه وانحرافه درجة أن يكون ركناً من أركان أنظمة الحكم والكفر .. وبوقاً من أبواق الطواغيت الظالمين يبرر لهم كفرهم وطغيانهم، وظلمهم .. ورضي لنفسه أن يكون بيدهم تلك الأداة والعصاة التي يؤدبون بها الشعوب المقهورة المغلوب على أمرها .. ويمنعون بها أي عمل جاد يستهدف استنهاض الأمة، واستئناف حياة إسلامية من جديد .. وما أكثر علماء السوء هؤلاء في زماننا!
فهؤلاء لا غيبة لهم ولا حرمة .. فضلاً عن أن نلزم الناس باحترامهم وتبجيلهم وإكرامهم لكونهم يرتدون ثوب وعمامة العلماء .. ويُنادَون بألقاب العلماء!
من الظلم والجهل كل الجهل أن تُحمل النصوص الشرعية التي قيلت في العلماء العاملين
المجاهدين الصادعين بالحق ـ كما هو مبين في الضابط الأول ـ على هذا الصنف من الشيوخ أو الناس .. وتُحمل عليهم مقولة لحوم العلماء مسمومة!
هؤلاء علماء السوء والضلالة .. والشقاق والنفاق .. هم السبب الأكبر في انتكاسة الأمة واستعلاء أنظمة الكفر على سدة الحكم في بلاد المسلمين .. لعنهم جائز بنص الكتاب .. وهم يدخلون دخولاً كلياً في الملعونين الوارد ذكرهم في قوله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة:159. هذا جزاء من يكتم العلم فقط، فكيف بمن يضم إلى كتمان العلم نصرة الطواغيت الظالمين على المسلمين الموحدين .. وتزيين الباطل والحرام في أعين الناس؟!
وهم كذلك مثلهم وسلفهم في القرآن مثل ذاك الشيخ العالم ” بلعام ” الذي انسلخ من آيات الله بعد أن آتاه اللهُ إياها، بدعاء قاله للكافرين على المسلمين الموحدين، كما قال تعالى عنه:) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (الأعراف:175-176. وما أكثر بلاعمة العصر ـ في زماننا ـ الذين مثلهم مثل الكلب ) إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ( الذين يخلدون إلى الأرض، والفُتات الذي يُرمى لهم على العتبات من قبل الطواغيت الظالمين .. ويتسمون بالدعاة والعلماء!! 
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” اسمعوا هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدَّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولستُ منه، وليس بواردٍ علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يُعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه، وهو واردٌ علي الحوض “[[14]]. هذا فيمن يدخل على أئمة الجور من المسلمين فيصدقهم بكذبهم، فكيف بمن يدخل على أئمة الكفر والظلم والطغيان فيصدقهم بكفرهم وكذبهم ..؟!! 
وقال صلى الله عليه وسلم:” إن أخوف ما أخاف على أمتي كلَّ منافق عليم اللسان “[[15]]. فالنبي صلى الله عليه وسلم يخافه على أمته ويُحذِّر منه؛ لأن عامة المسلمين يظنونه عالماً يستحق التوقير والاحترام والإكرام والمتابعة لما يرون من طلاقة وفصاحة في لسانه وهو يتكلم .. ولما يرون عليه من لباس وسمت العلماء .. وهو في حقيقته يكون منافقاً متذبذباً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .. تارة تراه يؤصل للكفر ويدعو له .. وتارة تراه يؤصل للإيمان ويدعو له .. فالحذر الحذر!
الضابط الخامس: وهو يتعلق بمسألة الطعن والسب، واللعن .. فهل هو محرم على الإطلاق أم لا .. وإن كان لا .. فما هو المحرم منه .. وما هو الجائز .. وهل يليق بالمسلم أن يطعن أو يسب أو يلعن الآخرين ..؟!
كثير من الناس مجرد أن يسمعوا من مسلم ـ وبخاصة إن كان داعية أو من أهل العلم ـ كلمة سبٍّ أو طعن أو لعنٍ .. سرعان ما يُنكرون عليه صنيعه .. ويشنعون عليه أشد التشنيع .. وأن فعله هذا لا يليق به .. فهل هذا المنطق صحيح على إطلاقه؟!
وللجواب عن هذه الأسئلة نحدد أولاً المساحة المحظورة المتفق عليها التي لا يجوز الاقتراب منها، وتكمن في النقطتين التاليتين:
أولاً: لعن وسبّ من لا يجوز لعنه وسبه شرعاً .. وهذه مساحة واسعة جداً لا يجوز الاقتراب منها، ومن يفعل ويتجرأ فهو ظالم لنفسه ولغيره قد تعدى الحدود المشروعة، ولعنه وسبه يعود وزره عليه ليبوء بإثمه، كما في الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إذا خرجت اللعنة من فِي صاحبها نظرت، فإن وجدت مسلكاً في الذي وُجهت إليه، وإلا عادت إلى الذي خرجت منه “[[16]]. وقال صلى الله عليه وسلم:” لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه “[[17]]. 
ثانياً: أن لا يكون السب واللعن ديدن المسلم وعادته؛ أي كثير اللعن والطعن، ولأتفه الأسباب تراه يطعن ويلعن .. فهذا لا يليق بأخلاق المسلم، ومن كان اللعن والطعن ديدنه وعادته فهو واقع بالمحظور ولعن وشتم من لا يجوز لعنه وشتمه لا محالة .. لذا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” ليس المؤمن بالطعَّان ولا باللعَّان، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء “[[18]]. والطعَّان واللعَّان من صيغ المبالغة؛ أي كثير الطعن واللعن، فيلعن من لا يجوز له لعنه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” إن اللعَّانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة ” مسلم. أي كثيري اللعن! وقال صلى الله عليه وسلم:” لا ينبغي لصديقٍ أن يكون لعَّاناً “مسلم. وفي رواية:” لا ينبغي لمؤمنٍ أن يكون لعَّاناً “؛ أي كثير اللعن ويلعن من لا يستحق اللعن شرعاً.
وفي صحيح البخاري، عن أنس رضي الله عنه قال:” لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً، ولا لعَّاناً، ولا سبَّاباً، كان يقول عند المعتبة: مالَه تَرِبَ جبينُه “. 
فإن قيل: عرفنا المساحة المحظورة التي يحرم فيها الطعن واللعن .. فما هي المساحة المباحة
التي يجوز فيها الطعن، والسبُّ، واللعن؟
أقول: يجوز الطعن، والسبُّ، واللعن بضوابط أربعة:
أولاً: أن يكون المطعون والملعون ممن أجاز الشارع لعنه والطعن به.
ثانياً: أن يكون الطعن والسب واللعن مبعثه الغضب لحرمات الله تعالى.
ثالثاً: أن يكون الطعن واللعن والسب سبباً معيناً على زجر المطعون والملعون من الاسترسال في غيه وظلمه، وفجوره.
رابعاً: أن لا يؤدي سب ولعن من يجوز سبه ولعنه إلى أن يسب الآخرُ اللهَ عز وجل أو دينَه أو رسولَه، لقوله تعالى:) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (الأنعام: 108. فالله تعالى نهى عن سبهم لعلة وليس لذات السبِّ، وهي ) فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ( فإن انتفت هذه العلة، وأُمن عدم وقوعها .. جاز سبهم والطعن بهم. 
بهذه الضوابط الأربعة يجوز الطعن، والسب، واللعن، وإليك بعض الأدلة على ذلك:
أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن رهطٌ من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السامُ عليكم ـ والسام الموت ـ فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال صلى الله عليه وسلم:” يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ” قلت: أولم تسمع ما قالوا ؟ قال:” قلت: وعليكم “. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليهم سلامهم الخبيث وما أرادوه من سوء بكلمة واحدة وهي ” وعليكم ” أي وعليكم ما قلتم! وفي رواية عند مسلم:” قالت عائشة: قلت بل عليكم السَّام والذَّام “.
والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دل عائشة رضي الله عنها على التعبير الأفضل والأقرب إلى الرفق، ولم ينكر عليها مقولتها .. وذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت ما قالته لأولئك الرهط من اليهود غضباً لله عز وجل ولحرمات رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن الأدلة كذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن صلح الحديبية، وفيه أن عروة بن مسعود موفد قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم لمفاوضته، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: فإني والله لأرى وجوهاً، وإني لأرى أوشاباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:” امصص ببظر اللات، أنحنُ نفر عنه وندَعه ..؟! “.
يقول أبو بكر رضي الله عنه ذلك ـ وهو سب صريح ـ في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لا ينكر عليه؛ لأنه قال ما قاله غضباً لله ودفاعاً عن رسوله صلى الله عليه وسلم .. وفي موطن يُستحسن أن يشعر الكفار بسوء ظنهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:” إذا رأيتم الرجل يتعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بِهَنِ أبيه ولا تكنوا
“[[19]].
قال ابن الأثير في ” النهاية “: التعزي الانتماء والانتساب إلى القوم. ” فأعضوا بهن أبيه ” أي قولوا عضَّ أير أبيك ا- هـ.
هذا هو علاج ودواء من ترونه يتفاخر ويتماجد ويتعصب لقومه أو قبيلته أو آبائه في الباطل .. أن تقولوا له بكل صراحة ووضوح: اذهب ” عض أير أبيك ” فهو أزجر له وأبكت عن استرساله وتماجده بالباطل .. وبجاهليته!
احذر يا عبد الله أن تتكلف الأدب وتُزاود وتقول: من العيب أن نقول للآخرين ذلك .. فأنت بذلك تنسب العيب للنبي صلى الله عليه وسلم .. فتكفر!
وعن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله إن لي جاراً يؤذيني، فقال:” انطلق فأخرج متاعك في الطريق “، فانطلق فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه، فقالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:” انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق ” فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخزه، فبلغه فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أوذيك[[20]]. وفي رواية:” فقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: اصبر، ثم قال له في الرابعة أو الثالثة: اطرح متاعك في الطريق “.
فتأمل كيف أن الصحابة لعنوا هذا المؤذي لجاره .. وكيف أن لعنه أتى بثماره، وكان سبباً في نهي ذاك المؤذي لجاره عن غيه وظلمه!
وفي صحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:” لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحُسن، المغيرات لخلق الله، مالي لا ألعن من لعن رسولُ الله، وهو في كتاب الله؟!
فما دام اللعن مشروعاً .. ومأذوناً به في مواضع وحالات محددة .. لا ينبغي التردد أو المنع منه أو إلغاؤه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذ قال:” مالي لا ألعن من لعن رسولُ الله، وهو في كتاب الله ” كان بذلك يرد على امرأة من بني أسد يُقال لها أم يعقوب قد أنكرت عليه لعنه من تقدم ذكرهن في الحديث!
وفي الصحيح كذلك، قال صلى الله عليه وسلم:” المدينة حرَمٌ ما بين عائرٍ إلى كذا، من أحدث فيها حدثاً، أو آوى مُحدثاً، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل “. 
وقال صلى الله عليه وسلم:” من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم “[[21]]. أي حقت.
وقال صلى الله عليه وسلم:” من سب أصحابي فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين “[[22]]. وغيرها كثير من الأحاديث التي تجيز اللعن في مواضع وصفات محددة.
فإن قيل: هل اللعن العام يستلزم دائماً لعن المعين الذي يقع بما يستدعي اللعن .. أم أن هناك موانع تمنع من لعن المعين رغم إتيانه لفعلٍ يستوجب اللعن؟
أقول: لا يمكن أن نعطل النصوص الشرعية .. ونجعل اللعن دائماً لعناً عاماً لا يمكن أن يتنزل على أصحابه ومستحقيه .. فهذا بخلاف السنة كما تقدم .. كما لا يصح أن نحمل اللعن العام على الأشخاص بأعيانهم مطلقاً ودائماً من دون النظر في الشروط والموانع.
هذه الشروط والموانع ألخصها في النقاط التالية:
1- أن يكون اللعن في موضع قد أجاز الشارع لعنه .. فمن لعن من لا يُشرع لعنه .. عاد عليه لعنه، كما تقدم في الحديث:” إذا خرجت اللعنة من فِي صاحبها نظرت، فإن وجدت مسلكاً في الذي وُجهت إليه، وإلا عادت إلى الذي خرجت منه “.
2- أن لا يكون من وقع في الفعل الذي يستوجب اللعن .. متأولاً أو جاهلاً لا يقدر أن يدفع عن نفسه الجهل فيما قد خالف فيه مما يستدعي اللعن؛ فمن وقع في مخالفة عن جهل معجز لا يمكن دفعه يُرفع عنه التكليف والمؤاخذة إلى حين توفر القدرة على دفع الجهل بالعلم، كالأعرابي الذي بال في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم .. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زرمه وتوبيخه واكتفى بتعليمه، ولقوله تعالى:) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (التغابن: 16. وقال تعالى:) لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا (البقرة: 233. وقال تعالى:) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (البقرة:286.
3- مما يمنع اللعن كذلك عن المعين أن يكون هذا المعين ـ ممن وقع فيما يستوجب اللعن ـ من ذوي الحسنات الكثيرة، وله سابقة بلاء وجهاد في سبيل الله .. فالحسنات ـ في كثير من الأحيان ـ كلما تعاظمت كلما تشفعت لصاحبها عند موارد الشبهات وحصول الزلل والوقوع في الخطأ، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة عندما راسل كفار قريش يخبرهم فيها عن توجه النبي صلى الله عليه وسلم لغزو مكة .. فقد تذكر له النبي صلى الله عليه وسلم مشاهدته لموقعة بدر العظيمة، فقال صلى الله عليه وسلم:” إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم “. وقال صلى الله عليه وسلم:” لن يدخل النارَ رجلٌ شهد بدراً والحديبية “. وحاطب ممن شهد بدراً والحديبية .. فجمع الخيرين معاً.
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً كان
على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يُلقب حماراً، وكان يُضحك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” لا تلعنوه فوالله ما علمتُ إلا أنه يُحبُّ اللهَ ورسولَه “.
فرغم أن شارب الخمر قد لُعن ـ في نصوص أخرى ـ لعناً عاماً إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من حمل هذا اللعن على هذا الصحابي لوجود حسنة عظيمة عنده؛ وهي أنه يحب الله ورسوله، وكذلك لقيام الحد عليه، فالحد يُكفر الذنب عن صاحبه ويُطهره.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي برجل قد شرب، فقال:” اضربوه “. فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تقولوا هكذا، ولا تُعينوا عليه الشيطان .. ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه “[[23]].
وقال تعالى:) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (هود:114.
4- أن يكون الفعل الذي يستوجب اللعن صفة لازمة للفاعل .. يستعلن به ويُباهي .. ولا يستحي من سوء وقبح صنيعه .. فهذا الذي يستحق اللعن .. وليس من تصدر عنه المخالفة على وجه الندرة مع الاستحياء من فعله .. وسرعة المبادرة إلى الاستغفار والتوبة.
هذا الذي نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي كان يؤذيه جاره:” ثلاث مرات: اصبر، ثم قال له في الرابعة أو الثالثة: اطرح متاعك في الطريق “. ولم يقل له من أول مرة ” اطرح متاعك في الطريق ” لاحتمال أن يكون أذاه قد وقع هفوة أو زلة .. ثم تاب وأناب .. ولكن لما شكاه ثلاثاً .. وتبين أن أذاه لجاره صفة لازمة له .. لا يستحي من قبح وسوء صنيعه .. عندئذٍ أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يطرح متاعه في الطريق .. ليملأ أذنيه لعناً وشتماً من الناس!  
وهذا الذي نفهمه ونستفيده كذلك من النصوص الشرعية التي تدل أن العفو يدرك كل مسلم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا المجاهر بذنبه ومعصيته المستعلن بها، كما في الحديث الصحيح:” كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه ” البخاري.  
وكذلك النصوص التي تلزم بوجوب ستر المسلم عند وقوعه في الزلات والهفوات، كما في الحديث الصحيح:” من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة “البخاري. ومن لوازم الستر عدم
لعنه على الملأ وبين الناس، إذ لا يمكن أن يجتمع لعن وستر في آنٍ معاً.
وهنا يأتي السؤال: إذاً كيف نوفق بين العمل بالنصوص التي توجب اللعن .. وبين العمل بالنصوص التي توجب ستر المسلم؟
التوفيق هو ما ذكرناه: يُعمل بالنصوص التي توجب اللعن عندما يمارس الفعل الذي يستوجب اللعن على وجه العادة والوقاحة والمجاهرة .. وعدم الاستحياء من الله تعالى ولا من عباد الله تعالى، بينما يُعمل بالنصوص التي توجب ستر المسلم عندما يقع المسلم بالذنب أو المخالفة ـ التي تستوجب اللعن ـ على وجه الندرة .. وهي بالنسبة لمسلكه المستقيم تُعد هفوة وزلة يستحي من ظهورها، والاستعلان بها أمام الناس.
ألا ترون فرقاً بين من يضطر لقضاء الحاجة خارج بيته، فيجتهد أن يلتمس زاوية لا يراه فيها أحد من الناس .. وهو يتحرج أشد الحرج من أن يراه أحد .. ثم هو بعد بذل جهده المستطاع هذا يراه واحد أو أكثر من عباد الله .. وبين من يقضي حاجته على وجه العادة والتكرار في وسط الطريق مع علمه المسبق أن الناس سيمرون به، ويرونه ويتأذون به .. ومع ذلك فهو لا يبالي .. فالأول يجب ستره، ولا يجوز لعنه .. بخلاف الثاني فإنه يجوز لعنه، هذا هو المراد وهكذا ينبغي أن نفهم قوله صلى الله عليه وسلم:” من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم “.
يوجد فرق بين من تقع منه بعض الأوساخ في طريق المسلمين على غير وجه العادة ولا القصد .. فهذا لا يجوز لعنه .. وبين من يجمع أوساخ بيته ودكانه ليضعها في كل يومٍ ـ عن سابق إصرار وعمد ـ في طريق الناس يؤذيهم بها .. لا يبالي بنقد ولا نصح .. فهذا يجوز لعنه عملاً بالحديث.
بمراعاة هذه الشروط الأربعة الآنفة الذكر .. يجوز لعن المعين .. وإلا فلا .. والله تعالى أعلم.
ـ تنبيه: اعلم أن اللعن غير التكفير؛ فلا يلزم من لعن المعين تكفيره، فاللعن شيء والتكفير شيء آخر، فالتكفير وتبعاته أغلظ من اللعن؛ لذا فإن احتياطات التكفير أشد وأغلظ من احتياطات اللعن.
ويمكن القول كذلك: ليس كل من استحق اللعن يكون كافراً، وهو في الآخرة من المخلدين في النار، بينما كل كافر ـ يموت على الكفر ـ فهو ملعون، ومطرود من رحمة الله، وهو في الآخرة من المخلدين في نار جهنم والعياذ بالله، كما قال تعالى:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (النساء: 48.
الضابط السادس: من يتتبع سيرة بعض الصحابة، ومن تبعهم من بعض أهل العلم، يجد أحياناً أن لهم بعض الملاسنات والاطلاقات الشديدة بحق بعضهم البعض .. قد تكون لحكمة نعرفها أولا نعرفها، أو لعلة ومآرب في نفوسهم نعرفها أو لا نعرفها .. وأنا هنا لا أريد أن أناقش الحق منها من المبطل، وإنما أريد أن أجيب عن سؤال يرد على بعض الألسنة: إذا كنا نحن المسلمين مطالبين باحترام العلماء وإكرامهم فعلام لا نجد أحياناً مثل هذا الاحترام المتبادل للعلماء بعضهم مع بعض؛ حيث نجد بعض الملاسنات والاطلاقات الشديدة بحق بعضهم البعض ..؟!
هذا سؤال أجيب عنه من أوجه:
منها: هذه الملاسنات التي تحصل بينهم .. لا تمنعك يا عبد الله يا مسلم من احترامهم وإكرامهم كما لا تبرر لك عدم احترامهم .. فإن سلَّمنا أن هذا الذي يحصل بينهم خطأ .. فخطأ الآخرين لا يبرر لك فعل الخطأ.
ومنها: هذه الشدة والملاسنة التي تحصل من عالم نحو عالم آخر .. قد تكون لما يعلمه هذا العالم عن العالم الآخر من مزالق، وانحرافات، أو بدع، أو تقصير ونحو ذلك .. هو يعلمها ونحن لا نعلمها .. تستدعي وتبرر له شرعاً ـ من قبيل تحذير العامة من أخطائه وانحرافاته وإنصاف الحق ـ مثل هذه الاطلاقات الشديدة بحق ذلك العالم.
ومن ذلك ما نعرفه عن علم الجرح والتعديل الذي تميزت به أمة الإسلام، والمليء بالاطلاقات الشديدة على بعض أهل العلم .. لضرورة ضبط النقل .. وتمييز الحديث الصحيح من الحسن، من الضعيف، من الموضوع!
ومنها: أن هذه الشدة والملاسنة قد تكون من قبيل التذكير أو النصح والزجر للعالم الآخر الذي وقع في التقصير أو المخالفة، وهذا يقع أحياناً، وبخاصة من جهة الفاضل نحو المفضول، فالعالم إن لم يجد عالماً آخر يذكره عند النسيان، وينصحه ويسدده عند وقوعه في الخطأ والزلل .. قد يتمادى في باطله ولا تؤمن عليه فتنة الطغيان، فها هو عبادة بن الصامت رضي الله عنه يقول لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ـ بسبب خلاف بينهما على معنى الربا ـ:” أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن رأيك، لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة “[[24]]. 
وهاهو العالم المجاهد الزاهد عبد الله بن المبارك يقول لابن علية وهو من كبار أهل العلم، لما رضي الآخر لنفسه أن يتولى القضاء عند هارون الرشيد، وقيل صدقات البصرة:
يا جاعلَ العلمِ له بازياً … يصطادُ أموالَ المساكينِ
احتـلتَ للـدُّنيا ولذَّاتها … بحيـلةٍ تذهبُ بالـدينِ
فصرتَ مجنوناً بها بعـدَ ما … كـنتَ دواءَ المجانـينِ
أين رواياتُك فيما مضى … عن ابن عونٍ وابن سيرينِ
أين رواياتُك في سردِها … في تركِ أبوابِ السـلاطينِ
إن قلتَ أُكرهتَ فذا باطلٌ … زلَّ حمارُ العلمِ في الطينِ
فلما وقف على هذه الأبيات قام من مجلس القضاء فوطئ بساط الرشيد، وقال: الله، الله، ارحم شيبتي فإني لا أصبر على القضاء[[25]].
كانت كلمات ابن المبارك رحمه الله شديدةً وقاسية .. لكنها آتت أكلها وثمارها!
الشاهد أن مثل هذه الشدة والملاسنة قد تحصل بين أهل العلم .. فلا ينبغي أن نضخم الأمور ونثير الشغب عصبية لطرف على طرف، أو لعالم على عالم .. فإن أدركنا الحكمة منها يكون ذلك خيراً .. وإن لم ندرك الحكمة منها .. وقصرت أفهامنا عن إدراك المراد منها .. فالواجب حينئذٍ يحتم علينا أن نحسن الظن بالجميع .. ونحترم الجميع .. وندعو للجميع .. ونترحم على الجميع.
وفي الختام أعود فأذكر القارئ بأن من لوازم حسن التعامل مع الدعاة والعلماء، وفهم المسألة جيداً .. أخذ ومراعاة جميع الضوابط الآنفة الذكر، وإعمالها بعضها مع بعض من دون إهمال شيء منها؛ فالإفراط وكذلك التفريط غالباً ما يكونا بسبب إعمال ضابط أو بعض الضوابط الآنفة الذكر وإهمال بعضها الآخر .. فتنبه! 
) رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (الحشر:10.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
6/1/1425 هـ.                                عبد المنعم مصطفى حليمة
27/2/2004 م.                                   أبو بصير الطرطوسي

 


[1]  أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، صحيح الترغيب:68. 
[2]  أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
[3]  أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491.
[4]  أخرجه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 96.
[5]  صحيح سنن أبي داود: 4053.
[6] أخرجه أحمد وغيره، وصححه الشيخ ناصر في تخريجه لأحاديث ” شرح العقيدة الطحاوية “.
[7] أخرجه الطبراني، صحيح الجامع: 545.
[8] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 2324.
[9] عن كتاب الصارم المسلول: ص56.
[10] أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 212.
[11] أخرجه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: 998.
[12] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 380.
[13] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 457.
[14] صحيح سنن الترمذي: 1843.
[15] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 1013.
[16] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة:1269.
[17] أخرجه أبو داود، السلسلة الصحيحة: 528.
[18] أخرجه أحمد وغيره، السلسة الصحيحة: 320.
[19] أخرجه أحمد والترمذي، صحيح الجامع: 1787.
[20] صحيح الأدب المفرد: 92.
[21] السلسلة الصحيحة: 2294.
[22] السلسلة الصحيحة: 2340.
[23] صحيح سنن أبي داود: 3758.
[24] صحيح سنن ابن ماجه: 18.
[25] أنظر كتاب الزهد لابن المبارك، ص51.
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.