موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

منهجي في تقييم الردود التي تستدعي مني الردَّ مع مناقشة لبعض دلالات قصة مقتل كعب بن الأشرف

0 293

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ أبو بصير حفظه الله …
من خلال تجوالي في الشبكة العنكبوتية أقع على مؤلفات ترد على بعض كتبك ومؤلفاتك .. فأجد أن منها ما لا تستحق الرد .. وأن منها ما تستحقه .. إلا أن السؤال هو ..  لماذا لا ترد على النوع الأخير منها، ولو لمرة واحدة على الأقل؟

فهناك حقيقة ردود تستحق صرف بعض الاهتمام لتجليتها وتبيان الحق فيها، وخاصة إذا كانت تتعلق بمسائل الكفر والإيمان وأصل الدين .. مثل رد صاحب المعرف ” الطائر الحر ” في منتديات الفردوس على كتاب ” حالات يجوز فيها إظهار الكفر” والذي أراه أنه يستحق تفريغ بعض الوقت لكشف ما أثير فيه من الشبهات .. وخاصة شبهة ما ذكرته في المؤلف من كلام يفيد تكفيرك بمآل ولازم القول وليس بنفس القول .. حيث كان يجب اعتبار ما بدر من الصحابة أنه من باب استخدام المعاريض فقط وليس من باب التلفظ بصريح الكفر .. وأن استئذانهم للرسول بذلك هو من باب قمة الاحترام والتأدب، من قبل أفضل البشر بعد الأنبياء، تجاه خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم  وأن هذا الاستئذان ليس بدليل على الوقوع فيه  صلى الله عليه وسلم صراحة أو النيل منه.
فمثلا ذكرت ـ حفظك الله ـ في الكتاب:” منها: قول محمد بن مسلمة: سألنا الصدقة ونحن لا نجد ما نأكل .. وهذا مفاده رمي النبي  صلى الله عليه وسلم بالظلم والجور، وأنه يسأل الناس دفع الصدقات وهم لا يجدون ما يأكلون .. وهذا لا شك أنه كفر ..”. وهذا الكلام لا ريب أنه تكفير بمآل القول وليس بنفس القول .. حيث يمكن القول ـ من باب حسن الظن بالصحابي ـ بأن الصحابي ابن مسلمة قال كلاما حقيقيا .. واقعياً .. للتعريض به فقط.
 يقول ابن حزم رحمه الله:” وأما من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به ” ومعلوم ما هو مقرر عند العلماء أن لازم المذهب ليس بمذهب.
وهناك أمور كثيرة قد أشكلت علي فعلا في هذا المؤلف ـ بالذات ـ بعد قراءتي الرد عليه .. وخاصة اعتمادك الثقيل في نقل كلام الصحابة المكفر كفراً بواحاً ـ والذي لا يحتمل التأويل ـ على نقولات مجهولة الإسناد والتخريج ـ على غير العادة ـ .. ونعلم من خلال تطواف سريع في مؤلفاتك جلها أنك تعتمد الأحاديث الغير ضعيفة في جميع المواضيع، فما بالك في مؤلفات تخوض في مسائل الكفر والإيمان؟
فمثلا، مما نقلته من الكلام الصريح الكفر: وفي مرسل عكرمة: “وأذَنْ لنا أن نصيب منك فيطمئن لنا”.
 وفي رواية الواقدي: سألَنا الصدقة، ونحن لا نجد ما نأكل .. قال كعب لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتخلي عنه، قال: سررتني.
قال الشيباني في السير:” وإظهار النيل منك “. وهكذا .. من دون إسناد ولا تخريج .. لأخبار وآثار اعتمدت عليها في تجويزك لإظهار الكفر ..! مع العلم أنه يمكن القول في الأخبار الصحيحة التي نقلتها بتعريض الصحابة فقط من دون إظهار الكفر.
الشيخ الفاضل .. نفس ذريعة أن الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ لم يرد على كتاب ” الانتصار ” بعد مرور شهرين من إرساله له عن طريق سكجها، وبالتالي ترجيح صواب ما ذكرته في ذاك الكتاب القيم ـ وهو ما أحسبه أنه حق لا شك فيه ـ .. كذلك قد يتذرع صاحب هذا الرد بعدم التفاتك لرده وإعطائه أهمية .. على أرجحية صواب ما ذهب إليه من القول، أليس كذلك؟ وللعلم .. أني لا أعرف الشخص صاحب الرد المسمى بـ ” الطائر الحر ” إلا أن اتباع الحق جعلني أقف على كلامه.
وللعلم أيضا .. أني أسجل هنا تحفظي على بعض العبارات التي ذكرها هذا الشخص في رده، مثل عبارة ” جرأة الشيخ أبي بصير على دين الله، وخوضه في أمور عظيمة لم يجرؤ عليها أحد من قبل ” وغيرها من العبارات الغير لائقة.
فأرجو أن توضح لي موقفك من مثل هذه الردود .. جعلك الله ممن يرفلون بثوب الصحة والعافية .. وجزاك الله عنا أحسن الجزاء .. وعذراً على الإطالة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لويس عطية الله.
الجواب:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد.
ردي على تعقيبك وسؤالك وما ورد في مشاركتك من وجهين: وجه يتعلق بطريقة تعاملي مع الردود والمردود عليهم، والمنهج الذي أتبعه في ذلك. ووجه يتعلق فيما أشكل عليكم وعلى غيركم من استدلالنا بقصة كعب بن الأشرف على الحالة المستدل عليها والواردة في مقالنا ” حالات يجوز فيها إظهار الكفر “.
فيما يتعلق بالوجه الأول، أقول: تعلم أن لأخيك ـ للمنهج السني الوسطي الذي هدانا الله إليه؛ القائم على المتابعة، والاجتهاد والجهاد من غير جنوح إلى إفراط أو تفريط ـ أعداء؛ منهم من هم من خارج الملة وما أكثرهم، ومنهم من هم من أهل الملة ينتسبون إلى الإسلام؛ ومن هؤلاء الخوارج الغلاة ومن نحا نحوهم من أهل الغلو والأهواء أو استظل بظلهم أو اقترب منهم بفهم أو اعتقاد أو خلق، والطرف الآخر المقابل لهذا الفريق من أهل التجهم والإرجاء والتفريط ومن دخل في خانتهم من المثقفين والدعاة الذين رضوا لأنفسهم أن يكونوا بوقاً مع المجادلين عن الطواغيت الظالمين وعن أنظمتهم الفاسدة الظالمة الكافرة.
وهؤلاء ـ من كان منهم خارج الملة أو كان ممن ينتسب إليها من أهل الأهواء ـ لا يتورعون في أن يخوضوا فينا في الباطل .. وأن يحرفوا كلماتنا عن مقاصدها .. وأن يقولونا ما لم نقل .. بل ويحولوا حسناتنا إلى سيئات إن استطاعوا .. وأن يفجروا ويكذبوا في الخصام .. مستغلين جهل بعض العامة من الناس .. وقصور بعضهم عن التحري ومعرفة الحق .. عسى أن يُثيروهم علينا وعلى منهجنا الذي لم نحد عنه ـ بفضل الله تعالى وحده ـ قيد أنملة منذ أن عرفنا الحياة .. ولعلك من خلال تطوافك في الشاشة العنكبوتية ـ كما ذكرت عن نفسك ـ قد أدركت الشيء الكثير من هذا!
فهؤلاء كثرت ردودهم .. وطعوناتهم .. المليئة .. بالكذب ..والجهل .. والحقد .. وقلة الفهم .. والظلم وعدم الإنصاف .. وهم متفاوتون في سوء النية والمقصد .. فأنى لمثلي أن يملك الوقت على مطاردتهم .. وملاحقتهم فيما يقولون ويكتبون .. وينشرون!!
ثم ما تعتبره أنت رداً وجيهاً يستحق الرد والاهتمام، غيرك قد يعتبره رداً ساقطاً لا يستحق الانشغال به .. ولو انشغلنا به لعاتبنا وتوجه إلينا باللوم .. فمن نرضي ولمن نستجيب؟!
من جهتي إليك ـ ولغيرك ـ طريقتي في تقييم الرد الذي يستحق مني الرد والانشغال به وبصاحبه .. وبخاصة أن كثيراً من الإخوان من يسألني أن أرد على فلان .. ولماذا لم أرد .. أو تأخرت في الرد على فلان .. وعلى مقال .. وكتاب فلان؟!
ولهؤلاء جميعاً أبين منهجي في تقييم ردود ومقالات المخالفين التي تستحق مني أن أنشغل في الرد عليها، وهو يتمثل في النقاط التالية:
1- أن يتسم رد المخالف بالحد المقبول من الصدق والواقعية؛ إذ كثير من الكتاب الذين يستشرفون الرد علينا ـ لغرض وهوى في نفوسهم ـ يفترضون مشكلة موجودة في عقولهم وخيالاتهم فقط .. ويقولوننا إياها ظلماً وزوراً .. ثم يسودون عشرات الصفحات للرد على هذا الموجود في خيالهم فقط .. وما أسهل القطع واللصق في عهد الكمبيوتر و” المَوس ” ليضخم رده بكل غث؛ كحاطب ليل!
ثم بعد ذلك تراه ينادي بأعلى صوته في المنتديات .. انظروا ضخامة ردي .. فليرده الشيخ علي إن استطاع!
2- أن يكون الراد ممن يبتغون الحق .. ويطرح مسائله وأفكاره استرشاداً وطلباً للحق .. وليس لمجرد الشغب .. والرياء .. والفتنة .. وحب الظهور والشهرة .. وصرف وجوه الناس إليه .. وما أكثر الذين يطرحون مسائلهم ويدخلون غمار الجدل من أجل هذه الوجوه .. والتي كلها في النار!
3- أن يتحلى رد المخالف بالحد الأدنى من الموضوعية، والمصداقية في البحث وعرض المسائل والفقرات المردود عليها؛ إذ كثير هم الذين تراهم يعمدون إلى أضعف عبارة أو جملة أو كلمة متشابهة في الفقرة .. ليسلط قلمه العظيم عليها .. وعلى طريقة ) لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ ( النساء: 43. بعيداً عن العبارات أو الفقرات التي قبلها أو بعدها .. التي توضحها .. وتبين المراد منها .. ولو ذُكرت وبُينت .. لبطل على الساحر سحره، وعلى الراد رده، وعُلِم كذبه وتكلفه .. والقارئ الفطن غالباً ما يتنبه لهذا المكر والتدليس!
والباحث المنصف الجاد القوي الذي يحترم نفسه .. والواثق من فكرته .. عندما يستشرف الرد على مخالفيه عليه أن يترفع عن هذا الأسلوب الوضيع الضعيف .. والمكشوف!
4- انتفاء وجود الرد أو الجواب من كتبنا وأبحاثنا ومقالاتنا على من تعقبنا فيما تعقبنا فيه .. أما إذ تضمنت كتبي وأبحاثي الرد على من تعقبنا فيما تعقبنا فيه .. فعلام أنشغل بالرد عليه ثانية وثالثة .. وعاشراً .. وأنا قد رددت عليه وعلى رده وتعقيبه .. منذ سنوات .. وفي أكثر من موضع .. يُعرف ذلك بقليل من البحث في كتبي وعملي .. ثم ما ذنبي إذا كان الناس لا يقرؤون ولا يبحثون!
كم يحزنني أن أكتب مقالاً .. ثم بعد خمس سنوات أو أكثر من تاريخ كتابة المقال .. يتفاعل معه الناس .. لأنهم لم يطلعوا عليه إلا بعد تلك السنوات الطوال!
أكثر الردود التي تعقبنا فيها المخالفون لها علاقة بمسائل العذر بالجهل أو مسائل العهد والأمان، أو مسائل الكفر والإيمان .. أو مسائل الجهاد والخروج على أنظمة الكفر والردة .. والعمليات الانتحارية .. وهذه رددنا عليها في كتبنا وأبحاثنا على وجه التفصيل الممل .. كما في كتابنا الاستحلال، وكتابنا العذر بالجهل وقيام الحجة، وكتاب قواعد في التكفير، وكتاب الطريق إلى استئناف حياة إسلامية .. وبحثَي محاذير العمليات الانتحارية، والرد على شبهات واستدلالات المخالفين .. وغيرها كثير من الكتب والأبحاث ذات العلاقة بهذه المواضيع .. إضافة إلى الحوارات المفتوحة العديدة التي أعلنا عنها في المنتديات الحوارية وفي غرفتنا في البالتوك .. أبعد كل هذا الرد والردود أطالَب بأن أنشغل وأرد على كل طائر يغرد في السماء أو الأرض .. وباسمه المستعار الذي يغيره ويبدله في كل منتدى وواد؟!
5- أن يكون المردود عليه علَماً معلوماً ومعروفاً باسمه ـ حتى لو كان اسمه مستعاراً إذا كان اسمه المستعار يدل عليه ويُعرف به أكثر من اسمه الصريح ـ لأن الرد على مجاهيل أو أشباح .. يقلل من قيمة البحث أو الرد .. ويجعلك في موقف وكأنك ترد على نفسك بنفسك!
قد تنشغل أياماً وربما شهراً أو أكثر في الرد على مجهول .. فيأتي من يقول لك ـ ومعهم جانب من الحق في ذلك ـ أنت ترد على مجهول لا نعرفه .. وهو لا يعني لنا شيئاً .. وحوارك له لا يُلزمنا بشيء .. وربما أنت الذي افترضته من عند نفسك .. لتكون أنت الخصم والحكم في آنٍ واحد .. فهلاَّ رددت على الشيخ فلان أو العلَم فلان المعلوم باسمه وعمله وأوصافه ..؟!
6- أن يشكل رد المخالف فتنة محققة لعدد من القراء والناس .. أما إن قدَّرت أن هذا الرد ساقط .. وضعيف .. وأصاغر الناس يعلمون بطلانه وضعفه .. وتلبيسه .. فحينئذٍ ليس من الحكمة .. والاحترام لوقتك أن تنشغل بهكذا رد أو راد!
7- أن لا يزيد ردي شهرة ودعاية لباطل المردود عليه .. من دون أن تقابلها حسنة أو مصلحة راجحة .. حتى لا نكون عوناً على نشر الباطل .. وعلى تعريف الناس بالباطل .. ونحن لا ندري.
كثير من الكتاب الوضيعين المغمورين المجهولين التافهين .. ترى أحدهم يعمد إلى أحس وأغلى ما يعز على الناس في دينهم ودنياهم .. ليتناوله بطريقة مثيرة ومريبة .. ليشد نظر الناس إليه .. وليكثر زوار موقعه الإلكتروني .. وليكون محطة لأنظار المراقبين والإعلاميين والنقاد .. فيقفز ـ بسبب ذلك ـ قفزة واسعة في عالم الشهرة والمشهورين ـ وبسرعة قياسية ـ  لا يُمكن أن يحققها بجهده واجتهاده النافع إلا في عالم الأحلام والخيالات! 
من هؤلاء الذين يتطاولون على جناب سيد الخلق ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ وعلى الشرائع التي جاء بها من عند ربه  عز وجل بالطعن والغمز والانتقاص .. ليلفتوا نظر الناس إليهم .. ويكونون حديث الساعة .. وحتى ينشغل الدعاة والكتاب المسلمون بهم وبالرد عليهم وعلى كفرهم .. فتتحقق لهم الشهرة .. وهذا هو مرادهم ومبتغاهم .. وكم كان يُحزنني مساعدة بعض الدعاة والعقلاء لهم على هذا المراد ـ من خلال الرد عليهم ـ وهم لا يدرون!
8- أن يتصف رد المخالف بالحد الأدنى المقبول من حيث الطابع العلمي الفكري .. البحثي .. بعيداً عن الطابع الشخصي .. أو مجرد التجريح الشخصي .. إذ كثير من الردود التي تتناول شخصي بالطعن والتجريح .. اجتهد ما استطعت .. أن أصبر وأحتسب وأن أترفع عن الرد عليها حتى لا يختلط الانتصار للنفس في الانتصار لدين الله تعالى ولحرماته .. والمسلم لو انتصر لنفسه في الحق من غير إسراف لا يُلام .. لكن العزيمة والأولى والأحسن أن يصبر ويحتسب .. فعند الله الملتقى .. وعند الله لا يضيع حق .. ولا يُضام مظلوم.
9- بعد كل ذلك أن لا يكون الرد على الرد أقل قيمة مما بين يديك من أعمال ومهام هامة .. قد يكون الرد يستحق الرد .. لكن قد يكون ذلك على حساب أعمال ومهام أوكد وأهم وأعظم من الانشغال بالرد على الرد .. والوقت لا يسمح لمجموعها .. فحينئذٍ النقل والعقل يُلزمانك بأن تصرف همتك للأهم والأعظم والأكثر إلحاحاً .. ومن تلبيس إبليس عليك حينئذٍ أن تقدم الأدنى على الأعلى .. وما أكثر من يفعل ذلك ثم هو يحسب أنه ممن يُحسنون صنعاً!
أصارحك والإخوان القول: إن بين يدي كثيراً من الأعمال والأبحاث الهامة والملحة تنتظر وقتها ودورها .. وأحياناً يستجد عليها جديد هام ليزاحم القديم ويؤخره .. أسأل الله تعالى أن يمكني من إنجازها قبل أن أموت .. في كل يوم أعيد ترتيب الأولويات بالنسبة لعملي وما ينبغي أن أقوم به، فكلما أخرت عملاً وقدمت آخر قلت لنفسي قد تموتي قبل أن تنجزي هذا الذي أخرته .. فأعيد الترتيب من جديد .. وكأني لن أعيش أكثر من يومي الذي أنا فيه .. فصاحبكم يكتب كتابة مودع .. فأقيلوا عثرته ـ مشكورين ـ وسلوا الله له السلامة .. نسأل الله تعالى القبول والثبات وحسن الختام لنا ولكم.
هذه جملة المقاييس أو المعايير التي على أساسها أقيِّم ردود المخالفين، وعلى أساسها أستحسن الانشغال بالرد على المخالفين فيما قد خالفونا فيه أو لا ..!
أما الوجه الثاني: وهو ما يتعلق فيما أشكل عليك وعلى غيرك من استدلالنا بقصة مقتل كعب بن الأشرف على الحالة المستدل عليها والواردة في مقالنا ” حالات يجوز فيها إظهار الكفر ” وما ورد في رسالتك من اعتراضات، قد يكررها ويقول بها غيرك.
أقول: المسألة المستدل عليها بقصة كعب وغيرها أصلها هكذا: أن يخير المرء بين أمرين لا بد له من أن يختار إحداهما: كفر مجرد أو كفر مغلظ ومركب .. لا يندفع إلا بارتكاب الكفر المجرد .. فماذا يقول ـ في هذه المسألة ـ النقل والعقل، وبما يلزمان به ..؟
وضربنا مثالاً على ذلك: طاغية كفره وشره وظلمه مغلظ ومركب .. كفر يتبعه طعن وهجاء وحرب على الإسلام والمسلمين .. هذا الكفر المغلظ والمركب استحالة إمكانية إيقافه ورده إلا من خلال ارتكاب كفر مجرد؛ ومثله أن ينغمس مسلم في صف ذلك الطاغية وُيظهر للطاغوت نوع ولاء وثناء ومدح باللسان، وأنه معه في محاربة الإسلام والمسلمين .. إلى أن يتمكن منه، ويُريح البلاد والعباد منه.
هكذا طُرحت المسألة وهكذا تُطرح، وكان ينبغي عليك ـ كسائل ومستفسر ـ أن تنقل هذه الصورة في رسالتك التي على أساسها وبقيودها المبينة في المقال الأساس أجزنا فيها ارتكاب الكفر المجرد.
فإن قيل: لا؛ لا نختار ارتكاب الكفر المجرد الذي هو بمثابة التصريح ببعض الكلمات .. وإن بقي الكفر المغلظ المركب بشره وظلمه وطعنه وحربه على الإسلام والمسلمين!
أقول: هذا معناه إقرار واختيار بقاء الكفر المغلظ المركب؛ وهو كل ما زاد عن الكفر المجرد .. مع وجود القدرة على إزالته .. وهذا كفر.
وإن قيل: لا نختار هذا ولا ذاك ..؟!
نقول: هذا جواب من لا عقل له؛ لأن الواقع يُلزمه بالاختيار، ولا مناص له إلا باختيار أحد الخيارين المطروحين!
فإن قيل: ندفع الضرر الأكبر المتمثل في الكفر الأكبر المغلظ المركب، بالضرر الأصغر المتمثل بالكفر الأصغر المجرد.
نقول: هذا هو الحق الذي تُلزم به الأدلة النقلية والعقلية .. ولا مناص سوى المآل إليه .. هذا الذي قلناه، ونقول به، ويقول به غيرنا من أهل العلم. 
من الأدلة النقلية التي ذكرنا، ونعيد ذكرها هنا: ما جرى على ألسنة بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من كلمات كفرية لضرورة استئصال كفر وطغيان وعدوان مغلظ ومركب، لا يُمكن استئصاله أو رده إلا من خلال هذا الطريق.
كما في قصة مقتل كعب ابن الأشرف، وأصلها في الصحيحين، وغيرهما من كتب السنن، وفي رواية البخاري في صحيحه:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” مَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسولَه “. فقام محمد ابن مسلمة فقال: يا رسول الله، أتحبُّ أن أقتله ؟ قال:” نعم “، قال: فأذنْ لي أن أقول شيئاً، قال:” قلْ .. وفي رواية: قد فعلت “، فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقةً، وإنه قد عنَّانا، وإني قد أتيتُك أستسلفُك، قال: وأيضاً والله لتملُّنه، قال: إنا قد اتبعناه فلا نحبُّ أن ندعَهُ، ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمره  .. وفي رواية: إنا قد اتبعناه ، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ” البخاري.
وفي رواية عند مسلم:” إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره  “.
قول الصحابي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :” هذا الرجل ـ من دون أن ينسب إليه النبوة ـ قد عنَّانا ـ الذي يفيد الشكاية والتذمر ـ إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره ” الذي يفيد الشك وعدم التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم .. هذه الكلمات لو قيلت في الحالات العادية ومن دون ضرورة كالضرورة التي انتدب إليها الصحابي الجليل رضي الله عنه لعد كفراً ومروقاً من الدين.
وفي قوله:” فأذنْ لي أن أقول شيئاً، قال:” قلْ ..”، قال ابن حجر في الفتح: كأن استأذنه أن يفتعل شيئاً يحتال به .. وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويُعيبوا رأيه ..ا- هـ.
هذا فهم واحد من علماء وأعلام الأمة للحديث .. ولا شك أن من يعيب رأي النبي صلى الله عليه وسلم في الحالات العادية من غير ضرورة كالضرورة التي انتدب إليها الصحابي الجليل رضي الله عنه يعد كفراً ومروقاً من الدين.
ونحوه قول الإمام محمد بن الحسن الشيباني في السير 1/189:” فأئذن لنا فلنقل، فإنه لا بد لنا منه “؛ أي نخدعه باستعمال المعاريض، وإظهار النيل منك ا- هـ. هذا فهم علَم من أعلام وعلماء الأمة لمعنى الاستئذان الذي استأذنه وطلبه الصحابي رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم .. ولا شك أن من يُظهر النيل من النبي صلى الله عليه وسلم في الحالات الطبيعية من غير ضرورة ملحة كالضرورة التي انتدب إليها الصحابي الجليل رضي الله عنه يعد كفراً ومروقاً من الدين.
فالمعول ـ كما ترى ـ على رواية الصحيحين .. وليس على مراسيل كما ذكرت في رسالتك .. وعلى فهم الكبار من علماء الأمة، وليس مجرد فهمي .. وما ذكرنا من أحاديث مرسلة في مقالنا الأساس والمشار إليه في أول هذا المقال .. ذكرنا أولاً بأنها مرسلة .. وذكرناها للاستئناس والتعضيد لموافقتها مع ما جاء من روايات في صحيحي البخاري ومسلم.
ومما يُستدل على ما ذهبنا إليه في المسألة الواردة أعلاه، كذلك قول نُعيم بن مسعود ـ بعدما أسلم ـ من قبيل التخذيل عن المسلمين ورد المشركين عن غزو المدينة يوم وقعة الأحزاب، امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخذل عنهم، إذ قال لمشركي وقادة قريش:” قد عرفتم ودي لكم، وفراقي محمداً، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقاً أن أبلغكموه نصحاً لكم فاكتموه عني ..
“ا- هـ[[1]].
والشاهد أن يقول المرء للمشركين المحاربين في الحالات الطبيعية العادية من غير ضرورة ملحة كالضرورة التي انتدب إليها الصحابي الجليل نُعيم بن مسعود ” قد عرفتم ودي لكم، وفراقي محمداً ” لعدَّ ذلك كفراً ومروقاً من الدين.
ثم أين المعاريض في هذا التعبير الصريح في دلالته على موالاة المشركين ومفارقة دين الإسلام ” قد عرفتم ودي لكم، وفراقي محمداً ..”؟!
ونحوه ما ذكرناه من قصة مقتل الطاغية خالد بن سفيان الهذلي، الذي كان يجمِّع الجموع لغزو المدينة .. فانتدب صلى الله عليه وسلم لقتله الصحابي الجليل ” عبد الله بن أُنيس ” .. ومما قاله عبد الله للطاغية الهذلي ابتداء لكي يتمكن منه:” رجل سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك في ذلك. قال الهذلي: أجل، أنا في ذلك ..” والحديث صحيح قد سبق تخريجه.
وفي رواية يذكرها الشيباني ـ على وجه الاستحسان والاستدلال ـ في كتابه السير:” جئت لأنصرك وأكثّرك وأكون معك “؛ فالرواية وإن ذكرها الشيباني من غير سند إلا أنها تفسر المعنى المراد من الرواية أعلاه:” رجل سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك في ذلك “. 
والشاهد من الحديث أن من يقول لطاغية محارب للنبي صلى الله عليه وسلم في الحالات الطبيعية ـ من غير ضرورة ملحة كالضرورة التي انتدب إليها الصحابي الجليل عبد الله بن أُنيس ـ جئت لأنصرك وأكثر سوادك، وأكون معك ضد النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين .. لا شك أن ذلك يُعد من الكفر والمروق من الدين.
ثم أين المعاريض في مثل هذا التعبير الصريح الآنف الذكر والثابت عن الصحابي ابن أنيس رضي الله عنه .. إلا إذا أردنا أن نتكلف التأويل وليَّ العبارات بما لا تحتمله قواعد وأساليب اللغة العربية في شيء!
ثم ماذا يُقال لمن أراد أن يقوم بمهمة كمهمة محمد بن مسلمة أو مهمة عبد الله بن أُنيس أو مهمة نُعيم بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين .. لكنه لا يُحسن أن يستخدم المعاريض .. ولا يملك الملكة اللغوية القوية التي تُمكنه من استخدام المعاريض في مثل هذه المواقف والظروف الحرجة .. ماذا يُقال له عند المخالفين ..؟!
ليس له عند المخالفين إلا واحد من قولين: أولهما بأن لا يفعل، وأن يدع الطغيان والكفر والإجرام المغلظ والمركب بأن يحكم ويسود ويستمر في العدوان .. ومن دون أن يُمس بسوء!
والثاني: فإن أبى إلا أن يفعل .. ومضى إلى سبيله في استئصال الطغيان المركب والمغلظ .. وتلفظ بالكفر من دون تعريض؛ لأنه لا يُحسن استخدام المعاريض ..  يكون عندهم قد كفرَ .. لأنه تلفظ بالكفر من غير عذر أو مبررٍ شرعي!!
وكلا القولين لا يُسلِّم بهما نقل ولا عقل!!
ومن الأدلة الدالة كذلك على جواز ما ذهبنا إليه الأدلة الدالة على القاعدة الشرعية التي تقول:” دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، إن تعذر دفعه إلا من خلال هذا الضرر الأصغر “. وأدلة القاعدة الشرعية الأخرى التي تقول:” الضرورات تبيح المحظورات “. ومن أدلة هذه القاعدة قوله تعالى:) فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (البقرة: 173. وقوله تعالى:) فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (الأنعام: 145. وقوله تعالى:) وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (الأنعام: 119.
قال الشوكاني في التفسير:) إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (؛ أي من جميع ما حرمه عليكم فإن الضرورة تحلل الحرام ا- هـ.
هذه هي أدلتنا التي حملتنا على القول بما قلنا .. وأشكل عليكم وعلى غيركم فهمه .. أرجو أن لا يأتيني غداً طائر آخر غير الطائر الحر .. يغرد في سرب ومنتدى حواري آخر ومختلف .. وتحت اسم مستعار آخر قد يسمي نفسه بالطائر الأسير أو الكسير .. فيثير نفس الشبهة .. بصيغة مختلفة .. ليطالبني بالرد والانشغال به ورده من جديد!
أصارحكم القول: إن هذا الفقه الذي أشرنا إليه لا يعرف قيمته وقدره إلا القابضين على الجمر المرابطين على الجبهات وفي الثغور .. الذين يحتاجون إلى كل جزئية من جزئيات الفقه الإسلامي .. وهذا ما قد يغفل عنه كثير ممن يهوون اللعب والتسلي في المجادلات والحوارات .. ويُثيرون الخصومات في المنتديات الحوارية المنتشرة عبر الإنترنت من خلف شاشات أجهزتهم الإلكترونية .. بعيداً عن لظى ساحات المواجهة والجهاد والقتال.
أما فيما أشرت إليه من أننا نكفر بلازم القول .. ولازم القول ليس بقول عند أهل العلم؟
أقول: ليس من منهجي التكفير بلازم القول .. وإنما التكفير بمعنى القول .. وصريح القول ومنطوقه  .. وما نقلته عني لا يدل على خلاف ذلك .. إذ كثير من المثقفين لا يُحسنون التمييز بين معنى القول ولازم القول؛ لدقة الفارق بينهما.
أضرب مثالاً لذلك عسى أن تتضح الصورة أكثر: قتل خالد بن الوليد رضي الله عنه لرجلٍ قال عن النبي صلى الله عليه وسلم:” هذا الرجل ” من دون أن ينسب إليه النبوة .. فعد خالد قوله هذا انتقاص من قدر وجناب المصطفى صلى الله عليه وسلم .. هذا معنى قوله!
لكن قد يأتي قائل جاهل فيقول: هذا قتل بلازم القول وليس بمعنى القول؛ لأن كلمة رجل لا تعني الكفر .. فعلام كفره خالد رضي الله عنه واستحل دمه؟!
كذلك قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه لرجل قال في مجلسه:” ما قتل كعب بن الأشرف إلا غدراً “؛ فأمر علي بضرب عنقه؛ لأن قوله معناه وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالغدر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بقتل الطاغية ابن الأشرف.
لكن قد يقول قائل: علي رضي الله عنه قتل ذلك الرجل بلازم قوله وليس بقوله؛ لأن قوله يلزم منه نسب الغدر لمن أمر بقتله .. فهو لم يصف النبي صلى الله عليه وسلم بالغدر وإنما قال قولاً يلزم منه وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالغدر .. فهو كُفِّر وقتل بلازم قوله وليس بقوله!
ونحن نقول: هذا فهمك .. فهو قُتل بمعنى قوله أو بمعناه ولازمه معاً وليس بلازمه مستقلاً؛ لأن قوله لا يُمكن أن يُحمل أو يُفسر إلا على المحمل الذي لأجله قتله علي رضي الله عنه .. وإن سميتموه أنتم لازم القول .. ولم تُحسنوا التمييز والتفريق بين معنى القول وما يؤول إليه وبين لازم القول الذي لا يلزم صاحبه!
وتحت عنوان وذريعة لازم القول ليس بقول .. ولازم المذهب ليس بمذهب .. نجد من أهل التجهم والإرجاء من يُمسك عن تكفير طواغيت وزنادقة الأرض .. الذين يخوضون في آيات الله تعالى بالطعن والسب، والاستهزاء .. والتعقيب والاعتراض .. فالقول عندهم: أن يقول المرء: أقول الكفر مستحلاً له في قلبي .. وما سوى ذلك فهو لازم القول .. ولازم القول ليس بقول، فوسَّعوا ضيقاً، وضيقوا واسعاً .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
بهذا أرد على ما ورد في رسالة الأخ الفاضل الكريم .. الواردة أعلى هذا المقال .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي ”
23/5/1428 هـ. 9/6/2007 م.

 


[1] قال ابن كثير في البداية والنهاية 4/114: هذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة، وقد أورده عنه البيهقي في الدلائل.
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.