موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

كيفَ نتَعامَلُ معَ أطفالِنَا في رَمَضَان

0 669

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وبعد.
          ما إن يطل شهر رمضان المبارك إلا وتبدأ معركة أئمة المساجد مع الأطفال وأمهاتهم .. تبدأ نداءات الأئمة ـ بين كل ركعتين من صلاة القيام ـ: أسكتوا أطفالكنّ .. لا تأتين مع أطفالكن .. صلين وأطفالكن في بيوتكن ذلكم خير لكن .. لا تُذهبوا خشوعنا ـ نحن الرجال ـ بأطفالكن .. وأصواتهم .. وشغبهم .. وهكذا يبدأ الزجر والنهي .. وتبدأ النداءات في كل يوم .. وفي كل صلاة تقريباً .. حتى بتنا ندرك مسبقاً عندما يمسك إمام المسجد مكبر الصوت .. عند الاستراحة بين كل ركعتين .. أن الحديث سيكون عن الأطفال وأمهاتهم .. وعن زجرهم .. وتوبيخهم!

          في الأمس وقف إمام المسجد ـ الذي بجوار منزلنا، وهو ينتمي إلى إحدى الدول العربية ـ خطيباً خلال استراحة من استراحات صلاة القيام .. ليعلن عن قانونه الجديد .. وعن تهديده لمن لا يلتزم بهذا القانون؛ القانون نصه: أنه يُمنع على أولياء الأمور وبخاصة الأمهات .. أن يُحضروا أطفالهم إلى المسجد الذين أعمارهم أقل من سبع سنوات .. والذي يُخالف هذا القانون .. سيواجه بالطرد من المسجد .. هو وأطفاله أو هي وأطفالها .. وقد أُعذر من أنذر!
          قلت: يا سبحان الله .. المسألة قد تعدت ساحة الوعظ والتوجيه .. وساحة المبالغة في الزجر والنهي .. لتبلغ مرحلة سن قوانين وضعية ما أنزل الله بها من سلطان .. فالظاهرة ـ عما يبدو ـ قد تضخمت وطمَّت وعمَّت .. وهي لأجل ذلك تستدعي من الدعاة والعلماء أن يعنوها اهتمامهم  وتوجيهاتهم .. عسى الله تعالى أن يهدي بهم الناس ـ وبخاصة منهم أئمة المساجد ـ إلى الحق والاعتدال في هذا المسألة التي باتت من المشاكل المتكررة التي يُعرَف بها شهر رمضان من بين الأشهر!
          فأقول: هذا الذي عليه أئمة المساجد .. من قسوة .. وزجر ونهي للنساء وأطفالهن من أن يأتوا إلى المساجد .. حرصاً على خشوع الرجال ـ كما يزعمون ـ خطأ .. بل وخطأ كبير .. وذلك من أوجه:
          منها: أنه مخالف للنص الشرعي .. ولسيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في تعامله مع النساء وأطفالهن .. عندما كانوا يأتون إلى المسجد .. ويصدر عنهم نوع حركة زائدة أو صخب أو ضجيج.  
          قال صلى الله عليه وسلم:” لا تمنعوا إماءَ الله مساجد الله ” مسلم.
          وقال صلى الله عليه وسلم:” لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل ” مسلم.
          وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنَّكم إليها “. فقال بلال بن عبد الله بن عمر: والله لنمنعهنَّ! فأقبل عليه عبد الله بن عمر: فسبَّه سبَّاً سيئاً، وقال: أخبركَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: إنَّا لنمنعهنَّ؟![[1]] مسلم.
الشاهد من الحديث أن تصرُّفَ أئمة المساجد الآنف الذكر فيه منع للنساء من أن يأتين المساجد، وهذا مخالف للنص أعلاه، وبيان ذلك: أنهم عندما يلزمون النساء أن يأتين من دون أطفالهن .. فهذا يعني ـ بطريقة غير مباشرة ـ طردهنَّ ومنعهن من أن يأتين إلى المساجد؛ لأن المرأة لا يمكن أن تترك طفلها بمفرده في البيت ـ مع غياب من ينوب عنها في رعايته ـ  وهي عندما توضع بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تأتي بمفردها  أو أن تبقى في بيتها مع طفلها .. ستختار مرغمة مكرهة بقاءها في البيت .. وهذا وجه من أوجه المنع والطرد!
وقال صلى الله عليه وسلم:” إنِّي لأدخلُ في الصلاة وأنا أريدُ إطالتها، فأسمعُ بكاءَ الصبيّ، فأتجوَّزُ في صلاتي؛ مما أعلمُ من شِدَّة وجْدِ أمِّه من بكائِه ” البخاري.
الشاهد من الحديث أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأمَّ بأن تخرج بصبيها من المسجد حتى لا يتأذى والمصلون من صوت وبكاء طفلها .. أو لا تعد ثانية إلى المسجد ومعها طفلها .. لم يحصل شيء من ذلك ـ كما يفعل أئمة مساجد هذا الزمان! ـ بل كان صلى الله عليه وسلم مراعاة لمشاعر وعواطف الأم نحو وليدها الذي يبكي .. يتجوَّز ويختصر من صلاته وقراءته!
وعن بريدة، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطُبُ فجاءَ الحسن والحُسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يَعثُران فيهما ـ وفي رواية عند أبي داود: يعثران ويقومان ـ فنزلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقطَعَ كلامَهُ، فحملَهُما، ثمَّ عادَ إلى المنبر، ثم قال:” صدق الله ) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (؛ رأيتُ هذينِ يَعثُرانِ في قميصَيْهِما فلم أصبرْ حتَّى قطعتُ كلامي فحمَلتُهُما “[[2]].
هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع الحسن والحسين رضي الله عنهما: لم يطردهما ـ حاشاه ـ ولم يأمر بطردهما .. بل أوقف خطبته وكلامه .. ثم نزل عن المنبر .. ثم أخذهما فحملهما .. وصعد بهما إلى المنبر .. ثم استأنف كلامه من جديد .. رحمة ورأفة بهما .. فماذا ترون الناس فاعلين ـ في هذا الزمان ـ لو رأوا خطيباً قد أوقف خطبته وفعل فعلة النبي صلى الله عليه وسلم .. لربما رموه بالجنون والمروق .. ولطردوه وأبناءه من المسجد .. هذا إذا خرج من بينهم سالماً!
وعن أُمِّ خالدٍ بنتِ خالد بن يعيد، قالت: أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مع أبي، وعليَّ قميصٌ أصفَرُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” سنَهْ سَنَهْ ” ـ أي حسنةٌ حَسَنةٌ ـ قالت: فذهبتُ ألعَبُ بخاتَمِ النبوَّةِ فزَبَرَني أبي ـ أي زجرني ونهاني ـ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” دَعْها ” البخاري. دعها .. لا لكي تركض .. أو تلهو أو تلعب في زاوية من زوايا المسجد .. بل ” دعها ” تلعب بأعظم وأشرف موضع .. دعها تلعب بخاتم النبوة .. ما دام ذلك يُسرها ويُفرحها .. فداه نفسي ما أعظمه من نبي!
هذا هو نبيكم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يا أئمة التراويح .. فأين أنتم منه ومن صبره وأخلاقه؟!
وعن شدَّاد بن الهاد الليثي، قال: خرجَ علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتَي العِشاء، وهو حاملٌ حسناً أو حسيناً، فتقدَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فوضعَهُ، ثم كبَّرَ للصلاة، فصلَّى، فسجدَ بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها، قال أبي: فرفعتُ رأسي، وإذا الصبيُّ على ظهرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجدٌ، فرجعتُ إلى سُجودي، فلما قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قال الناسُ: يا رسولَ الله! إنَّكَ سجدتَ بين ظهراني صلاتِكَ سجدةً أطلتَها! حتى ظننَّا أنه قد حدَث أمرٌ ـ يريدون أنهم ظنوا قد قُبض لشدة ما أطال في سجوده صلى الله عليه وسلم ـ أو أنه يوحى إليك، قال:” كلُّ ذلك لم يَكُن؛ ولكنَّ ابني ارتَحَلَني، فكرِهتُ أن أُعَجِّلَهُ حتَّى يَقضِيَ حاجَتَهُ “[[3]].
تصوروا لو فعل إمام ـ في زماننا ـ مع طفله .. أو طفل من أطفال المسلمين .. ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع الحسن أو الحسين .. وأطال في سجوده إطالة سجود النبي صلى الله عليه وسلم من أجل طفله حتى يقضي حاجته ويكتفي من لعبه وهو على كتفه أو ظهره .. كيف ستكون ردة فعل الناس؟!
وعن أنس بن مالك، قال:” كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يمرُّ بالغُلمانِ فيُسلِّمُ عليهم، ويدعو لهم بالبركة “[[4]].
وعنه قال:” كان ـ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أرحمَ النَّاس بالعيالِ والصِّبيانِ “[[5]]. وغيرها كثير جداً من النصوص التي تدل على سعة رفق ورحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال .. نرجو من أئمة المساجد .. وصلاة التراويح .. أن يقتدوا ـ ما استطاعوا ـ بالنبي صلى الله عليه وسلم .. في تعاملهم مع الأطفال وأمهاتهم .. وأن يُمسكوا عن الإساءة لهم .. باسم الإسلام .. واسم الفقه الذي يحملونه .. وما هو بفقه وإنما هو الجهل.
ومنها: أن هذا الذي ذكرناه عن أئمة مساجد هذا الزمان يتنافى مع عشرات النصوص الشرعية التي تدعو وتأمر بالرفق والرحمة، والتبشير، وتنهى عن العنف والشدة والتنفير.
ومنها: أن تنفير أو طرد النساء وأطفالهن من المساجد ـ بذريعة الحفاظ على هدوء المساجد ـ يعني إرسال النساء إلى الخيار والبديل السيئ؛ يعني إرسالهن إلى مشاهدة عشرات المسلسلات الساقطة والهابطة .. التي تنتظرهن على شاشة التلفاز!
فقه صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد .. يُقال للمرأة التي تُحسن استغلال الوقت .. وتحسن الاستفادة من وقتها في بيتها .. أما إذا كانت ـ كما هو حال أكثر النساء في هذا الزمان ـ لا تُحسن الاستفادة من وقتها في بيتها .. والبديل بالنسبة لها سيكون حتماً شاشة التلفاز .. أو القيل والقال والخوض في أعراض الناس .. فحينئذٍ ليس من الفقه أن تُلزم البقاء في البيت .. بل ينبغي تشجيعها على المجيء إلى المسجد .. عسى أن تجدد إيمانها .. وتتطهر من ذنوبها وخطاياها .. ولو لم يتحقق من مجيئها إلى المسجد سوى إبعادها عن تأثيرات المسلسلات الشيطانية الهابطة تلك لكان في ذلك خيراً كثيراً!
كثير منا يشكو انحراف النساء .. وبعدهن عن التدين وعن تعاليم الإسلام .. وتأثرهن بالساقطين والساقطات؟!
أقول: هناك أسباب عدة لهذه الظاهرة .. منها: معاملة أئمة المساجد وصلاة التراويح القاسية العنيفة والمنفرة للنساء ـ وكأن دين الله تعالى للرجال من دون النساء ـ فهؤلاء الشيوخ والأئمة وبعض الدعاة جزء من المشكلة وسبب فيها .. والملامة عليهم وعلى أمثالهم قبل أن تُحمل على النساء! 
ومنها: أن الأطفال هم الجيل الآتي .. هم الورثة .. هم قادة وأمل المستقبل .. وبالتالي كيف نرجو وننتظر منهم أن يكونوا على قد المسؤولية .. وعلى مستوى الإسلام والمهام الضخمة التي تنتظرهم .. ونحن ننفرهم ونطردهم من المساجد!
كيف نربي شاباً قلبه معلق بالمساجد .. ونحن نطرده من المساجد .. ونعامله هذه المعاملة القاسية العنيفة المنفرة .. منذ طفولته .. ونعومة أظافره[[6]]؟!
الجاهلية المعاصرة .. تفتتح مئات المؤسسات والنوادي والملاهي والملاعب .. خاصة بالأطفال والناشئة .. من أجل أن تجذبهم إلى أحضانها .. وكفرها .. وإلحادها .. وتفسخها .. وفجورها .. وفسوقها!
تسمح لهم أن يصخبوا .. ويلعبوا .. وأن يفعلوا كل شيء يحلو لهم .. وأن يعبروا عن أنفسهم بالطريقة التي يشاؤون .. من أجل كسبهم واستمالتهم إليها .. ومن ثم تربيتهم وتنشئتهم على موائدها وفق التصورات والمناهج الباطلة التي يريدها لهم الأحبار والرهبان والسَّاسة المنحرفون .. ونحن في المقابل نطردهم من المساجد التي لا نملك سواها!
نشكو ظاهرة انحراف الأجيال .. والشباب .. عن جادة الحق والرشد والصواب .. ونحن سبب فيها وجزء منها .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!

عبد المنعم مصطفى حليمة

” أبو بصير الطرطوسي “

8/9/1428 هـ. 20/9/2007 م.
 
 
 

 


 

 


[1] من العادات السيئة السائدة عند كثير من  المسلمين في بلاد الغرب، أن الرجال لا يمانعوا أن تسير نساءهم وبناتهم في كل اتجاه .. وسوق .. وشارع .. وأن يُزاحمن الرجال في أماكن عملهم .. فإذا أردن أن يتوجهن تجاه المسجد ليتعبدن ويتفقهن .. تحركت غيرة الرجال .. وأعملوا فقههم الأعوج .. ومنعوا النساء من أن يأتين إلى المسجد!
[2] صحيح سنن النسائي: 1340.  
[3] صحيح سنن النسائي: 1093.
[4] رواه ابن عساكر، السلسلة الصحيحة: 1278.
[5] أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي r، السلسلة الصحيحة: 2089.
[6]  لشدة غلظة وعنف كثير من رجال وشيوخ العجم ـ وبخاصة منهم الباكستانيين ـ على الأطفال ـ في بلاد الغرب ـ تكاد مساجدهم تخلو من وجود الأطفال .. هذه الأعمار ما بين السابعة والسادسة عشرة لا يُمكن أن تراها في مساجدهم إلا نادراً .. بسبب حرصهم على هدوء وقدسية المساجد .. زعموا .. وعندما ينحرف أبناؤهم في الكبر؛ فيقارعوا الخمر والميسر والزنى .. ويصبحوا من تجار المخدرات .. وكبار المجرمين والفاسقين .. يأتي الآباء ليولولوا ويستنجدوا بالشيوخ والدعاة .. ويسألوهم المساعدة على هداية ونصح أبنائهم .. وأنَّى!!
    كلامي هذا الآنف الذكر لا يعني أن نتجاهل تأديب الأبناء برفق .. وتعليمهم الآداب التي ينبغي مراعاتها في الصلاة والمساجد .. فهذا واجب .. لكن هذا شيء .. والتعامل معهم بغلظة وشدة وعنف .. وتنفيرهم وطردهم من المساجد .. بحجة الحفاظ على هدوئها .. شيء آخر!
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.