موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

نَظرَةُ الإسلامِ إلى الكَونِ والحياة

0 297

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد.
          ما من مخلوق في السماء أو في الأرض؛ سواء كان إنساً أم جِنَّاً، أم جماداً، أم ماءً، أم هواءً، أم حيواناً؛ دابَّة كان أم طائراً، إلا وله وظيفتان وغاية.
          أما الوظيفتان: وظيفة نحو نفسه ليُحافظ على بقائه وتماسكه ما قدَّر الله له البقاء، ووظيفة نحو غيره؛ لأنه جزء من كل يتأثر ويُؤثِّر؛ إذ لا يوجد مخلوق بإمكانه أن يعيش مستقلاً عن محيطه، وبقية العناصر الأخرى التي هي سبب في وجوده، وتكوينه، وبقائه على قيد الحياة ما قُدِّر له.

          وقد تكون للمخلوق ـ ايَّاً كان هذا المخلوق ـ وظائف أخرى؛ كأن يكون سبباً في هلاك وموت مخاليق أخرى؛ موتها في مرحلة من المراحل سبب في عمران الأرض، ودوامها بصورة أفضل وأكمل، كما قد تكون سبباً في حياة مخاليق أخرى .. حياتها متطلب من متطلبات بقاء الحياة على هذه الأرض بصورة أكمل وأجمل .. وهذا أمر يُدركه المرء بقليل من البحث، والتأمل، والتفكر .. وهو من تمام عظمة اتقان الخالق عز وجل لهذا الكون الفسيح!
          إذ لا يوجد مخلوق قد خُلِق عبثاً من غير وظيفة، ومنهاجٍ، وغاية، كما قال تعالى:) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (المؤمنون:115-116. فالله تعالى منزه عن العبث أو أن يخلق شيئاً ـ أيَّاً كان هذا الشيء ـ عبثاً من غير وظيفة، ولا منهج، ولا غاية أو حكمة، علم هذه الحكمة من علمها، وجهلها من جهلها.
          أما الغاية من خلق الخلق: فهي إفراد الله تعالى وحده بالعبادة، والتسبيح بحمده، والشكر له عز وجل على نعمائه وفضائله التي لا تُعد ولا تُحصى.
          كما قال تعالى عن الإنس والجن:) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: 56. نفي بعده أداة استثناء ” إلا ” يفيد الحصر والقصر؛ أي لم يخلقهم لشيء أبداً إلا لعبادته وتوحيده، وشكره.
وكذلك قوله تعالى:) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (البينة:5.  
وقال تعالى عن بقية المخلوقات، كل المخلوقات:) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (الإسراء:44. فقوله تعالى ) وَإِن مِّن شَيْءٍ ( من صيغ العموم؛ أي كل شيءٍ يعبد الله تعالى ويسبح بحمده بطريقته التي ألهمه الله إياها وارتضاها له، سواء فقهنا تسبيحهم أم لم نفقه!
وقال تعالى:)  أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (النور:41. سبحان الله العظيم! كل كائنٍ قد علَّمه الله تعالى صلاته وتسبيحه، وسجوده، وكيف يعبد الله تعالى ويوحده!
وكذلك قوله تعالى:) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الحشر:24.
وقوله تعالى:) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (الحج:18.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إنَّ العالِمَ ليستغفرُ له من في السماوات والأرض، حتى الحيتان في الماء …”[ أخرجه أبو داود وغيره، صحيح الترغيب:68 ]. 
وقال صلى الله عليه وسلم:” فضلُ العالِمِ على العابد، كفضلي على أدناكم؛ إن الله وملائكته، وأهلَ السماوات والأرض حتى النملةَ في جُحرها، وحتى الحوت ليُصلون على معلمي الناسِ الخيرَ “[ أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح ].
يا سبحان الله .. هذا الكون كله وما فيه ومن فيه من خلائق وأشياء .. ونجوم وكواكب يسبحون ويسجدون، ويصلون .. ويوحدون الخالق عز وجل .. وإضافة إلى ذلك فإنهم يهتمون بالإنسان إلى درجة أنهم يستغفرون ويدعون لمعلمي الناس الخير[[1]]!
هذه النملة ـ على ضآلتها ـ التي قد يطؤها الإنسان بقدمه وهو لا يُبالي .. تقول: اللهم اغفر للعالِم الذي يعلم الناسَ الخير[[2]].
هذا الحوت الضخم المخيف وهو في أعماق البحار: يُسبح بحمد ربه .. ويُصلي لله U من أجل معلمي الناس الخير!
هذه الشجرة التي تستظل في ظلها لا تؤذها في شيء .. فهي من جهة إذ تستخرج ـ بإذن ربها ـ خيرات الأرض لتعطيك إياها ثماراً ناضجة لذيذة الطعم والمذاق ـ وهي راغبة راضية ـ  فهي من جهة أخرى مشغولة بالتسبيح والتحميد .. وعبادة خالقها عز وجل .. ولا بد لك من أن تحترم لها ذلك .. فلا تقطع عليها صلاتها وتسبيحها بما يؤذيها ويُسخطها!
هذا الجبل الأشم الذي قد تمر عليه مرَّ الكرام .. إنه أخوك في الله .. فهو من جهة يُثبِّت لك ـ بإذن الله ـ الأرض لكي لا تميد بك .. وتعيش عليها باستقرار وأمان .. فهو من هذا الوجه حارس مطيع أمين للأرض ومن عليها .. ومن جهة قد يعصمك ـ بإذن الله ـ من سهام وصواريخ وقنابل العدو .. فهو يُقاتل دونك وأنت لا تدري .. وما أخبار جبال ” تورى بورى ” عن مسامع الخلق ببعيد .. حيث تشتتت على صخورها الشمَّاء أعتى أسلحة الشر .. لتحمي قِلة من الفِتية آمنوا بربهم، وزادهم الله هُدى .. وهو مع كل ذلك يُشاركك ـ يا عبد الله ـ التسبيح والتحميد .. وتوحيد الخالق عز وجل، كما قال تعالى:) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (النحل:15.
وقال تعالى:) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (الأنبياء:31.
وقال تعالى:) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (ص:17-18.
الفرق بينك وبين نبي الله داود ـ في هذا الأمر ـ أنه كان يسمع تسبيح الجبال .. وكانت تسبح مع تسبيحه .. وترجع بترجيعه .. وأنت لا تسمعها، قال ابن كثير في التفسير:” أي أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال U:) يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ (، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه، إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب، بل يقف في الهواء ويُسبح معه، وتُجيبه الجبال الشامخات ترجع معه، وتسبح تبعاً له “ا- هـ.
اعلم يا عبد الله .. أنك تعيش وسط عوالم من الحيوانات، والدواب، والطيور، والخلائق، والنباتات، والجمادات ـ على اختلاف مسمياتها وأشكالها ـ لها حياتها الخاصة بها .. كلها تحس .. وتشعر .. وتفهم .. وتفقه .. وتفرح وتحزن .. وتألم .. وتحب وتكره .. وتدعو وتستغفر .. وتسبح بحمد ربها .. ولا بد لك من أن تتعامل معها على هذا الأساس حتى لا تظلم شيئاً منها .. وحتى تُعطي كل شيء في هذا الوجود حقه الذي يستحقه[[3]]!
إن كنت في شكٍّ من ذلك إليك مزيد من الأدلة الدالة على ذلك:
قال تعالى:) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (الأنعام:38.
فقوله تعالى:) أُمَمٌ أَمْثَالُكُم (؛ أي كما لكم حياتكم الخاصة بكم كأمم وشعوب .. فهذه العوالم من الدواب والطيور مثلكم لهم حياتهم الخاصة بهم كأمم مختلفة ألوانها وأشكالها .. كل أمة تتميز عن أختها بما خصها الله تعالى من الخصائص والصفات ” وهي جماعات مماثلة لكم في الخلق والرزق، والحياة، والموت، والحشر “، ينتابها ما ينتابكم من مسرة أو حزن وألم .. ومرض وشفاء .. وهي ستُحاسَب يوم القيامة إن طغى بعضها على بعض، وظلم بعضها البعض الآخر، كما أنكم ستُحاسَبون على أعمالكم، وما تقدمونه لأنفسكم من عمل.
وقال تعالى:) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (الأحزاب:72.
والأمانة يُراد منها هنا: الدين، والشريعة، والطاعة والإنقياد للتكاليف والأوامر والنواهي .. فإن وفَّت هذه المخلوقات العظام ) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ( وأدت الأمانة كما يُراد منها أثيبت، وإن أساءت وقصرت عُوقِبت .. فاعتذرت إشفقاً وتعظيماً لشأن الأمانة، وخوف حصول التقصير، ورضيت بأن تبقى مسخرة لمشيئة الله، طائعة له لا تعصيه في شيء، مجردة من المشيئة والإرادة التي يترتب عليها الحساب والعقاب.
وكون الأمانة ـ على ثقلها وعظمتها ـ تُعرض على ) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ (؛ فهذا يعني أن ) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ( لا تخلو من نوع فهم، وإحساس، وإدراك، وشعور .. وإلا لما عُرضت عليها الأمانة أصلاً.
وكذلك قوله تعالى:) لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (الحشر:21. أي أن الجبال على غلظتها وشدتها تخشع بل وتتصدع خوفاً من الله لو أنزل عليها هذا القرآن وعقلت ما فيه .. فهي ليست عبارة عن جمادٍ مجردٍ من الإحساس والشعور، والعواطف .. كما يظن البعض!
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” أُحدٌ جبلٌ نُحبُّه ويُحبُّنا ” البخاري. نعم الجبل يُحب .. وإذا كان يُحب فهو من جهة ثانية يكره؛ فما دام قد عرف الحب وذاق طعمه، فهو لا بد أنه قد عرف الكراهية والبغض والسخط وذاق طعمه .. أما أنه كيف يُحب ويكره .. وهل له قلب وعروق تنبض بالحب كما للإنسان .. فهذا ليس شأننا .. وإنما شأننا هنا أن نثبت أن الجبال تحب وتكره، شأنها شأن أي مخلوق له يقلب ينبض بالحب والكراهية .. وهي مجموعة من المشاعر والعواطف، كما أنها مجموعة من الصخور العاتية الشماء!
وقال تعالى:) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (الأعراف:179.
وقال تعالى:) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (الفرقان:44. فهم ـ أي الكفار والمشركون ـ كالأنعام من جهة أنهم ليس لهم عقول تفقه حقيقة الخطاب الشرعي الفقه الذي يحمل صاحبه على الإيمان والتصديق، وكذلك حواسهم وإن كانت تعمل وتميز الأشياء بعضها عن بعض .. إلا أنها لا تفقه حقيقة هذه الأشياء وما ينبغي أن يتبع هذا الفقه من إيمانٍ بالخالق عز وجل والإقرار له بالعبودية والطاعة .. فهم من هذا الوجه كالأنعام لا يفقهون ولا يعقلون الخطاب .. ومع ذلك فالأنعام أفضل منهم .. وهم أضل منها سبيلاً؛ لأن الأنعام بفطرتها التي فطرها الله عليها تعبد الله تعالى وتوحده .. وتسبح بحمده وتشكره  .. بخلاف الإنسان الكافر والمشرك فإنه لا يعرف شيئاً من ذلك .. حتى فطرته التي فُطر عليها فقد أفسدها وحملها على الكفر والجحود والإلحاد!  
ومن الأدلة الدالة على ما تقدم، وأن الكافر ليس له عقل ـ وإنما له ذهن يفقه ظواهر الأمور ويحللها ـ قوله تعالى:) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (الملك: 10. أي لو كنا نسمع السمع الذي يؤدي بنا إلى فقه حقيقة ما كنا نسمعه من الآيات المتلوة، أو لنا العقل الذي يفقه الأشياء على حقيقتها .. ) مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (.
ومن الأدلة كذلك قوله تعالى عن النمل:) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (النمل:18.
نملةٌ .. أضعف وأضأل مخلوقات الله .. تحرس قومها وبني جنسها .. من أضخم جيش على وجه الأرض .. جيش قهر جبابرة وملوك الأرض .. إنه جيش سليمان u!!
          نملةٌ .. لم يمنعها ضعفها وضآلة حجمها من أن تكون في الطليعة تحرس قومها في الخطوط الأمامية المتقدمة من الخطر .. خطر جيش وجند سليمان!!
          لم يخفها سليمان وجنده .. لم يخفها جيش سليمان العرمرم الذي لم يُقهَر من قوة على وجه الأرض!
          نملةٌ .. لم تفكر ـ على طريقة الأنانيين الانتهازيين ـ بنفسها .. كيف تنجو بنفسها من الخطر .. وليكن بعد ذلك لقومها وأهلها ما يكون .. لا .. هي لم تفعل شيئاً من ذلك  .. كما يفعل ذلك كثير من بني البشر الأنانيين!
          بل جعلت نفسها وروحها دون قومها .. وكأنها تقول لا نجوت إن لم ينجو قومي .. لا عشت إن لم يعش بني قومي .. وأي حياة أعيشها وبني قومي وأهلي قد تحطمت بيوتهم .. وهم صرعى كالذر تحت أقدام جنود سليمان .. لا نجوت إن لم ينجو بني قومي وجنسي من النمل! 
          ثم هاهي ما إن ترى طلائع جيش سليمان قد ظهرت .. واقتربت من المنازل .. لم تنتظر أن تأتي قومها لتخبرهم خبر الجند والجيش .. فالوقت ليس لصالحها .. وجيش سليمان أسرع إليهم منها .. فما كان منها إلا أن صرخت بملء فيها: يا أيها النمل .. النجاة النجاة .. ادخلوا حصونكم ومساكنكم .. فإن لم تفعلوا .. يحطمنك سليمان وجنوده وهم لا يشعرون!!
          تأمل حرف المد ومجيء الهمزة بعده في ) يَا أَيُّهَا ( مما يوحي بنداء .. ومدٍّ في النداء .. وبكل ما أوتيت من قوة) يا …… أَيُّهَا النَّمْلُ ( .. لكي يسمعها قومها قبل أن يستشرفهم خطر
جيش سليمان!
          نملةٌ لا قيمة ولا وزن لها في ميزان القوى .. لا تخشى أكبر قوة على وجه الأرض!!
نملةٌ لا قيمة ولا وزن لها في ميزان القوى .. تفعل كل هذه الأفاعيل .. تفعل مالا يفعله كثير من الناس الانتهازيين الأنانيين في عصرنا!!
          كم من إنسان يفر من مواجهة العدو .. ولا يُبالي بما يُصيب أهله وإخوانه وقومه من بعده .. فهو في السلم والحرب لا يعرف إلا نفسه .. ولا يعرف مصلحة إلا مصلحة نفسه؟!
          كم من حارس تُؤتى جماعته من جهته بسبب إهماله وتقصيره .. كم من حصنٍ أو مدينة تنتهك حرماتها من قبل العدو بسبب إهمال وتقصير وأنانية الحرّاس؟!
هذه النملة ـ على ضعفها وضآلة حجمها ـ تعطي درساً كبيراً لأولئك الذين يؤثرون الراحة والدعة، والفراش الوثير .. لا يهمهم من أمر العامة شيء إلا أنفسهم وذواتهم!
هذه النملة ـ على ضعفها وضآلة حجمها ـ خير من أولئك الذين يقولون: الحمد لله أنها جاءت على أخي وجاري .. ولم تجئ علي .. وقد نجوت منها وإن هلك الآخرون .. أبيت شَبعاناً .. وهذا المهم .. وإن بات جاري وأطفاله وهم يتضورون جوعاً .. النملة لا تعرف شيئاً من هذه الأخلاق!
أقل ما يمكن أن يُقال في هذه النملة: أنها نملة شجاعة .. لا تعرف الخوف .. ولا الخوف يعرف إليها سبيلاً .. فقيهة لموارد الخطر .. لا تعرف الأنانية .. ولا الخمول أو الكسل .. أمينة على الثغور .. تؤثر مصلحة الجماعة على مصلحة نفسها .. حريصة على بني قومها .. وتغار عليهم وعلى حرماتهم .. ووفية في موالاتها لهم .. تسمع .. وتتكلم .. كل هذه المعاني والأوصاف قد دلت عليها الآية الكريمة الآنفة الذكر .. أي أن هذه النملة ليست عبارة عن نملة أو حشرة ضئيلة وحسب .. كما يظن البعض .. بل هي ـ رغم ضعفها وضآلت جسمها ـ مجموعة من الصفات والعواطف النبيلة .. قد يخلو منها كثير من بني البشر في زماننا!
أما نبي الله سليمان u قد سمع قولها ومناداتها لقومها .. وتحذيرها لهم من سليمان وجنده، فأنزل الله تعالى في ذلك آيات، فقال تعالى:) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (النمل:19.
وكذلك قوله تعالى عن الهدهد صاحب المهمات الصعبة؛ وهو طير من الطيور .. وما دار بينه وبين نبي الله سليمان:) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ . لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ . أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (النمل:20-28. 
قال ابن عطية في التفسير:” قوله ) أَلَّا يَسْجُدُوا ( إلى قوله ) الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (، ظاهر أنه من قول الهدهد،، وهو قول ابن زيد، وابن إسحق “ا- هـ.
قلت: لنعيد قراءة الآيات أكثر من مرة، ونُمعِن التأمل بها .. سنجد أنفسنا أننا أمام طائرٍ صادق .. أمين .. فقيه .. عالم من علماء التوحيد .. مبغض للشرك وأهله .. مستقبح لسوء صنيعهم .. عَلِم مالم يعلمه نبي الله سليمان u وجنده .. دقيق في وصفه للأشياء .. شجاع جريء لم يخف من وعيد سليمان له .. قام بمهمة المراسلة ـ على أكمل وجه ـ بين نبي كريم وملكة من ملوك الأرض .. في مهمة عسكرية دعوية انتهت بزوال ملك بلقيس .. ودخولها وقومها في دين الله مسلمين.
وكذلك قوله تعالى عن النحل .. هذا المخلوق رغم ضآلة جسمه إلا أنه عظيم في عمله ومَهمته .. عظيم في عطائه .. عظيم في نشاطه وهِمته .. عظيم في تنظيمه وتعاونه .. عظيم في إيثاره .. عظيم في فهمه وتمييزه بين الأشياء .. وهو إضافة إلى ذلك كله يسبح بحمد ربه .. شأنه في ذلك شأن سائر المخلوقات.
قال تعالى:) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (النحل:68-69.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إني لأعرفُ حجراً بمكة كان يُسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن ” مسلم.
نعم حجر أصم قد لا تُلقي له بالاً .. فيه جميع المعاني والمشاعر والصفات التي حملته ـ بإذن الله ـ على أن يعرِف للنبي صلى الله عليه وسلم مكانته قبل أن يُبعث .. ويُسلم عليه .. سلام الصديق المحب .. وكأنه يقول له سيكون لك شأناً عظيماً فاستعد له .. وهو مع ذلك من جملة المخلوقات التي تُسبح بحمد ربها U.
وعن علي بن أبي طالب t، قال: كنتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها؛ فما استقبله جبلٌ ولا شجرٌ إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله “[ رواه الترمذي والدارمي ].
يا سبحان الله الجبال والأشجار تُصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وتثبته، وكأنها تقول له: لا عليك .. أنت رسول الله صدقاً وعدلاً وإن كذبك قومك .. إمضي في سبيل دعوتك .. فالكون كله يصدقك .. حتى الجبال والأشجار .. فهي معك .. وتصدقك!
وقال ابن عمر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فأقبل أعرابي، فلما دنا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:” تشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؟”، قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال:” هذه السَّلَمَةَ ” ـ وهي شجرة من شجر البادية ـ، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً، فشهدت ثلاثاً أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها[[4]].
نعم إنها شجرة يُسمِع الله تسبيحها وتهليلها وتصديقها لرسول الله بأنه رسول الله .. وأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. فهي إذاً ليست مجرد أوراق وأغصانٍ وثمارٍ .. مجردة عن الصفاة والمعاني التي تجعلها في مصاف الموحدين العابدين لله U.
بل إن للشجر والحجر والدواب ـ في مرحلة من مراحل صراع الحق مع الباطل ـ دور مباشر في القتال في مصاف المسلمين الموحدين بقيادة المسيح u ضد الدجال ومن معه من اليهود يومئذٍ، كما في الحديث:” لا تقوم الساعةُ حتى يُقاتل المسلمون اليهود؛ فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ” مسلم. 
وفي رواية عند الحاكم وغيره:” قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيفٍ محلى وساجٍ، فإذا نظر إليه الدجالُ ذابَ كما يذوب الملحُ في الماء. وينطلقُ هارِباً، فيدركه عند باب لُدٍّ الشرقيِّ، فيقتلُه، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيءٌ مما خلقَ الله عز وجل يتواقى به يهوديٌّ، إلا أنطقَ اللهُ ذلك الشيء؛ لا حجر ٌولا شجرٌ ولا حائطٌ ولا دابةٌ، إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله ..”![ صحيح الجامع: 7875 ].
هذا التفاعل للشجر والحجر والدواب وغيرها من العوالم في نصرة الحق ضد الباطل .. يوحي بأن هذه العوالم ليست مجرد جمادات وأجسام مجردة عن المعاني والصفات والمشاعر ـ كما يظن البعض ـ التي تجعلها ترقى لأن تكون جزءاً من كل، خُلق لعبادة الله تعالى، والتسبيح بحمده، والسير على منهاجه وحُكمه.  
وعن جابرٍ، قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صُنِع له المنبر فاستوى عليه، صاحت النخلة حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمَّها إليه، فجعلت تئنُّ أنين الصبي الذي يُسكَّتُ حتى استقرَّت، قال:” بكت على ما كانت تسمع من الذكر ” البخاري.
يا سبحان الله .. نخلة تبكي من خشية الله .. وتئنُّ حنيناً لذكر الله أنين الصبي الذي يُسكَّت .. إذاً هي عبارة عن مجموعة من المشاعر، والعواطف، والأحاسيس ـ إضافة إلى خصالها المادية المعروفة ـ تحملها على الحزن، والأنين، والبكاء .. والتأمل والخشوع .. والتفاعل بمحيطها الذي تعيش فيه .. علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل.
وفي رواية عن البخاري كذلك، عن جابر بن عبد الله قال:” كان المسجد مسقوفاً على جذوعٍ من نخلٍ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقومُ على جذعٍ منها، فلما صُنعَ له المنبرُ وكان عليه، فسمعنا لذلك الجذعِ صوتاً كصوتِ العِشَارِ ـ وهي الناقة الحامل التي مضى على حملها عشرة أشهر ـ حتى جاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فوضعَ يده عليها فسكنت “.
وعن أنس بن مالك: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يخطبُ إلى جذعِ نخلة، فلما اتخذَ المنبرَ تحوَّلَ إلمنبر، فحنَّ الجذعُ حتى أتاهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فاحتضنه، فسكن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لو لم أحتضنهُ لحنَّ إلى يومِ القيامة “[[5]].
نعم الجذع وإن كان جماداً فإنه يحن ويشتاق، ويبكي، ويحزن .. ويشعر ويحس .. ويتألم .. ويحب ويكره؛ لأنه جزء من كل يوحد الله تعالى، ويُسبح بحمده. 
وعن عبد الله بن جعفر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جملٌ فلما رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حنَّ وذرفَت عيناه، فأتاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فمسحَ ذفْراهُ فسكتَ، فقال:” من ربُّ هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟! ” فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسولَ الله، فقال:” أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكَك الله إياها؛ فإنه شكى إليَّ أنك تُجيعه وتُدئبُه “[ صحيح سنن أبي داود:2222 ]. وقوله ” وتُدئبه “؛ أي وتتعبه، وتكلفه من الأعمال فوق طاقته! 
يا سبحان الله .. جمل يحن .. ويبكي بين يدي رسول الله .. ويشتكي إليه لينصفه من صاحبه .. إنه ليس مجرد دابة أو بهيمة وحسب .. كما يظن البعض .. وإنما هو كائن ومخلوق له صفات وخصائص أخرى غير تلك الصفات التي تصنفه كدابة أو بهيمة .. ترقى به إلى مقام العبودية لله U .. ولأن يكون جزءاً من كلٍّ يسبح بحمد الخالق عز وجل.
ما أكثر الأدلة الدالة على هذه الحقيقة المطلقة لو أردنا الاستقصاء والإحصاء، ولكن حسبنا ما تقدم من أدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. الدالة على أن هذا الكون كله بما فيه ومن فيه من الكائنات والمخلوقات ـ على اختلاف أنواعها ومسمياتها وصورها ـ  تسير في فلك الخضوع والطاعة والعبادة لله تعالى وحده .. وأن الله تعالى أودع فيها من الخصائص والصفات والمعاني ما يؤهلها لأن ترقى إلى مستوى العبودية والخضوع والطاعة لله U
ما أجمله وأعظمه من شعور عندما يعيش المرء في هذه الحياة وهو يفهم الوجود من حوله .. والغاية من وجود هذا الوجود، وبالصورة الآنفة الذكر.
ما أجمله وأعظمه من شعور عندما يشعر المرء أنه جزء من كل يسبح بحمد ربه، ويسير مع الجميع في فلك العبودية لله تعالى وحده.
هذه الوحدة الشعورية التي تجمع وتؤاخي بين جميع عناصر ومكونات ومخلوقات هذا الكون .. والتي تحمل المؤمن على أن يُصادق ويؤاخي كل ما يراه أو يُصادفه من الكائنات والمخلوقات في حياته .. ولما لا وهو يلتقي مع هذه الكائنات والمخلوقات في أعز شيء في هذا الوجود .. يلتقي معها في الإيمان .. والعبادة .. والتوحيد .. وفي الغاية التي خلقت لأجلها الحياة.
هذه الوحدة الشعورية في الإيمان والتصور .. تُذهب الغربة ووحشتها عند المؤمن .. فهو وإن عاداه ثلة من المشركين الكافرين المعاندين الذين أبوا إلا أن يشذوا عن النسق والمدار العام لهذا الكون .. وأن يخالفوا الإجماع الكوني .. إلا أنه  يجد ـ أينما كان وحلَّ وأقام ـ مقابل ذلك مئات بل وآلاف الأصدقاء من المخلوقات والكائنات الأخرى التي تُحيط به .. يستأنس بها .. وتستأنس به، والتي كلها تقول له، لا تحزن: نحن إخوانك في الله .. نحن أصدقاؤك .. نحن معك .. نحن نحبك في الله .. أنت الأصل؛ لأنك وفِّقت وهُديت لما عليه إجماع الكون وما فيه ومن فيه .. يجمعنا بك مالا يجتمع بسبب رابطة الرحم أو أي رابطة أخرى من روابط الأرض والتراب .. يجمعنا بك الإيمان بالله تعالى .. تجمعنا بك محبة الله تعالى .. تجمعنا عبادة الله وتوحيده، والاجتماع على طاعته وذكره وتسبيحه!
هذا الشعور البديع الفريد .. وهذه النتيجة الجميلة لهذا الشعور والتصور .. يلزمنا الحديث عن نتيجة أخرى، وحقيقة أخرى، طالما جادل ومارى فيها شياطين الإنس والجن؛ ألا وهي أن هذا الكون وما فيه ومن فيه بما أنه من خلْقِ الله تعالى وملكه، وأن الله تعالى هو خالقه ومالكه المتصرف فيه وفق مشيئته وأمره بلا معارض ولا ند مكافئ ولا مثيل، لا يُشاركه أحد في ربوبيته على هذا الكون الفسيح البديع .. وأن هذا الكون وما فيه ومن فيه مفطور على عبادة الخالق عز وجل وتوحيده وتسبيحه .. والكل يسير في فلك العبودية لله U .. هذه النتيجة التي تقدم الحديث عنها .. تلزمنا بتقرير حقيقة أخرى ـ دل عليها النقل والعقل ـ ألا وهي: أن هذا الكون وما فيه ومن فيه لا بد من أن يسير ويعيش وفق حكم الله الكوني والشرعي .. فلا يحكم إلا بحكمه .. ولا يسير في هذه الحياة إلا وفق أمره وحكمه وشرعه؛ لا شرع وحكم غيره؛ من لا يملك ولا يخلق شيئاً .. ولا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله.
كيف يليق بعقل الإنسان أن يُسلِّم ـ ولا بد له أن يُسلِّم ـ بأن الله تعالى هو خالقنا ومالكنا ورازقنا .. وخالق ومالك هذا الكون وما فيه ومن فيه .. ثم في المقابل الذي يمضي في هذا الكون .. في هذه المملكة الواسعة الشاسعة التي تتسع لجميع المخلوقات .. حكم وشرع غيره، من لا يخلق ولا يملك شيئاً من هذا الكون؟!
الخالق المالك هو الذي يُشرع لما يخلق ويملك أما من لا يخلق ولا يملك لا يجوز له أن يُشرع أو يحكم ويأمر فيما لا يخلق ولا يملك، كما قال تعالى:) أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الأعراف:54. فالذي له الخلق هو الذي له الأمر والحكم .. أما من ليس له الخلق فلا أمر ولا حكم له.
وقال تعالى:) أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (الأعراف:191. وهذا سؤال تقريعي استنكاري؛ أي كيف يليق بكم أن تتخذوا مع الله شركاء في العبادة والطاعة والتشريع وهم لا يقدرون على أن يخلقوا شيئاً، بل ) وَهُمْ يُخْلَقُونَ (؟!!
وقال تعالى:) أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (النحل: 17. فإن كانا لا يستويان في الربوبية مثلاً فكيف يستويان في الألوهية .. أليست لكم العقول التي تجعلكم تميزون بين من يخلق وبين من لا يخلق مع وضوح الفارق الكبير بينهما؟!
وقال تعالى:) قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (يونس:34. وقوله ) فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (؛ أي كيف تُصرفون عن عبادة وطاعة الله تعالى وحده مع قيام الدليل القاطع على حقه عليكم؛ وهو أنه تعالى هو الذي ) يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (، وتُصرفون إلى عبادة وطاعة من ليس له حق عليكم، رغم قيام الدليل القاطع على عجزه وبطلان إلاهيته المزعومة، بدليل أنه لا يقدر على أن ) مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (.
 وقال تعالى:) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ ( أي بعد هذا الإقرار والتسليم بأن الله هو رب السماوات والأرض والذي يُسلِّم به الجميع ) قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء ( تعبدونهم وتطيعونهم وتتبعونهم فيما يشرعون لكم من دون الله .. وهو في حقيقتهم ) لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الرعد:16.
وكذلك قوله تعالى:) قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (يونس:31. أي ) أَفَلاَ تَتَّقُونَ ( فتقلعون عن الشرك .. وتدخلون في توحيد الله تعالى وعبادته وطاعته؟!    
وقال تعالى:) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ . أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (النمل:60-64. أي أإله معبود مطاع مع الله يفعل لكم شيئاً من ذلك .. فإن كان الجواب لا .. ولا بد من أن يكون لا .. يأتي دائماً السؤال التقريعي الكبير .. إذا كانوا هؤلاء الذين اتخذتموهم شركاء مع الله لا يستطيعون أن يفعلوا لكم شيئاً من ذلك .. وهم أعجز من أن يخلقوا جناح بعوضة .. فكيف تتخذونهم آلهة وأرباباً مع الله تعالى ـ أو من دونه ـ تقدمون لهم فروض العبودية، والطاعة، والمتابعة، والتحاكم؟!
خلاصة القول: من أقر بالربوبية لا بد له من أن يقر بالألوهية، ومن أقر بأن الله تعالى هو الخالق المالك الرازق لهذا الكون وما فيه ومن فيه، لا بد من أن يقر ويسلم بأن الله تعالى هو المعبود المألوه المطاع، وهو الحكَم، وحكمه وأمره وشرعه وحده هو الذي يجب أن ينفذ في خلقه ومملكته وعباده .. لا حكم وشرع غيره.
أما من أبى ـ ممن آثر عبادة هواه والشيطان من الكافرين والمشركين ـ فأقر بالربوبية وكفر بالألوهية، أو كفر بهما معاً .. فهذا قد خالف المنقول والمعقول .. وعارض الفطرة السليمة التي فطر الله العباد عليها .. وشذ عن الإجماع الكوني .. واتجاه حركة الكون .. ليعلن الخروج والحرب عليه .. وليعيث في الأرض فساداً وخراباً .. وليسير في الاتجاه المعاكس والمضاد لحركة الكون، وللإجماع الكوني!
فهذا الصنف من الناس الذي آثر الجحود والإلحاد .. وأن يعيث في الأرض فساداً .. وأن يخرج عن الإجماع الكوني .. ليدخل في عبادة الطاغوت .. لأجله شرع الله الجهاد والقتال .. وأمر عباده المؤمنين الموحدين أن يُقاتلوا ويُجاهدوا هذا الصنف ـ الشاذ عن الإجماع ـ  من الناس .. حتى لا تكون فتنة في الأرض وفساد عريض، فيهلك من عليها جميعاً، كما قال تعالى:) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (البقرة:193.
وقال تعالى:)  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الأنفال:39.
وفي الحديث:” فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا وأُنجوا جميعاً ” البخاري.
ليس المهم هنا القتال .. مجرد القتال .. لا .. إنما المهم أن ينتهوا .. ويدخلوا في الإجماع الكوني الذي يسير في فلك العبودية والطاعة لله تعالى .. فإن انتهوا .. ودخلوا في السلم والإجماع .. ) فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي “
16/1/1427 هـ/ 15/2/2006م.

 


[1]  هذا الاهتمام البالغ من الدواب والحيوانات والطيور، والجمادات بمعلمي الناس الخير، هو لسببين: أولهما لأن تعليم الناس الخير مؤداه إلى أن يتعرف الناس على حقيقة العوالم والأشياء المحيطة بهم .. وعلى حقوقهم .. وكيفية التعامل والتعايش معهم.
ثانياً: لأن تعليم الناس الخير ينعكس على جميع هذه العوالم المختلفة والمتعددة بالخير؛ لأن بتعليم الناس الخير تقل ذنوبهم ومعاصيهم، وتكثر طاعتهم لله عز وجل، وهذا يُجلب للأرض كلها ولكل من فيها الخير والرزق والسعادة، كما قال تعالى:) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (هود:52.  وقال تعالى عن نبيه نوح:) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (نوح:10-11. فكما أن الفسوق والفجور والظلم يُجلب للأرض ومن فيها الدمار والخراب، والهلاك كذلك الطاعات والاستقامة على منهج الله فهي تجلب للأرض ومن فيها الخير، والرزق، والأمن، والسلامة.
وقبل هذا وذاك؛ لأن الله تعالى أمرهم بالدعاء والاستغفار لمعلمي الناس الخير من قبيل شكرهم، وشكر معروفهم، ورد جميلهم بما هو أجمل!
[2]  في إحدى سجون الطواغيت التي قُدر لي أن أدخلها؛ كان بجوار فراشي بيت للنمل .. فكنت أفتُّ لها الخبز وأنعِّمه ليسهل عليها حمله وإدخاله إلى سراديبها وبيتها .. وكنت أرعاها أشد الرعاية .. ويعلم الله كم كنت ـ في وحشة السجن رغم ظلم جلاديه ـ مستأنساً بتلك النملات  .. كنت أشعر أن شيئاً هاماً وكبيراً وعظيماً يربطني بهذه النملات التي تروح وتعود أمامي .. أكثر بكثير مما يربطني بهؤلاء الطواغيت وجلاديهم .. كنت أشعر بكل يقين أنهن ـ على الفارق الكبير بيني وبينهن ـ يُشاركنني توحيد الخالق عز وجل .. يُشاركنني التسبيح والتحميد والتكبير .. يُشاركنني عبادة الله .. ولعلهن يخصصنني بالدعاء وأنا لا أعلم .. فهم إذاً يلتقون معي في أسمى شيء في هذا الوجود ألا وهو الإيمان، والتوحيد، وعبادة الخالق عز وجل .. إضافة إلى الاهتمام المتبادل والمشترك فيما بيننا .. بخلاف الطواغيت المجرمين وأزلامهم .. وكم كان يزعجني ويُربكني صوت السجان المزعج عندما كان يأمر فجأة بغسل المهاجع والزنازين؛ والذي يعني موت وقتل عددٍ كبير من هذه النملات!!
[3]  لا شيء يُسخط، ويُحزن هذه العوالم من الحيوانات والدواب والجمادات والنباتات، كاستخدامها واستثمارها من قبل الإنسان في معصية الله .. ولا شيء يُرضيها ويفرحها كاستخدامها واستثمارها من قبل الإنسان في طاعة الله .. فاحرص يا عبد الله على أن تستثمر وتستخدم ما حولك من العوالم مما سخره الله لك في طاعة الله تعالى لا في معصيته.
[4]  رواه الدارمي، وقال عنه الشيخ ناصر في المشكاة “5925 “: إسناده صحيح.
[5]  أخرجه أحمد في المسند، وقال عنه الشيخ شاكر في التخريج ” 2400 “: إسناده صحيح.
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.