موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

تعريف الإرهاب

0 425

 

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
          في كل مرة ـ لغاية في نفوسهم ـ يأتمر المؤتمرون .. ثم ينفضون وهم أشد تحاملاً وحنقاً على الإرهاب والإرهابيين زعموا .. ومن دون أن يحددوا معنى وصفة الإرهاب .. الذي ينبغي أن يُكافحوه أو يُحاربوه ..!
مصطلح الإرهاب هو المصطلح الأكثر إثارة وجدلاً في هذا العصر .. ومع ذلك فالقوم إلى الساعة لم يُحددوا تعريفاً واضحاً للإرهاب يُلزمون أنفسهم به .. كل هذا وغيره .. يجعلنا نضع عشرات إشارات الاستفهام حول غايات ومقاصد القوم من حربهم المعلنة على الإرهاب[[1]]!
          وفي الجهة المقابلة؛ في الصف الإسلامي .. يوجد من يؤيد استخدام مصطلح الإرهاب على الإطلاق بصيغة المدح على اعتبار وروده في بعض نصوص الشريعة بصيغة الحض والمدح .. ويوجد من لا يرى استخدامه إلا على وجه الذم، والاستهجان؛ لاعتبار أنه يدل على معانٍ لا تنسجم مع تعاليم ورحمة الإسلام للعالمين.

 

          هذا الاضطراب وغيره .. يضطرنا لبيان تعريف محدد ومنضبط ـ من منظور الشرع ـ لمعنى مصطلح الإرهاب .. والذي يعيننا على تحديد الموقف من هذا المصطلح ودلالاته بصورة أفضل، وأكثر وضوحاً، وبما لا يدع مجالاً لاستغلاله في معارك مشبوهة لها مآرب أخرى[[2]].
          فأقول: الإرهاب لغة يعني: العمل الذي يُحدث الإخافة، والفزع، والذعر .. والإرهابي هو الذي يُحدث الخوف والفزع والذعر عند الآخرين، بعمل مفزع ومخيف.
قال ابن منظور في كتابه ” لسان العرب “: رَهِبَ، بالكسر، يَرْهَبُ رَهْبَةً ورُهْباً بالضم، ورَهَباً بالتحريك؛ أي خاف. ورَهِبَ الشيء رَهْباً ورَهْبَةً: خافه.
          وفي حديث الدعاء:” رغبة ورَهْبَةً إليك “، الرهبة: الخوف والفزع.
          وترَهَّبَ غيره: إذا توعَّده. وأرهَبَه ورهَّبَه واستَرْهَبَه: أخافَه وفزَّعه ا- هـ.
          وفي ” النهاية ” لابن الأثير: الرَّهبَة: الخوف والفزع. وفي حديث بَهْز بن حكيم:” إني لأسمع الرَّاهبةَ ” هي الحالة التي تُرهب: أي تُفْزِع وتُخوِّف. وفي روايةٍ:” أسمعك راهِباً ” أي خائفاً ا- هـ.  
          قال تعالى:) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ( الأنفال:60.
          قال ابن كثير في التفسير: قوله ) تُرْهِبُونَ ( أي تخوِّفون ) بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (أي من الكافرين ا- هـ.
          وقال تعالى في سحرة موسى:) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (الأعراف:116.
          قال ابن الجوزي في زاد المسير:) وَاسْتَرْهَبُوهُم (أي: خوَّفوهم. وقال الزجاج: استدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس ا- هـ. أي خافهم الناس. 
          وقال تعالى:) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (الحشر:13.
          قال ابن كثير في التفسير:) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ( أي يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله ا- هـ. 
          هذا المعنى المتقدم للإرهاب لا يختلف عما تقرره اللغات الأخرى لمعنى هذه الكلمة، فقد جاء في ” المورد ” عن معنى الإرهاب: terror رعب، ذُعر، هول، كل ما يوقع الرعب في النفوس. و terrorism إرهاب، ذعر ناشئ عن الإرهاب. و terrorist الإرهابي. و terrorize يُرهب، يُروِّع، يُكرهه على أمرٍ بالإرهاب. و terror-stricken مُروَّع، مذعور.
          أما اصطلاحاً لا يمكن أن نُصدر في مصطلح الإرهاب تعريفاً واحداً، ويكون منضبطاً؛ لاستحالة استخدامه في معنى واحد لا غير، فهو مصطلح حمَّال أوجه يمكن حمله واستخدامه في مجالي الخير والشر سواء، وبالتالي ـ لضبط التعريف ـ لا بد أولاً من تقسيم الإرهاب إلى قسميه المتغايرين والمتمايزين: الإرهاب المذموم الدال على معنى الشر، والإرهاب الممدوح الدال على معنى الخير .. ومن ثم تعريف كل منهما على حِده، وبصورة مستقلة عن الآخر.
           أولاً: الإرهاب المذموم شرعاً، هو:” تعمُّدُ إحداثِ الخوفِ والفزعِ، والرعب، عند من لا يجوز إخافته شرعاً؛ ممن صان الشرع حرماتهم، ومنع من قصد قتالهم “.
          والذين صان الشرع حرماتهم هم: المسلمون، وأهل الذمة، وأهل العهد والأمان المؤقتين من غير المسلمين.
          أما الذين منع الشرع من قصد قتالهم فهم إضافة للأصناف الآنفة الذكر أعلاه: نساء وأطفال وشيوخ، ورهبان المشركين وغيرهم ممن لا شأن لهم بشؤون الحرب والقتال، ممن لا عهد ولا أمان، ولا ذمة لهم مع المسلمين .. وهؤلاء وإن لم يكونوا مُصاني الحرمة تماماً كالمسلمين، وأهل الذمة، وأهل العهد والأمان .. بحيث يجوز سبيهم واغتنام أموالهم .. إلا أنه لا يجوز قصدهم بقتال أو ترويع أو تخويف.
          واشترطنا في التعريف ” التعمُّد “؛ لنخرج من الذم من يقع في نوع إرهابٍ للآخرين ـ ممن لا يجوز إرهابهم ـ خطأ، عن غير قصد، لقوله تعالى:) وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (الأحزاب:5.
          ولقوله r:” إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه “.
          ومثال هذا النوع من الإرهاب المذموم شرعاً وعقلاً في الواقع كثير وهو يتمثل في كل اعتداء يروع ويفزع ويُخيف الآمنين ممن تقدم ذكرهم، كما فعل ولا يزال يفعل الغزاة المعتدين المجرمين من مجازر وترويع للآمنين في العراق مع أهل العراق .. وفي فلسطين مع أهل فلسطين .. وفي أفغانستان مع أهل أفغانستان .. وفي الشيشان مع أهل الشيشان .. وغيرها من البلدان والأمصار .. وما أكثر الشواهد من واقعنا المعاصر على هذا النوع من الإرهاب المذموم شرعاً لو أردنا الاستطراد والإحصاء!
          ونحوه الإرهاب الناتج عن تسابق الدول على التسلح النووي .. وبخاصة منها الدول الكبيرة المالكة لهذا السلاح .. هذا السلاح التي تكون ضحاياه الأبرياء ممن صان الشرع حرماتهم .. قبل غيرهم!
          ومنه كذلك هذا الإجرام والظلم والقهر، والكبت الذي تمارسه تلك الأنظمة الفاشية الفاسدة الحاكمة في بلاد المسلمين بحق شعوبها .. والتي تربيهم على الخوف والرعب من كل شيء ..
ولأدنى شيء .. بل ومن لا شيء!
          ومن الإرهاب المذموم شرعاً كذلك قطع الطريق على الآمنين ممن تقدم ذكرهم .. والاعتداء على حرماتهم .. وأموالهم، وأمنهم، وترويعهم .. فهؤلاء ممن يسعون في الأرض فساداً .. وهم ممن عناهم الله تعالى في قوله:) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (المائدة:33.
ثانياً: الإرهاب الممدوح شرعاً، هو:” إحداثُ الخوفِ والفزَعِ عند من يجوزُ إخافته شرعاً، بالقدر الذي يردعه عن العدوان والظلم “.
          ويُمكن أن يُقال في تعريفه كذلك أنه:” إرهاب الإرهاب؛ أي إرهاب المشروع الممدوح للإرهاب المذموم غير المشروع؛ بالقدر الذي يُبطل إرهابه وعدوانه “.
          فالإرهاب هنا يُعتبر قوة ردع لقوى الشر والعدوان، ولكل من يُحاول أن يُفسد في الأرض، أو يخرج عن قوانين الشرع، كما في قوله تعالى:) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (. أي تخوفون بهذه القوة أعداء الله وأعداءكم من الكافرين المجرمين .. الذين يمكرون ضدكم .. فيخافونكم فلا يتجاسرون على الاعتداء عليكم ولا على حرماتكم.  
          وقال تعالى:) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الأنفال:39. فشرع الله تعالى القتال حتى لا تكون فتنة وفساد في الأرض .. وإلى أن ينتهي الفتَّانون المفسدون عن فتنتهم وفسادهم.
والإرهاب في هذا الموضع له فوائد عدة إضافة إلى كونه يمنع العدو ويخوفه من التجاسر على الاعتداء، منها: أنه يوفر على الأمة حروباً كثيرة .. إذ يكبح جماح العدو ويحقق عنده الهزيمة .. والنصر عليه .. من دون أن تُشن معه الحروب .. وتُزهق الأنفس، كما في قوله تعالى:) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (الأحزاب:26. فهم هُزموا بالرعب .. ووقعوا بالأسر .. بما أصابهم الله تعالى من خوف ورعب .. إذ الخائف المرعوب لا يصلح للقتال في ميادين المنابذة والقتال ..!
وقال تعالى:) وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (الحشر:2. فهم يخربون بيوتهم بأيديهم .. لما تحقق عندهم من الهزيمة النفسية والمادية بسبب ما قُذف في قلوبهم من الخوف والرعب .. ) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً (.
وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:” نُصرت بالرعب شهراً، يُرعب مني العدو مسيرة شهر “. أي نصرت بخوف العدو مني قبل أن أواجهه بمسيرة شهر .. حيث كان العدو يُصاب بالرعب والخوف لمجرد علمه أن جيش النبي r متوجه إليه .. وقبل أن يتوجه إليه بمسيرة شهر كامل .. فهذا إرهاب للعدو .. ويدخل في معنى الإرهاب؛ لكنه إرهاب محمود ومشكور ومطلوب .. إذ لولاه لتجرأ الأعداء على الاعتداء فانتهكوا حرمات العباد والبلاد ..!  
ونحو ذلك القِصاص الشرعي، وإقامة الحدود الشرعية؛ فإن فيه إرهاباً لذوي النفوس الخبيثة والضعيفة التي تميل للإجرام والعدوان، وارتكاب المخالفات المخلة بأمن المجتمع، فيزجرها ويردعها عن الإقدام على ارتكاب الجريمة .. وإنزال الأضرار بالآخرين .. فيتحقق بذلك الحياة الآمنة لجميع الناس .. كما قال تعالى:) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة:179.
وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:” حدٌّ يُعمل به في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً “. وذلك لما يترتب على إقامة حدود الله من أمن وأمان ينعكس على البلاد والعباد.
فإن قيل كيف يكون في القصاص حياة، والقاتل ـ بغير حق ـ يُقتل ويفقد حياته، والسارق تُقطع يده وغير ذلك ..؟!
أقول: عندما يُقام الحد على قاتل النفس بغير حق فيُقتل .. فإن في ذلك إرهاباً وتخويفاً لكل من تحدثه نفسه بارتكاب جريمة القتل .. فينردع وينكمش على نفسه خوفاً من القصاص وإرهاباً منه .. فيُكتب بذلك الحياة لعشرات ولربما مئات الأنفس التي كان من الممكن أن تُقتل لولا وجود إرهاب القصاص .. فبذلك يكون القصاص فيه حياة للناس، والله تعالى أعلم.
وكذلك قصاص قطع يد السارق .. فإنه يُرهب كل من تحدثه نفسه بالسرقة والاعتداء والسطو على أموال وحرمات الآخرين .. فيمتنع .. فيكتب بذلك الأمن والأمان والحفاظ على أموال وحرمات الآخرين ..!
هذا الوجه الحسن والمشروع للإرهاب .. هو إرهاب تمارسه جميع الدول والشعوب .. على مر العصور والأزمان وإلى يومنا هذا .. وإلى أن تقوم الساعة!
فما من دولة إلا ولها جيشها وعتادها التي ترهب به أعداءها .. فتخوفه به وتمنعه من التجرؤ على الاعتداء على حدودها، وحرماتها، ومصالحها ..!
وما من دولة إلا ولها قوانينها الجنائية ـ بغض النظر عن فاعليتها وصوابها ـ التي تخوف بها ذوي النفوس المريضة التي تجنح للإعتداء على أمن وحرمات الآخرين!
هذا التسابق للدول على التسلح .. وعلى اقتناء وشراء الأسلحة المتطورة المتقدمة أولاً بأول .. ما هو إلا من قبيل إرهاب بعضها البعض .. وإرهاب كل دولة لأعدائها من الدول الأخرى .. فهذا النوع من الإرهاب الكل يمارسه ويفعله .. فعلام لا يسمونه باسمه الصحيح .. الإرهاب!
هذا الاستعراض العسكري السنوي لكل دولة .. فتظهِر فيه قوتها وعتادها العسكري على مرأى ومسمع من الناس .. هو إرهاب .. وهو من قبيل إرهاب وإخافة أعداء تلك الدولة الداخليين المعارضين ـ إن وجدوا ـ والخارجيين سواء ..!
وما أكثر صور وشواهد هذا النوع من الإرهاب في واقعنا لو أردنا التوسع في الاستدلال .. والشاهد مما تقدم أن هذا النوع من الإرهاب .. تمارسه جميع الدول والمجتمعات .. المتقدمة والمتخلفة منها سواء .. وهو إرهاب ممدوح ومشروع للجميع لا يمكن أن يُدرج تحت طائلة الإرهاب المذموم الذي ينبغي أن يُحارب .. كما لا يُمكن أن يُقال أن هذا النوع من الإرهاب مسموح لجهة معينة دون أخرى .. أو دولة معينة دون أخرى!
لا بد من الإعتراف بهذا النوع من الإرهاب الممدوح والمشروع .. وتسميته باسمه .. هذا إذا أردنا أن نُعرِّف الإرهاب تعريفاً صحيحاً ومنضبطاً .. لا نقص فيه ولا عِوج .. ونَعرِف الوجه المضيئ منه من الوجه القاتم الكالح!
من خلال هذا التعريف المتقدم للإرهاب .. والتمييز بين نوعي الإرهاب الممدوح والمذموم .. ندرك كذلك خطأ بعض الإطلاقات الدارجة على ألسنة بعض الناس، والتي منها: الإسلام دين الإرهاب .. يدعو ويأمر بالإرهاب .. والمسلم إرهابي .. أو أن من أنكر الإرهاب أو عاد الإرهاب فهو كافر .. أو أن الإسلام بريء من الإرهاب .. ونحوها من الإطلاقات العامة .. التي لا تميز بين الإرهاب الممدوح المشروع من الإرهاب المذموم غير المشروع!
لا بد ـ إن أردت أن تتوخى الدقة في حديثك عن الإرهاب ـ عندما تريد أن تثني على عمل إرهابي معين، من أن تضيف إليه عبارة ” الممدوح شرعاً “، وإن أردت أن تذم عملاً إرهابياً معيناً من أن تضيف إليه عبارة ” المذموم شرعاً “؛ ليتضح المراد من المدح والذم .. وحتى لا يكون المدح عاماً لمطلق الإرهاب، فيدخل فيه الإرهاب المذموم، وكذلك لا يكون الذم عاماً لمطلق الإرهاب فيدخل فيه الإرهاب الممدوح المشروع.
وقولنا في التعريف أعلاه: بالقدر الذي يردعه عن العدوان والظلم “؛ لأن الزيادة ـ عن المشروع ـ في الردع ظلم وفيه نوع تعدي .. ربما يؤدي للوقوع في الإرهاب المذموم .. والإسلام لا يرضى بذلك، كما في قوله تعالى:) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً (الإسراء:33. وقال تعالى:)  وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (الأنعام:164. وقال تعالى:)  فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ (البقرة:194. وقال تعالى:) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (الأنفال:61.
وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:” لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه “.
فديننا ـ ولله الحمد ـ جاء بالعدل المطلق .. ويأمر بالعدل والإحسان .. ويرغِّبُ بهما .. وينهى عن الظلم .. والعدوان .. والبغي .. والفسوق والعصيان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
2/1/1426 هـ.                                 عبد المنعم مصطفى حليمة
10/2/2005 م.                                    أبو بصير الطرطوسي

 


[1] ذكرنا في أكثر من موضع أن القوم يرفضون تحديد معنى الإرهاب الذي يريدون أن يُحاربوه، حتى لا يدينوا أنفسهم بأنفسهم؛ لأنهم كيفما عرَّفوا الإرهاب سيجدون أن هذا التعريف يطالهم، وأنهم يدخلون فيه دخولاً كلياً .. وكذلك لكي يُعطوا لأنفسهم الحرية والمساحة الكافية في أن يُمارسوا جميع ضروب وأنواع الإرهاب، ومن دون أن يُدانوا بتهمة الوقوع في الإرهاب .. ولمزيد من الفائدة راجع مقالنا:” لماذا المماطلة في تحديد معنى ومفهوم الإرهاب”!
[2] فإن قيل: هذا التعريف للإرهاب سيكون من منظور الشرع كما ذكرتم .. وهذا يعني أنه لن يكون ملزماً لغير المسلمين ..؟!
     أقول: وإن كان غير ملزم لغير المسلمين .. فإننا في بيان هذا التعريف المنضبط للإرهاب نجتهد في أن نوحد ـ إن شاء الله ـ رؤية الصف الإسلامي نحو هذا المصطلح الأشد إثارة في هذا العصر .. وهو مقصدنا الأهم هنا .. وبنفس الوقت نقول للآخرين، وبكل وضوح: هذا معنى الإرهاب في ديننا .. وثقافتنا وعقيدتنا .. وهذا موقفنا منه .. فأخرجوا لنا تعريفكم له .. ومن ثم وضحوا موقفكم منه .. إن كنتم فعلاً جادين في محاربة الإرهاب!
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.