موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

حِوارُ الأديانِ كيفَ نقرأهُ وكيفَ نُفَسِّرُه

1 941

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          منذ زمن ليس بالبعيد يتبنى النظام السعودي مؤتمرات ” حوار الأديان ” ابتداء بمؤتمر مكة المكرمة .. ومروراً بمؤتمر مدريد .. وانتهاءً بالمؤتمر الأخير الذي انعقد في الجمعية العامة للأمم المتحدة .. والذي ضم كبار ومسؤولي دول العالم .. ولا أظنه آخر المؤتمرات التي ستُعقَد حول ” حوار الأديان ” .. إذ أن القوم عازمون على الاستمرار فيما قد بدأوا به .. وتفعيل ما قد توصلوا إليه .. ولا ندري إلى أين سينتهون!

          وقد اختلفت قراءة الناس لهذا الحدث ما بين مادح وطاعن .. والمادحون هم الأكثر والأعلى صوتاً وظهوراً .. فالتبس على الناس كثير من معاني ومعالم الحق مما يجب أن يُعرَف .. وأن يستبين .. مما حدا بي للكتابة حول هذا الموضوع؛ موضوع ” حوار الأديان ” .. كيف نقرأه .. وكيف ينبغي أن نفهمه ونفسره .. وما هي غاياته ومراميه .. وما هي آثاره على حياة وواقع الناس .. وما هو الموقف الشرعي منه .. راجياً من الله تعالى السداد والتوفيق.
          ألَخِّص قراءتي للموضوع، في النقاط التالية:
          أولاً: الأنظمة العربية .. والنظام السعودي منهم .. منذ عقودٍ وهي في حرب معلنة مع الإسلام والمسلمين .. يرفضون الإسلام كدين ودولة وسياسة وحكم .. كما يرفضون الحوار مع شعوبهم .. والإصغاء إليهم .. ويجرِّمون الحوار والمتحاورين .. ومن يُطالبهم بالحوار فغياهب السجون مصيره .. وسجونهم المليئة بالدعاة إلى الله تعالى تحكي هذه الحقيقة الصارخة .. ومن كان كذلك لا يصح له أن يتكلم باسم الإسلام أو ينوب عن المسلمين .. فضلاً عن أن يُحاور الآخرين باسم الإسلام والمسلمين .. ففاقد الشيء لا يُعطيه .. ولو كانوا صادقين في الحوار .. وأنهم يؤمنون بالحوار .. أو يحترمون الحوار .. لتحاوروا أولاً مع شعوبهم .. وتصالحوا معهم!
          ثانياً: من المقومات الأساسية لإجراء أي حوار .. ونجاح أي حوار .. أن يتصف جميع أطراف الحوار بالحرية الكاملة التي تمكنهم من طرح ما يريدون .. وقول ما يريدون .. وهذا ما تفقده الأنظمة العربية ويفقده حكامها .. والأطراف المحاورة التي تمثلها .. والتي تشعر بالتبعية والعمالة لأمريكا وغيرها من دول الاستكبار والظلم العالميين!
          فكيف للعبد المملوك الذي يكون قراره لغيره .. وبيد غيره .. وليرضي غيره .. والذي يخاف على نفسه أن يُعاقَب لو خالف ما رُسِم له من قبل سيده .. أن يُحاور حراً .. أو يُحاور سيدَه؟!
          ثالثاً: إن كثيراً من أطراف الحوار .. وبخاصة منها الأطراف التي شهدت المؤتمر الدولي الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة .. ملطخة أياديهم بدماء عشرات ـ بل مئات ـ الآلاف من الأبرياء .. من الشيوخ والنساء والأطفال الرضَّع .. وآلتهم العسكرية الضخمة لم تتوقف عن قتل الأنفس البريئة المعصومة .. حتى في ساعة انعقاد مؤتمرهم الدولي عن حوار الأديان .. كانوا يُمارسون القتل .. والهدم لبيوت الآمنين من المسلمين المستضعفين .. وكانوا يُمارسون حصار شعب بكامله كما في مدينة غزَّة البطلة الصامدة .. ومن كان كذلك كيف يحلو له أن يُفاوض ويُحاور باسم الأديان؟!
          كيف للقتلة المجرمين الذين يُمارسون القتل والإجرام على مدار الساعة وعلى أوسع نطاق، ويُمارسون أسوأ أنواع الإرهاب بحق مئات الآلاف من الأبرياء .. وهم ما إن تهدأ لهم حرب .. إلا ويخططون لحربٍ أخرى .. تلبية لنداء الأحقاد والأطماع في نفوسهم .. كيف لهؤلاء أن يتكلموا عن الحوار بين الأديان .. وعن السلام .. وهم في كل يومٍ يذبحون بأيديهم السلام ألف مرة ومرة؟!
          يذبحون أمة الإسلام والسلام من الوريد إلى الوريد .. ومن أقصاها إلى أقصاها .. ثم يتكلمون عن الحوار .. وعن السلام .. ولو كان عند القوم ذرة من حياء .. لما تجرأوا على الحديث عن حوار الأديان .. ولا عن السلام .. ولكن غاب منهم الحياء .. وصدق فيهم الحديث النبوي:” إذا لم تستحِ فاصنَع ما شئت “! 
          رابعاً: يريد النظام السعودي .. ومن سار في فلكه وعلى طريقته من الأنظمة العربية .. من وراء هذه المؤتمرات الداعية للحوار والتقارب بين الأديان .. أن يسجلوا لأنفسهم موقفاً في المجتمع الدولي ـ خوفاً على كراسيهم وعروشهم ـ يفيد أنهم ضد الإرهاب .. وأنهم برآء من الإرهاب المنبعث من بعض أفراد شعوبهم .. ومجتمعاتهم ـ والذي هو أثر من آثار حكمهم وظلمهم ـ فسلكوا من أجل ذلك مسلكاً صعباً .. حملهم على التضحية بثوابت الدين الإسلامي والبراء منها .. فجرّموا وأثموا الحقَّ، وحسَّنوا الباطل .. عن طريق ما يُسمّى بحوار الأديان .. وهو في حقيقته حوار البراء من الأديان!
          خامساً: الحوار من لوازمه وجود شيء يُختلَف عليه فيتم حوله الحوار؛ ليُعرَف فيه جانب الحق من الباطل .. ومؤتمرات حوار الأديان ـ كما هو معلَن عنها ويُراد لها ـ لا توجد قضية للنقاش والحوار .. وهي قائمة على المداهنة والكذب والمجاملة والنفاق .. والتنازل من الطرف الذي يمثل زوراً الحديث عن الإسلام .. وعلى مبدأ ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (القلم:9. وأنَّى لحوارات تقوم على هذا الأساس أن تُثمر .. أو تؤتي أكلها المرجوة .. وقد صدَق من وصف هذه الحوارات بأنها حوار الطرشان .. وليس حوار الأديان!
          الله تعالى أمرنا بأن نحاور أهل الكتاب .. وأن نتوجه في حوارنا معهم إلى المشكلة الأساس والأعظم بيننا وبينهم .. وأن نخاطبهم الخطاب التالي:) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران:64. فهل حصل شيء من ذلك .. في أي مؤتمرٍ أُعلِنَ حول حوار الأديان .. علماً أن الجميع يتخذون بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله .. ويشرعون الشرائع التي تعبِّد العبيد للعبيد ..؟!
لم يحصل شيء من ذلك .. بل دعا الملك الجاهل القومَ إلى الاجتماع على الأخلاق والمثل العليا المتفق عليها بين الجميع .. وترك المختلف عليه إلى يوم القيامة .. ليفصل الرب سبحانه وتعالى فيما اختلفنا فيه!
          إذا كنا سنترك ما اختلفنا فيه إلى يوم القيامة .. فلماذا الحوار إذاً .. ولماذا تُعقد هذه المؤتمرات والمحافل .. ويُنفَق عليها الملايين من الدولارات؟!
          هذا ما سيُعرَفُ الجواب عنه في النقطة التالية:
          سادساً: الهدف الأكبر من وراء هذه المؤتمرات والحوارات .. تغييب وإلغاء ثقافة وعقيدة الجهاد في سبيل الله، وعقيدة الولاء والبراء عند المسلمين .. وهذا مطلب هام .. ومكسب كبير جداً لو تحقق للعدو .. فهم أشد ما ينقمون من الإسلام والمسلمين .. عقيدة التوحيد .. وعقيدة الجهاد في سبيل الله .. وعقيدة الولاء والبراء .. وأيما حوارٍ يؤدي إلى تعطيل أو إلغاء هذه العقائد والأسس .. فهم لا يترددون من إجرائه .. والسعي إليه .. وأن يُضحوا في سبيله بالغالي والنفيس .. للمكاسب الضخمة التي تتحقق لهم عندما تُغيب هذه العقائد عن شعور وحياة المسلمين .. والتي من دونها تنسلخ الأمة من دينها .. وتفقد مناعتها وقوتها ومقومات وجودها .. ويكون مثلها مثل بيت مليء بالذهب والجواهر الثمينة .. أبوابه مشرعة ومن دون أقفال .. في وسط من اللصوص والمجرمين وقطاع الطرق!
وجاهل الجزيرة العربية ” عبد الله بن عبد العزيز ” أراد للأمة ـ من وراء دعواته المشبوهة إلى حوار الأديان ـ أن تكون ذلك البيت المليء بالجواهر الثمينة .. لكن من دون حصانة ولا مناعة
.. ولا حراسة .. وأبوابه مشرَعة من غير أقفال للطامعين .. واللصوص .. من الغزاة المستعمرين!
حوار يحقق هذه النتيجة .. لا شك أن جميع أمم الكفر التي تتربص بأمة الإسلام الكيد والشر .. سترحب به .. وتروّج له .. وتسعى إليه .. كما حصل في المؤتمر الدولي الأخير الذي دعا إليه جاهل الجزيرة .. الذي إذا تكلم عشر كلمات .. أخطأ في تسعٍ منها!
العدو يرحب بهكذا حوار .. عندما يُشَرعن باطلهم وعدوانهم وسطوهم على الحقوق والحرمات .. ويجعل باطلهم وعدوانهم حقاً مشروعاً .. من جملة المسلمات التي لا تقبل النقاش أو الاعتراض!
سابعاً: نقول لجاهل الجزيرة ولمن يطبل لمبادراته التحاورية .. ها أنتم ألغيتم وغيبتم القتال في سبيل الله وباسم الله .. فهل الأطراف الأخرى غيبت وألغت أو أوقفت القتال في سبيل الطاغوت .. وباسم الطاغوت!
الناس تموت بالآلاف ـ في ساحات القتال ـ في سبيل الطاغوت .. ولمآرب وأطماع الطاغوت .. فما آذاكم ذلك .. بل ترحبون به وتحسنونه .. وتُكافئون عليه .. بينما القتال في سبيل الله .. هو الذي يريعكم .. ويشينكم .. ويؤذيكم .. وتُجرّمون أصحابه .. لذا تريدون أن تتخلصوا منه!
الطاغوت يستحق أن يُقتَل ويُقاتَل في سبيله .. بينما الله تعالى لا تجوز طاعته .. ولا القتال في سبيله .. فهو لا يستحق ذلك كما يستحقه الطاغوت .. كما يزعمون!
صدق الله العظيم:) الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ (النساء:76. وقال تعالى:) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ ( أي إذا ذُكر القتال في سبيل الله وحده ) اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ( ونفروا واستنكروا واستهجنوا ) وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (؛ أي ذكر الطاغوت، والقتال في سبيل الطاغوت ) إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (الزمر:45. ويفرحون!
أراد جاهل الجزيرة العربية ـ من وراء دعواته إلى حوار الأديان ـ إلغاء وتعطيل الجهاد في سبيل الله .. لتبقى الأمة في ثُباتها وتخديرها وغفلتها عن القيام بواجباتها .. ولتبقى كتلك القصعة التي تتكالب عليها الأكلة من كل حدب وصوب .. بينما أمم الكفر مجتمعة هي في قتال مستمر لأمة الإسلام .. آلتهم العسكرية لم تتوقف ساعة عن سفك الدم الحرام .. وعن العدوان .. والإجرام!
هلاَّ طالبهم جاهل الجزيرة .. بأن يوقفوا عدوانهم وإجرامهم .. وقتلهم لأبناء المسلمين المستمر .. قبل أن يُطالب الأمة بأن تلغي .. وتُغيّب .. وتعطّل العمل بعقيدة الجهاد في سبيل الله .. الذي به يتحقق للأمة النصر والعزة .. والتمكين .. والمكانة العالية بين الأمم!
ثامناً: من النواميس الثابتة التي فطر الله الأرض ومن عليها .. ناموس وقانون وجود الخير والشر .. وجود الحق والباطل .. ولكل منهما فريقه وأهله وأتباعه ودعاته .. الذي لا يرضى عن أتباع الفريق الآخر .. كما قال تعالى عن الشيطان وجنده وأتباعه:) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (الأعراف:16. وقال تعالى:) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (الحجر:39-40. وقال تعالى:) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (محمد:3. وهما ـ أي فريقا الحق والباطل ـ من أجل سلامة الأرض ومن عليها في تدافع وصراع أزلي ودائم .. وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. لا يستطيع الملك الجاهل .. ولا غيره من الطغاة أن يُعطلوه أو يلغوه ـ إلا إذا استطاعوا أن يلغوا أحد الفريقين من الوجود وأنَّى! ـ وإلا لفسدت الأرض .. وغرقت السفينة .. وهلك الجميع، كما قال تعالى:) وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج:40. وقال تعالى:) وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة:251. وقال تعالى:) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (الأنبياء:18. وقال تعالى:) وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (الإسراء:81. وقال تعالى:) كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ (الرعد:17. وقال تعالى:) وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (البقرة:120. وقال تعالى:) وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ (البقرة:217. وغيرها كثير من الآيات القرآنية الدالة على هذا المعنى.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا ـ أي اقترعوا ـ على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم فقالوا: لو أنا خَرَقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ” البخاري.
لذا نقول: فإن الحوار يُشرَع لثني الشرّ عن شره وعدوانه .. ولإنصاف الحق من الباطل .. والمظلوم من الظالم .. فإن تعثَّر ذلك عن طريق الحوار والكلمة .. فإن الخيارات الأخرى بما فيها خيار استخدام القوة الرادعة .. موجودة .. وهي مشروعة بالنقل والعقل .. لا يُبطلها إلا جاهل متخاذل .. أو حاقد متحامل على الحق وأهله.
قال الملك الجاهل في مقابلة صحفية سابقة ـ تناولتها بعض وسائل الإعلام ـ وتحت عنوان:” ولي العهد السعودي: نعمل لإرساء الديمقراطية الحقيقية، ونأمل في تحقيقها خلال أقل من 20 عاماً: ينبغي علينا محاربة الإرهاب بالإرهاب ..”ا- هـ. وهذا يعني أن الرجل يؤمن بالإرهاب .. ويمارس جانباً من جوانب ومعاني الإرهاب .. ويحارب الإرهاب بالإرهاب!
وفي كلمته الأخيرة القصيرة ـ التي لا تتعدى بضعة أسطر ـ والتي ألقاها في جمعية الأمم المتحدة أمام العالم أجمع، حول حوار الأديان، قال:” إن الإرهاب والإجرام عدوا الله وكل دين وحضارة ..”ا- هـ.
وهذا معناه أن الرجل قد شتمَ وجرَّم نفسه؛ لأنه من قوله أعلاه فالرجل يؤمن بالإرهاب .. ويمارس جانباً ونوعاً من الإرهاب .. وقد شتمَ وجرَّم دينه كذلك .. وتحديداً قوله تعالى:) وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ (الأنفال:60. وهو يدري أو لا يدري ..!
كان ينبغي على الملك الجاهل أن يعرض كلمته ـ التي لا تتعدّى بضعة أسطر ـ على لجنة هيئة كبار العلماء .. ليدققوها وينقحوها له قبل أن يلقيها على مسامع الناس .. لكن عما يبدو بدلاً من أن يفعل ذلك .. فقد أرسل كلمته إلى تركي الحمد .. وغيره من مستشاريه العلمانيين اللبراليين .. ليدققوها وينقحوها له!!
وفي الختام نود أن نقول لهذا الملك الجاهِل .. ولغيره من الطغاة الآثمين: مهما إئتمرتم .. وتآمرتم .. وتحاورتم .. ومكرتم .. فدين الله تعالى محفوظ .. قد تكفل الله بحفظه .. لا يُضيره كيدكم .. ولا مؤتمراتكم .. ولا حواراتكم .. في شيء!
كم هم الذين من قبلكم الذين تآمروا .. ومكروا .. وتحاوروا فيما بينهم .. للنيل من عظمة وصفاء الإسلام .. فخاب فألهم وظنهم .. وانقلبوا خاسئين خاسرين .. فهم إلى حطب نار جهنم وبئس المصير .. يلعنهم التاريخ إذا ما مر على ذكرهم .. بينما الإسلام بقي شامخاً عالياً .. ثابتاً عظيماً .. لا يحس بأثر مؤامرات المتآمرين .. والمتحاورين .. فضلاً عن أن يتأثر بها!
وفروا عليكم نفقات تلك المؤتمرات .. ففقراء شعوبكم أولى بها .. كم هم الذين أنفقوا قبلكم من الأموال والثروات الطائلة التي لا يمكن إحصاؤها ولا عدها للنيل من صفاء وعظمة الإسلام .. وليصدوا الناس عن سبيل الله .. صراط الله المستقيم .. ثم انقلب ما أنفقوه حسرة عليهم وندامة، ولات حين مندم، كما قال تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال:36.
والسر في هذا كله معلوم للقاصي والداني .. وهو أن الإسلام هو دين الله .. ودين الله لا يُحارَب .. ومن أراد أن يُحارب دين الله .. يعني أنه قد أعلن الحرب على الله .. والله تعالى لا يُحارَب .. فهو القاهر فوق عباده .. والغالب على أمره .. يفعل ما يشاء .. لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون .. أفلا تعقلون؟!
اعلموا أن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه .. ومن تكفّل الله بحفظه فلا ضَيعة ولا خوف عليه .. ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9.
أتدرون ما معنى ) إِنَّا نَحْنُ ( ..؟! إنه الله .. إنه الله تعالى .. فمع من تُحاولون أيها الطغاة؟!!
اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه .. عدد خلقك .. ورضى نفسِك .. وزِنَةَ عرشِك .. ومِداد كلماتِك .. كما أنزلت علينا في كتابك، قولك الحق:) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9. والتي لولاها لضعنا .. وضاع ديننا منذ زمنٍ بعيد .. فلك الحمد يا ربنا حتى ترضى .. وبعد أن ترضى .. وإلى أن نلقاك وأنت راضٍ عنا برحمتك وعفوك .. وأنت أرحم الراحمين.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي “
21/11/1429 هـ. 19/11/2008 م.
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.

  1. ali says

    الله يجزاك خير