موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

مسألة التحاكم إلى الطاغوت

2 4٬798

بسم الله الرحمن الرحيم 
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من  لا نبيَّ بعده، وبعد. 
          مسألة التحاكم إلى الطاغوت مسألة عقدية هامة يترتب عليها كفر وإيمان .. لا ينبغي ولا يجوز التهاون بها .. والناس مع هذه المسألة ـ كغيرها من المسائل ـ بين إفراط قد أدخل فيها ما لا يجوز إدراجه في خانة التحاكم إلى الطاغوت، وهؤلاء جنحوا إلى الغلو، وتخلقوا بأخلاق الخوارج الغلاة وهم يدرون أو لا يدرون .. وفريق آخر في المقابل قد أخرج منها ما يُعدّ من التحاكم إلى الطاغوت، وهؤلاء جنحوا إلى الجفاء والإرجاء، وتخلقوا بأخلاق المرجئة، وهم يدرون أو لا يدرون .. وفريق ثالث وسط؛ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ هداهم الله تعالى إلى الحق في المسألة، فالتزموا غرز الكتاب والسنة من غير إفراط ولا تفريط، جعلنا الله وإياكم منهم.

          والناس في بحثهم وسؤالهم عن هذه المسألة كذلك ثلاثة فرقاء: فريق يبحث ويسأل لينتصر لمذهبه؛ إذ عساه يجد في ثنايا الإجابات ما ينتصر به لمذهبه وما يميل إليه من إفراط أو تفريط .. فيطير به في الأمصار .. ليقول: هاؤُمُ ….![[1]].
          وفريق آخر يبحث ويسأل لينتصر لظلمه وعدوانه على المظلوم .. على اعتبار أن أي انتصاف أو انتصار لحقوق المظلوم عن طريق غير المسلمين .. هو من التحاكم إلى الطاغوت .. وهو كفر وشرك .. فيخير المظلوم بين أمرين لا ثالث لهما: إما أنه يرضى بالظلم .. ويسكت على الظلم والعدوان .. وأن يرضى من الظالم أن يستمر بظلمه وعدوانه عليه .. مهما كان نوع ظلمه وكان حجمه .. وإما أنه سيقع في الكفر والشرك، ويخرج من الملة على قول الغلاة المتشددين .. إن انتصف لشيء من حقوقه عن طريق غير المسلمين، على اعتبار أن ذلك يُعد من التحاكم إلى الطاغوت، وهذا الفريق أخبث ممن قبله .. وينبغي على من يُفتي هؤلاء وأولئك أن يتفطّن لمرادهم قبل أن يُفتيهم[[2]].
          وفريق ثالث يسأل استرشاداً لمعرفة الحق، أو لدفع شبهة جاءته من هذا الفريق أو ذاك .. وهذا الفريق هو المعني من كلماتي هذه، ولولاه لما كتبتها .. علماً أن المسألة قد تناولتها مراراً في ثنايا عددٍ من كتبي وأبحاثي .. إلا أن الوقوف عليها في ثنيا تلك الكتب والأبحاث ـ عما يبدو ـ صعب على شريحة من الناس .. فارتأيت أن أخصص للمسألة مقالاً مستقلاً يُعرَف بها .. ويسهل الرجوع إليه لمن شاء، والله تعالى المستعان، وعليه التكلان.
          فأقول: لكي نعلم ما يدخل ـ من الانتصار والانتصاف للحقوق ـ في معنى ومسمى التحاكم إلى الطاغوت مما لا يدخل، لا بد أولاً من أن نبين صفة التحاكم إلى الطاغوت المكفرة التي تُخرِج صاحبها من الملة .. والمبيَّنة في قوله تعالى:) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً (النساء:60-61.
سبب النزول: قال ابن جرير الطبري في التفسير: هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلاً من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهان، ليحكم بينهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ا- هـ.
وقيل أن الكاهن هو أبو بردة الكاهن الأسلمي، وقيل أن المراد بالطاغوت في هذا الموضع هو اليهودي كعب بن الأشرف. وقد أسند ابن جرير الآثار التي تدل على ذلك فانظرها في تفسيره.
وقال رحمه الله في تفسير الآية: يعني بذلك جلّ ثناؤه ) أَلَمْ تَرَ ( يا محمد بقلبك فتعلم إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من الكتب، يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت، يعني إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله، )  وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ( يقول : وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه، فتركوا أمر الله واتبعوا أمر
الشيطان.
) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ ( يعني بذلك ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ ( هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، وإلى الرسول ليحكم بيننا ) رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ ( يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم ، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم ا- هـ.
وقال ابن كثير في التفسير: هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد، وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا. وقوله:) يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ( أي يعرضون عنك إعراضاً كالمستكبرين عن ذلك ا- هـ.
وقال عبد الرحمن السعدي رحمه الله: فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك ا- هـ.
مما تقدم يتبين لنا أن التحاكم إلى الطاغوت يتحقق، وتتحقق تبعاته وأحكامه من خلال الصفات التالية:
أولاً: وجود السلطة أو السلطان المسلم القادر على الحكم بما أنزل الله، وإلزام المتحاكمين بنتائج الحكم .. وكان ذلك متمثلاً بشخص النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ثانياً: العدول والإعراض عن الحكم بما أنزل الله رغم وجود السلطان المسلم الذي يحكم به .. إلى حكم الطاغوت المخالف لشرع الله تعالى.
ثالثاً: إرادة التحاكم إلى الطاغوت حراً واختياراً ورضاً به .. وتقديمه على الحكم بما أنزل الله تعالى المتاح والمتوفر له .. والمتيسر التحاكم إليه.
رابعاً: الصد عن التحاكم إلى ما أنزل الله تعالى .. فإذا توجهوا أو وجِّهوا إلى التحاكم بما أنزل الله .. صدوا وامتنعوا وصدوا غيرهم وخصومهم .. وأرادوا التحاكم إلى الطاغوت!
من تحققت فيه هذه الصفات التي دلت عليها الآية الكريمة أعلاه .. ودل عليها أقوال
المفسرين الوارد كلامهم أعلاه .. هو الذي يُحكم عليه بأنه يريد أن يتحاكم إلى الطاغوت .. وهو الذي يطاله حكم التحاكم إلى الطاغوت .. ويُدمَغ بالكفر والخروج من الملة، ولا كرامة[[3]].
أما في حال غياب المحاكم الشرعية .. وغياب السلطان المسلم الذي يفصل بين العباد بالحكم بما أنزل الله .. والقادر على إنفاذ حكم الله تعالى في المتخاصمين المتنازعين .. وغياب الرضى بحكم وشرائع الطاغوت .. وإضمار الكراهية والبغض لها .. والكفر بها .. وإضمار المحبة لحكم الله تعالى وشرعه .. ثم بعد ذلك لو حصل نوع تحاكم إلى تلك المحاكم الوضعية القائمة والمُشْرَعة في بلاد المسلمين وغيرها .. أو حصل نوع تحصيل للحقوق أو نوع دفع للمظالم عن طريق غير المسلمين .. تحت ظروف الإكراه .. والتقية .. والضرورة .. ومن قبيل دفع الضرر الأكبر .. ودفع الظلم والأذى عن النفس والعِرض، والمال .. وتحصيل ما يمكن تحصيله من الحقوق المغتصبة التي لا يمكن تحصيلها إلا من خلال هذا الطريق .. وعلى قاعدة مالا يدرك جله لا يُترَك كله .. وقاعدة ” ما أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم “، وقاعدة ) إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ (، وقاعدة ) إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ (، وقاعدة ) إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً (، وقاعدة ” الضرورات تبيح المحظورات “، وقاعدة ” لا ضرر ولا ضرار .. والضرر يُزال “، وقاعدة ) يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (، فمن كان كذلك .. لا يمكن شرعاً، ولا عقلاً، ولا لغة .. أن يُوصَف بأنه ممن يعرضون عن الحكم بما أنزل الله ويريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت .. ومن ثم يُحمَل عليه حكم الذي يتحاكم إلى الطاغوت .. ومن يأبى إلا أن يفعل ويُغامر ـ لزمه ولا بد ـ تكفير جميع المسلمين في الأرض الذين يعيشون واقع غياب الحكم بما أنزل الله، وغياب المحاكم الشرعية الظاهرة المتمكنة القادرة على أن تفصل فيما بين العباد بالحكم
بما أنزل الله .. ولا يفعلن ذلك إلا من هان عليه دينه .. وكان خارجياً جلداً!
ثم أن الإسلام جاء بدفع الظلم، وإنصاف المظلوم .. وأطر الظالم إلى الحق .. وتحصيل الحقوق لأصحابها .. فإن تعسر ذلك على يد المسلم .. وتحقق على يد غيره .. لا حرج منه، فكما أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها كان أحق بها .. كذلك الحق، والعدل، وإنصاف المظلوم من الظالم .. فحيثما وُجِد ذلك ـ وأيّاً كان صاحبه ـ باركه المسلم وأيده ورضيه .. وإن جاء ذلك من جهة غير المسلمين .. وأينما وجد الباطل، والظلم، والعدوان، وبغي الظالم .. عارضه المسلم، وأبغضه، وردّه، ولو جاء ذلك من جهة المسلم، كما في الحديث:” واشهدوا على المحسن ـ أيَّاً كان هذا المحسن ـ بأنه محسن، وعلى المسيء ـ أيَّاً كان هذا المسيء ـ بأنه مسيء “[[4]].
وقال تعالى:) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل:90.
وقال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المائدة:8. وقال تعالى:) وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى (الأنعام:152.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ” فقال رجل: يا رسولَ الله، أرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال:”  تحجزه، أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ” البخاري. وفي رواية:” تأخذ فوق يديه “.
وقال رجل: يا رسولَ الله ما العصبيّة؟ قال:” أن تُعين قومَك على الظلم “[[5]]. ومن إعانة الظالم على الظلم أن تسكت على ظلمه وأنت قادر على منعه وإيقافه، ولو كان ذلك بالاستعانة بغيرك، وكان هذا الغير من غير المسلمين.
وقال صلى الله عليه وسلم:” من نصَرَ قومَه على غير الحق فهو كالبعير الذي رُدِّيَ فهو يُنزَعُ بذنبه “[[6]].
أخرج البخاري في الأدب المفرد، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” شهدت مع عمومتي حِلف المطيبين، فما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم “[[7]].
قال ابن الأثير في النهاية: اجتمع بنو هاشم، وبنو زهرة، وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية، وجعلوا طيباً في جفنة، وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فسُموا المطيبين ا- هـ.
قلت: رغم أن هذا الحلف تتوفر فيه عناصر الحكم والتحاكم من فضٍّ للنزاعات بين الظالم والمظلوم، وأن القائمين على هذه المهمة كانوا من كبار المشركين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثنى عليه خيراً، وما أحب أن ينقضه ولو بحمر النعم؛  لقيامه على معنى صحيح لا يتعارض مع شرع الله، وهو إنصاف المظلوم من الظالم.
ونحو ذلك موقف الصحابة مع النجاشي يوم أن كان حاكماً كافراً ـ قبل أن يُسلِم ـ وهو يُحاكم الصحابة ويُسائلهم، وهم يُدافعون عن أنفسهم ودينهم بالحجة والبيان حتى لا يُسلمهم ثانية إلى كفار قريش .. ومن خلال مراجعة القصة بكل طرقها وتفاصيلها .. وأسانيدها الصحيحة .. نجد أن الموقف تتوفر فيه جميع عناصر المحكمة والمحاكمة .. محكمة .. وحاكم كافر متمثل في النجاشي، وذلك قبل أن يُسلم .. ومحاججة ومرافعة أكثر من مرة أمام الملك من قبل مندوبي وممثلي كفار قريش والممثلين بعمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة .. وطرف الصحابة يمثلهم في الحديث أمام الملك جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه .. ومن ثم إصدار قرار من قبل الحاكم يقضي بعدم تسليم الصحابة إلى كفار قريش .. ومع ذلك لم يقل أحد .. ولا يجرؤ أحد أن يقول: أن الصحابة بفعلهم هذا قد تحاكموا إلى الطاغوت .. حاشاهم!
ونحو ذلك موقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما قصد حراً مختاراً الوقوف أمام ملك التتار قازان، وبعض أمراء جنده قطلوشاه، وبُولاي .. وهو يُحاججهم ويراجعهم ويُطالبهم بإطلاق سراح من عندهم من الأسرى؛ سواء منهم المسلمين، أو الذميين من أهل الكتاب .. وقد نال فعله هذا الاستحسان والرضى من قبل جميع علماء عصره، وإلى زماننا هذا .. ولم يقل أحد بأنه ـ بفعله هذا ـ قد تحاكم إلى الطاغوت .. حاشاه!
وكذلك مراسلته لملك قبرص النصراني ” سرجواس “، وهو يتلطف معه في الخطاب، يرغبه
بالإحسان إلى من عنده من أسرى المسلمين .. فما عد أحد ذلك من ضروب التحاكم إلى الطاغوت .. ولو أردنا أن نحصي المواقف لعلمائنا المشابهة لموقف شيخ الإسلام مع قازان، وسرجواس .. لطال
بنا المقام، وفيما تقدم عظة، وعبرة لمن أراد الاعتبار!
فليس كل من قصد مجالس ومحاكم الطغاة يكون قد تحاكم إلى الطاغوت .. فهناك من يقصدهم ليقول حقاً، وليسترد حقاً، ويُبطل باطلاً، ويخزي ظالماً .. وينصف مظلوماً .. وقد يكلفه ذلك حياته .. فهذا وأمثاله لا يجوز أن يُقال عنه: أنه قد تحاكم إلى الطاغوت أو أنه ممن يريدون التحاكم إلى الطاغوت .. بل لو قُتِل بسبب موقفه هذا فهو شهيد، كما في الحديث:” سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله “[[8]]. وقال صلى الله عليه وسلم:” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر “[[9]]. وكلمة الحق هذه قد تكون تحصيل حق، أو دفع ظلم .. أو إنصاف مظلوم .. فليس كل وقوف أمام سلطان جائر يعني بالضرورة الرضى به وبجوره .. وحكمه الظالم .. ويعني التحاكم إلى الطاغوت .. كما يصور البعض!
فإقرار الظلم .. والرضى بالظلم .. والذل والدنية .. والسكوت على الظلم والظالمين .. والتغاضي عنهم وعن عدوانهم وسطوهم على الحقوق والحرمات .. بحجة أنه لا يوجد الحاكم المسلم القادر الذي يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم .. وبالتالي لا يجوز الانتصاف للحقوق والمظالم عن طريق غير المسلم إن وجد .. ولينتظر المسلمون ـ الذين يتجاوز تعدادهم المليار ونصف المليار نسمة ـ مائة عام أخرى حتى يأتي أو يظهر الحاكم المسلم الذي من خلاله ننتصف للحقوق .. وندفع الظلم .. وإلى أن يظهر هذا الحاكم .. على الأمة بمئات ملايينها أن تلتزم الصمت والصبر على مظالمها وحقوقها التي تغتَصب ويُعتدى عليها .. من قبل الكفار والفساق سواء .. ولا يجوز لهم غير ذلك .. وإلا يكونون قد تحاكموا إلى الطاغوت .. وطالهم حكم المتحاكم إلى الطاغوت! 
أقول: هذا القول ـ الذي يقول به البعض! ـ ليس من حكم الله تعالى ولا شرعه في شيء .. وهو واقع لا يرضاه الله تعالى لعباده .. ولا يرضاه النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأمته، قال تعالى:) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (الشورى:39. ينتصرون لدفع البغي عنهم بما يستطيعون، سواء عن طريق أنفسهم أو عن طريق غيرهم.
وقال تعالى:) لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (النساء:148. فالله تعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول .. والجهر بالسوء من القول ليس من دين الله تعالى .. ولا من حكم الله تعالى .. لكن استثناه الخالق I فأجازه في حالة واحدة فقط؛ في حالة دفع الظلم ورد الظالمين عن بغيهم وظلمهم .. لأن الظلم لا يجوز السكوت عليه!
قال صلى الله عليه وسلم:” كلا والله لتأخذنّ على يد الظالم ولتأطرنّه على الحق أطراً، ولتقصرنّه على الحق قصراًً “[[10]]. هذا هو الأصل، وهذا هو حكم الله تعالى؛ أن لا يدع الناس الظالم يهنأ بظلمه ـ تحت أي ذريعة كانت ـ بل يأطرونه صاغراً على الحق أطراً.
وقال صلى الله عليه وسلم:” إن الناسَ إذا رأوا الظالمَ، فلم يأخذوا على يديه أوشكَ أن يعمهم الله بعقاب منه “[[11]]. وقوله صلى الله عليه وسلم ” إن الناسَ “؛ عام وشامل لكل الناس؛ كافرهم ومؤمنهم، فسنة الله تعالى في عباده أن يأخذهم بعقاب من عنده إن لم يأخذوا على يد الظالم بالزجر والنهي، فينتصفوا منه لضحاياه من المظلومين .. فالظلم والسكوت على الظلم يدع الديار بلاقع!
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي، فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:” يا عبادي إنّي حرمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ” مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:” اتقوا الظلم ما استطعتم “[[12]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيد ” متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دون دمه فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دون أهلِه فهو شهيد “[[13]]. وفي رواية:” من قُتِل دون مظلمته فهو شهيد “[[14]].
وقوله صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِلَ دون …”؛ أي من قُتِل دفاعاً عن ماله ومظلمته ودينه … ولا يستلزم من ذلك أن يُباشر القتال، أو أن يُقتَل بعد قتال، فقد يُقاتل وقد لا يُقاتل، وقد لا تسمح له ظروفه وقدراته سوى أن ينتصر لحقه ومظالمه إلا بالكلام، والمحاججة والمرافعات .. فيضيق الظالم به ذرعاً فيقتله .. فهذا في دين الله وحكم الله تعالى شهيد، فضلاً عن أن نعتبره من المتحاكمين إلى الطاغوت!
وكلنا يعلم قصة جد النبي صلى الله عليه وسلم عبد المطلب لما وقف أمام الطاغية أبرهة لما هم الآخر بهدم
البيت الحرام .. فاقتصر عبد المطلب على المطالبة بماله وإبله .. ولما عاب عليه الطاغية ذلك؛ إذ كيف يسأله بأن يرد له ماله وإبله، ولم يسأله أن يُمسك عن هدم بيت الله الحرام، فقال عبد المطلب مقولته المشهورة:” إنّي أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه “.
والشاهد لم يُعرَف عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فيما بعد ـ ولا عن أحد من الصحابة .. ولا أحد بعدهم من أهل العلم .. قد عاب على عبد المطلب فعلته أو عدّ فعله من التحاكم إلى الطاغوت لمجرد أن سأله أن يرد له ماله وإبله ..!
ويُقال كذلك: قد جاءت الشريعة بإزالة الضرر، والمنكر .. وأن الضرر يُزال لذاته لأنه ضرر، فإن تعثرت إزالته عن طريق المسلم .. ولم يُوجد سبيل لإزالته واستئصاله إلا عن طريق الكافر أُزيل .. ولا يُقال لا نُزيله لأن المزيل له كافر .. كالمريض الذي يُعالج على يد طبيب كافر عند تعثر وجود الطبيب المسلم .. فلا يُقال له: لا يجوز أن تزيل مرضك؛ لأن المزيل له كافر .. وبالتالي يجب أن تبقى مريضاً .. وكذلك المُنكر يُنكَر .. يجب أن يُنكر، فإن تعثر إنكاره عن طريق المسلم .. وقدر غيره على إنكاره، أُنكِر، ولاقى إنكاره الاستحسان .. ولا يُقال حينئذٍ لا يجوز إنكار المنكر، ولا التعاون على إنكار المنكر، والمنكر يجب أن يبقى؛ لأن المزيل له من غير المسلمين .. فهذا لا يقول به عالم ولا عاقل.
ولتقريب الصورة نضرب المثال التالي: بيت للدعارة في بلد من البلدان .. لا يقدر المسلمون على منعه وإغلاقه بأنفسهم .. ثم أنه لا ينفع مع صاحب دار الدعارة كلمة ولا موعظة .. ولا نصيحة .. وكان من قوانين تلك البلدة منع دور الدعارة .. والناس بمجرد إبلاغهم وشكواهم للشرطة المحلية عن دار الدعارة هذا .. يتم إغلاقه مباشرة .. وصرف شره وأذاه عن الناس.
مثال آخر: تاجر للحشيش والمخدرات .. يدمر عقول ودين شباب الأمة ورجالاتها بمخدراته .. لا يقدر المسلمون على منعه .. فنصحوه فلم ينتصح .. وحاولوا معه السبل كلها فأبى إلا أن يستمر في غيه وأذاه وضرره .. ثم كان بمجرد رفع شكوى من قبل الناس للشرطة المحلية ضد هذا التاجر المجرم .. يُمنع شره وأذاه مباشرة .. وتُصادر المواد السامة التي يقتل بها عقول ودين العباد ..!
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين يكمن حكم الله تعالى في هذه المسألة ـ ومثيلاتها من المسائل ـ هل تترك دور الدعارة تفعل فعلها الخبيث بالناس .. ويُترك تاجر المخدرات يفعل فعله الخبيث بالناس .. ويعم الفساد والفحشاء والمنكر .. بحجة أن ذلك يُدرج في معنى التحاكم إلى الطاغوت ـ كما يقول البعض! ـ أم أنه يُنكر هذا الفساد والشر .. ويُمنع وإن أدى إلى نوع شكاية
للشرطة المحلية .. وسماه البعض بالتحاكم؟!
فالذي يقول بالقول الأول: أنه لا يجوز؛ لأنه من التحاكم إلى الطاغوت .. فهو كمن يقول على الله ـ وهو لا يعلم ـ أن الله تعالى يأمر بالفحشاء والمنكر والفساد في الأرض والعياذ بالله .. ويُرَد عليه بقوله تعالى:) قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (الأعراف:28. ) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل:90. ) وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (البقرة:205. وإنما الذي يأمر بالفحشاء والمنكر هو الشيطان الرجيم، كما قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ (النور:21. وقال تعالى:) وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ . إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (البقرة:168-169.
فإن عُلِم ذلك، عُلِم بالضرورة أن الحق المطابق لحكم الله تعالى هو الخيار الآخر، لقوله تعالى:) وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (المائدة:2. وقوله تعالى ) وَتَعَاوَنُواْ (؛ يتضمن تعاون المسلمين فيما بينهم بعضهم مع بعض، وتعاونهم مع غيرهم إن كان ذلك ممكناً .. المهم في هذا التعاون أن يكون شرطه التعاون على البر والتقوى والصلاح .. ولا شيء غير ذلك .. ثم أن مثل هذا التعاون لو تحقق بشرطه .. لا يجوز شرعاً ولا عقلاً ولا لغة ـ وتحت أي مسمى أو زعم ـ أن يُدرَج في خانة التحاكم إلى الطاغوت!
شبهة ورد: قد يقول قائل ـ وقد قِيل ـ: هل يمكن للكافر المشرك المتلبس بالشرك؛ الظلم الأكبر .. أن يُوصف بالعدل .. أو يُلتمَس عنده العدل أو شيء من العدل .. أو يُنتصف عن طريقه لبعض الحقوق والمظالم .. وهو متلبس بالظلم الأكبر .. وهل يمكن للكافر أن يفعل الحسنات المستوفاة الشروط الشرعية؛ الموافقة والإخلاص .. وهو من جهة فاقد لحسنة التوحيد؛ الحسنة الأعظم والأكبر .. هذا سؤال يرد .. وقد وردنا من جهات عدة .. فلزم الإجابة عنه، والله المُستعان.
فأقول: نعم؛ قد دل العقل والنقل على أن الكافر المشرك يمكن أن يتواجد عنده عدل، ويُمكن أن يُوصف بالعدل .. وممكن أن يأمر بنوع من العدل، كما يمكن أن يأتي ببعض الحسنات المستوفاة الشروط. 
أما دلالة العقل: فإن الأمم والشعوب لا قيام ولا وجود لها من دون حدٍّ أدنى من العدل يقتاتوت ويعتاشون به، ويتراحمون ويتعاطفون ويتعاملون به، أما إذا انتفى عنهم مطلق العدل؛ هذا يعني بالضرورة انتفاء وجودهم، وانهيار دولهم وحضاراتهم .. ولكن لما وجدوا .. وقامت لهم دول وحضارات .. ولا تزال قائمة .. وحصل لهم نوع تمكين وظهور في الأرض .. علمنا بالضرورة أنه يوجد عندهم نوع عدل أو قدر من العدل .. قد يزيد عند بعض الشعوب والدول .. ويقل وينقص عند البعض الأخرى، وعلى قدر ما تزيد من نسبة العدل في دولة من الدول، على قدر ما يُكتب لها البقاء، والظهور، والازدهار .. فهذه قاعدة لا تتخلف، وسنة ماضية لا تُحابي أحداً. 
أما دلالة النقل والنص، فقد قال تعالى:) فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (التوبة:7. دلت الآية أن الكفار يمكن أن يستقيموا في عودهم فلا يغدرون .. والاستقامة في العهود من العدل.
وقال تعالى:) وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (الأنعام:88. أي ) مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( من الحسنات .. وما سيعمولنه من الحسنات بعد أن وقعوا في الشرك، من غير جهة الشرك .. فإن الله تعالى سيبطله ويحبطه؛ لأنه لا يُقبَل عمل صالح ولا طاعة مع التلبس بالشرك الأكبر، كما قال تعالى:) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ( صالح ) فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً (الفرقان:23. فلا ينتفعون منه يوم القيامة في شيء؛ لتلبسهم بالشرك الأكبر .. والشاهد أن الكافر يمكن أن يعمل عملاً صالحاً، وأن يقوم ببعض العدل الذي يُكافأ عليه في الدنيا دون الآخرة.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن الله لا يظلم مؤمناً حسنةً يُعطى بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها ” مسلم. فدل الحديث أن الكافر يمكن أن يقوم ببعض الحسنات ـ من غير جهة الشرك ـ يبتغي بها وجه الله .. لكن يُجزى عليها خيراً في دنياه دون الآخرة.
وعن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي رسولَ الله، أرأيت أموراً كنت أتحنَّث بها ـ أي كنت أتعبّد وأتقرب بها إلى الله ـ في الجاهلية؛ من صدقة أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أسلمت على ما أسلفتَ من خير ” مسلم. فدل أن الكافر المشرك يمكن أن يقوم ببعض الأعمال والطاعات .. والتي منها ما يدخل في معنى ومسمى العدل. 
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الملك النجاشي ـ وذلك قبل أن يُسلم ـ:” إن بأرض الحبشة مَلِكاً لا يُظلَمُ أحدٌ عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعلَ الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه “[[15]].
وقال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يخاطب الملك النجاشي ـ وذلك قبل أن يُسلم ـ:” واخترناك على من سواك ورجونا أن لا نظلَم عندك .. “.
ومن رواية أم سلمة رضي الله عنها للحديث، تقول:” لما نزلنا بأرض الحبشة؛ جاورنا بها خير جارٍ؛ النجاشي، أمَّنَّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نُؤذَى …”.  
فدل أن الحاكم الكافر يمكن أن يُوصَف بالعدل .. ويمكن أن يلتزم بالعدل .. ويحكم بالعدل .. ويفعل العدل .. ويُطلَب منه العدل .. وإن كان عدله ناقصاً بسبب كفره وشركه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتن ـ يعني أسرى بدر من المشركين ـ لأطلقتهم له ” البخاري. علماً أن المطعم بن عدي كان مشركاً، ومات على الشرك .. لكنه قد آوى وأجار النبي صلى الله عليه وسلم أيّاماً من أذى كفار قريش .. فلم ينسها له النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يُكافئه على حسنته بخير منها لو كان حياً .. فدل أن الكافر يُمكن أن يُجير المسلم ممن ظلمه، واشتد عليه ظلمه .. ويمنع عنه ظلمهم .. وهذا من العدل، ومن أسمى معاني العدل .. لا يمكن ولا يجوز أن يُدرج في خانة التحاكم إلى الطاغوت كما يفعل الغلاة الظالمون!
قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص، سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:” تقومُ الساعةُ والرومُ أكثرُ الناس “. فقال له عمرو: أبصِر ما تقول؟ قال: أقول ما سمعت من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال عمرو بن العاص:”  لئن قلت ذلك إنّّ فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلمُ الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيمٍ وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك ” مسلم. وهذه الخصال التي ذكرها فيهم عمرو بن العاص على وجه الإعجاب والاستحسان؛ هي خصال إيجابية حضارية لها دور كبير في قيام ونهضة وتحضر الأمم والشعوب ـ وبخاصة منها الخصلة الرابعة والخامسة ـ بها قد ساد القوم في هذا الزمان .. وحكموا البلاد والعباد .. وبها يتباهون على من سواهم من الشعوب، بخاصة شعوب الشرق الأوسط العربي!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 28/146: أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يُقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويُقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:” ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم “؛ فالباغي يُصرَع في الدنيا وإن كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة ا- هـ.
وعليه فإني أقول: اعلم أن الظلم أنواع وأقسام .. أشده وأعظمه وأغلظه الشرك بالله، كما قال تعالى:) ِإنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (القمان:13. وهذا النوع من الظلم خاص بالمشركين مقصور عليهم دون غيرهم .. لا يغفره الله تعالى، كما قال عز وجل:) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (النساء:48.
وقسم آخر من الظلم؛ ظلم المرء لنفسه فيما بينه وبين ربه .. وظلمه لغيره .. وهذان النوعان من الظلم الناس فيهما شركاء، الكفار والمسلمون .. فمنهم المكثر ومنهم المقِل، لذا قد جاء في الحديث:” الظلم ثلاثة: فظلم لا يتركه الله، وظلمٌ يُغفَر، وظلم لا يُغفر، فأمَّا الظلم الذي لا يُغفر؛ فالشرك لا يغفره الله، وأما الظلم الذي يُغفر؛ فظلم العبد فيما بينه و بين ربه، و أما الظلم الذى لا يُترك؛ فظلم العباد، فيقتص الله بعضهم من بعض “[[16]].
وكذلك يُقال في العدل، فإنه أنواع وأقسام: أعلاه، وأجله، وأعظمه التوحيد، فمن حقق في نفسه التوحيد كان من الناجين يوم القيامة، وهذا النوع أو القدر من العدل خاص بالمؤمنين المسلمين مقصور عليهم دون غيرهم .. وقسم آخر من العدل؛ هو عدل المرء مع نفسه .. وعدله مع غيره؛ فيعاملهم بالعدل من دون ظلم ولا بغي ولا عدوان .. وهذان النوعان من العدل الناس كلهم شركاء فيهما الكافر والمؤمن .. فمنهم المكثر ومنهم المقل والمقصر .. ويزيد الله تعالى من فضله من يشاء.
فإذا اتضح لك ـ أيها القارئ ـ هذا التقسيم الآنف الذكر أعلاه اتضحت لك المسألة، وسهل عليك فهمها .. وذهب عنك الإشكال حولها، بإذن الله.   
ـ خلاصة القول:
اعلم أن الإنسان ـ أي إنسان ـ بطبعه مخلوق اجتماعي، يتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه، بيعاً وشراء، ومعاملة، وتزاوجاً .. لا يمكن أن نلزمه العيش في عزلة تمنعه من الاحتكاك بالناس .. أو الضرب في الأرض من أجل الكسب والعيش .. ولو استطعنا أن نلزم نفراً أو أنفاراً .. فإننا لا نستطيع أن نلزم أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين بهذا الخيار القاهر والمستحيل .. وما أعسره من خيار .. وبالتالي لا بد من أن تحصل فيما بين الناس بعض المشاكل .. والمظالم .. والانتهاكات للحقوق والحرمات .. ويحصل بعض الظلم والعدوان من فريق على آخر .. وهذا يحتم عليهم ـ ولا بد ـ البحث عن قضاء قوي مُهاب يرجعون إليه، قادر على الفصل بينهم فيما يتنازعون ويختلفون فيه .. ومن جهة أخرى فإننا نعيش ـ وللأسف ـ في جل الأمصار والدول ـ إن لم يكن كلها ـ غياب الحكم بما أنزل الله .. وغياب السلطان المسلم ذا الشوكة والمنعة الذي يحكم بما أنزل الله، والقادر على إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم من الظالم وفق شرع الله .. وبالتالي فإن أحكام وشرائع الطاغوت هي التي تجري على الناس بالقوة، والناس محكومون بها شاؤوا أم أبوا، اعترفوا بها أم لم يعترفوا .. أحبوها أم أبغضوها وكفروا بها .. احتكموا إليها أم لم يحتكموا .. فهي محيطة بهم على مدار الوقت إحاطة السور بالمعصم .. وهذا من جملة ضرائب غياب دولة الإسلام التي تحكم بالإسلام .. وضرائب خذلان الناس للجهاد والمجاهدين والعاملين المخلصين من أجل قيام دولة الإسلام .. هذا واقع نعيشه ونكابده .. لا يمكن أن نتجاهله أو نغض الطرف عنه عندما نستشرف الحديث عن مسألة كبيرة بحجم مسألتنا هذه!
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نتعامل مع هذا الواقع الأليم .. كيف يسترد الناس حقوقهم .. وينتصفون لمظالمهم .. هل يكفي أن نقول لهم: اسكتوا على حقوقكم ومظالمكم مائة سنة أخرى .. حتى ينزل أو يأتي الحاكم المسلم .. أو حتى تقوم الدولة الإسلامية .. ولا يجوز لكم ـ قبل ذلك ـ أن تنتصفوا لحقوقكم ومظالمكم مهما كان نوعها وحجمها عن طريق غير المسلمين .. كما يقول البعض! .. فنسلط بذلك عليهم الكفار والفساق، وقطّاع الطرق؛ لعلمهم أن المسلمين لا بواكي لهم؛ فلا هم قادرون على إنصاف أنفسهم بأنفسهم .. ولا هم يقصدون غيرهم لإنصافهم .. أم أن هناك توجيهاً آخر يمكن اللجوء إليه؟
أقول: من خلال مجموع ما تقدم يتبين لنا أن المسألة لها توجيه آخر .. أوجزه في النقاط التالية:
1- من أعرَض عن حكم الله تعالى، وعدَل عنه ـ رغم قيام المحاكم الشرعية التي تمثله، ورغم وجود السلطان المسلم الذي يحكم به، والقادر على إلزام الخصوم بحكمه ـ إلى حكم غيره؛ إلى حكم الطاغوت .. فهذا يكون ممن تحاكموا إلى الطاغوت .. وأرادوا أن يتحاكموا إلى الطاغوت .. ويُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت، ألا وهو الكفر.
2- من أقبل على حكم وشرائع الطاغوت المضاهية لشرع الله تعالى، مستحسناً لها، أو راضياً بها .. أو مقبحاً لحكم الله تعالى وشرعه، صاداً عن التحاكم إليه .. فهذا أيضاً يكون قد تحاكم إلى الطاغوت .. وممن أرادوا التحاكم إلى الطاغوت .. ويُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت، ألا وهو الكفر. 
3- من كان قادراً على الانتصاف لحقوقه ومظالمه بالطرق الشرعية .. وفق أحكام شرع الله تعالى .. وكان ذلك متيسراً له .. من دون اللجوء إلى المحاكم الطاغوتية .. ثم يأبى إلا اللجوء إلى المحاكم الطاغوتية، وإلى حكمهم وشرائعهم المضاهية لشرع الله تعالى .. فهذا أيضاً يكون قد تحاكم إلى الطاغوت .. وممن أرادوا التحاكم إلى الطاغوت .. ويُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت، ألا وهو الكفر، لقوله تعالى:) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (التغابن:16. وقال تعالى:) لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا (البقرة:286. وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ” مسلم. وهذا قادر مستطيع لكنه بإرادته لم يفعل ولم ينصع لحكم الله تعالى وشرعه .. وأبى إلا أن يحتكم إلى الطاغوت، وبالتالي فإن الوعيد يطاله. 
4- إذا تنازع شخصان على أمرٍ ما فكان أحدهما مبغضاً لحكم الطاغوت، راغباً في أن يحتكم فيما تم فيه النزاع إلى شرع الله تعالى .. لكن الآخر أبى عليه إلا أن يأخذه إلى المحاكم الوضعية، ليحاكمه بغير حكم الله تعالى .. فالوزر على الآخر، والأول لا يطاله شيء بإذن الله تعالى.
5- ليس كل انتصاف لحق، أو انتصار لمظلوم من ظالمه عن طريق غير المسلمين ـ وإن أخذ صورة المحاكمة ـ يُسمى تحاكماً إلى الطاغوت .. أو يجوز أن يُحمَل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت!
فإن قيل: ماذا نسميه ..؟
أقول: سموه ما شئتم؛ سموه الانتصار للحق .. أو الانتصار للمظلوم من الظالم .. أو إنصاف المظلوم من الظالم.
6- في حال حصول نوع مراجعة أو محاكمة في المحاكم الوضعية .. لا يجوز لصاحب الحق أن
يُطالب بأكثر من حقه، كأن يُطالب بإنزال عقوبات غير شرعية لا يستحقها ظالمه .. فحينئذٍ يكون كمن واجه ظلماً بظلم!
فإن قيل: ولكن المحكمة الوضعية ذاتها قد تنزل به عقوبات من طرفها؛ وهو ما يسمونه بالحق العام؟
أقول: هذا شأنهم .. هم يتحملون وزر قوانينهم .. المهم أن لا يكون للمسلم صاحب الحق دوراً في إنزال مثل هذه العقوبات غير الشرعية بحق مخالفه وظالمه، كما لا ينبغي أن يكون له دور في عدم معاقبته مطلقاً ـ فهذا أيضاً قد لا يكون موافقاً لحكم الله تعالى ـ وإنما يدعه والقوم تبكيتاً له، وحتى لا تُطاوعه نفسه على الظلم والعدوان ثانية، والله تعالى أعلم.
7- ليس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي يتم عن طريق غير المسلمين، أو بمساعدة غير المسلمين يجوز أن يُسمى تحاكماً إلى الطاغوت، أو يُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت!
8- العدل الذي يباركه الله تعالى، ويباركه رسوله صلى الله عليه وسلم .. لو جاء أو صدر عن طريق غير المسلمين ـ ولو بصورة حاكم ومحكمة ـ لا يجوز أن يُسمى أو يُدرج في خانة التحاكم إلى الطاغوت، أو يُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت، وذلك أن العدل محمود ومطلوب لذاته أيَّاً كان صاحبه أو كان مصدره.
9- التحاكم إلى المحاكم الشرعية في الدول والأنظمة الطاغوتية، في مسائل الأحوال الشخصية، والإرث، التي تلتزم بأحكام الشريعة .. على ما يبدر منها من أخطاء وبعض المظالم .. لا يجوز أن يُحمَل عليها، وعلى من يحتكم إليها صفة وحكم التحاكم إلى الطاغوت!
10- الرجوع إلى المحاكم الوضعية وسجلاتها في المسائل الإدارية التنظيمة التي لا تُضاهي ولا تُخالف شرع الله تعالى، كتسجيل العقارات في سجلاتهم لتثبيت ملكيتها، أو تسجيل النفوس أو الزواج أو الطلاق في الدوائر الحكومية المختصة، للحصول على بقية الحقوق المدنية الضرورية للإنسان في هذا العصر .. كالبطاقة الشخصية، أو جواز السفر ونحو ذلك .. فهذه الأمور ومثيلاتها من الأمور التنظيمية الإدارية .. لا حرج فيها إن شاء الله، الأصل فيها الإباحة ما لم تتعارض مع تعاليم ومبادئ الشريعة.
يقول الشنقيطي في أضواء البيان ( 4/84): اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السماوات والأرض ، وبين النظام الذي لايقتضي ذلك.
          وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري، وشرعي. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم. وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر، وكاشترائه ـ أعني عمر رضي الله عنه ـ دار صفوان بن أمية وجعله إيَّاها سجناً في مكة  المكرمة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجناً هو ولا أبو بكر. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به، كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة ا- هـ.
          11- إن كان الضرر محتملاً نرى من العزيمة والتقوى ـ إن أمكن ـ اجتناب واعتزال المحاكم الوضعية، والامتثال أمام الحاكم الكافر في محاكمهم ..  وهذا أمر نستحسنه ـ وبخاصة بحق الخواص والأعلام من أبناء الأمة ـ ولا نلزم به مجموع الأمة، للضرر العام الكبير المترتب على ذلك، والمسألة مرتبطة بنوع وحجم الحق المغتصب، والذي يُراد تحصيله .. فلا يُعقل أن يقال لمن خُطِف له ولده لا يجوز لك أن تشتكي إلى الشرطي الكافر ـ أو الحاكم الكافر فلا فرق ـ لتسترد إليك ولدك من خاطفيه لأن هذا نوع من التحاكم إلى الطاغوت .. ونعتبر حال هذا ـ في اللجوء إلى محاكم القوم ـ كحال من يُسرَق له مثلاً بعض الدراهم التي لا تُشكل له ذلك الضرر الكبير!
          12- ما تقدم لا يبرر القعود عن العمل والجهاد من أجل قيام دولة الإسلام التي تحكم العباد بشرع رب العباد .. بل يحتم على الأمة مزيداً من العمل والجهاد، والبذل والعطاء من أجل قيام دولة الإسلام .. والتي يرتبط بقيامها القيام بكثير من الواجبات الشرعية، والتي منها وجود السلطان المسلم المهاب الذي يحكم بين العباد بما أنزل الله .. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
          هكذا أرى توجيه المسألة .. وهكذا أرى الجواب عنها .. فإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وإن أصبت فمن الله تعالى وحده، وله الحمد والمنة والفضل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي ” 
13/11/1430 هـ. 1/11/2009 م.
 

 


 

 


[1]  أُفاجأ أحياناً أن كثيراً من الأسئلة التي تُطرَح على منبر ” التوحيد والجهاد ” حول هذا الموضوع قد سبق أن طُرِحت علي بنفس الكلمات ونفس الصيغة .. وربما تكون قد طُرِحت على غيري، وغير المنبر .. مما يجعلني ـ آسفاً ـ أن أضع إشارة استفهام حول دوافع السائلين .. وما يسعون إليه؟!
[2]  اتصلت بي إحدى النساء لتخبرني أن زوجها ـ وهو ممن يتبنون المذهب المتشدد في المسألة، ويُروّجون له،
ويجنحون إلى الغلو في التكفير ـ يعتدي على طفلها من رجل آخر بفعل اللواطة .. وهو مستمر في عدوانه .. والطفل يكاد يُقتَل بين يديه .. ثم هو يهددها أنها لو أخبرت عنه للشرطة المحلية .. أنها تكفر بذلك، لأنها تكون قد احتكمت إلى الطاغوت، وبالتالي سيطلقها لأنها لم تعد تحل له .. فالمرأة تسأل ماذا تفعل .. وما مدى صحة كلام زوجها الخبيث .. علماً أنه لا توجد جهة تقدر على ردعه وإيقافه عن جريمته النكراء إلا شرطة البلد التي تنتمي إليها المرأة … نعم هذا حدَث .. ويحدث مثله وغيره .. ومما هو أسوأ منه .. الكثير الكثير .. فتأمّلوا!
[3]  وعليه ينبغي أن يُحمل ويُفسر كلام أهل العلم، علماء نجد وغيرهم، الذين تكلموا في كفر من يتحاكم إلى الطاغوت .. منهم كلام الشيخ سليمان بن سمحان في الدرر السنية الذي يتناقله بعض الإخوان، وهو قوله:” فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر وخيّرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت ” ا- هـ. ينبغي أن يُحمَل على التحاكم بمعناه الذي بيناه؛ بقيوده وشروطه الآنفة الذكر أعلاه .. مع تسجيل تحفظي على مدى صحة ودقة إطلاق الشيخ ابن سمحان .. الذي يفيد ظاهره عدم مراعاة ولا استثناء ظروف الإكراه، والتقية، والضرورات .. وحدود الاستطاعة التي عليها مناط التكاليف الشرعية .. وغير ذلك من قواعد الإسلام .. وهذا ما لا نوافقه عليه .. كما سيظهر ذلك للقارئ بوضوح من خلال بحثنا هذا، إن شاء الله.
[4] رواه الطبراني، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 457.
[5] أخرجه أبو داود، وسكت عنه، وحسنه ابن حجر في تخريج المشكاة، وكذلك ابن مفلح في الآداب الشرعية 1/60.
[6]  صحيح سنن أبي داود: 4270.
[7]  صحيح الأدب المفرد: 441.
[8]  رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491.
[9]  رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 491.
[10]  رواه أبو داود: 3047، وسكت عنه.
[11]  رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه،  صحيح الجامع: 1973.
[12]  رواه أبو يعلى، وأحمد، والطبراني، صحيح الترغيب والترهيب: 2221.
[13]  صحيح سنن الترمذي: 1421.
[14]  رواه النسائي،  صحيح الترغيب: 1413.
[15] أخرجه البيهقي في السنن، السلسلة الصحيحة: 3190.
[16] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 1927. 

بسم الله الرحمن الرحيم 
 
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من  لا نبيَّ بعده، وبعد. 
           مسألة التحاكم إلى الطاغوت مسألة عقدية هامة يترتب عليها كفر وإيمان .. لا ينبغي ولا يجوز التهاون بها .. والناس مع هذه المسألة ـ كغيرها من المسائل ـ بين إفراط قد أدخل فيها ما لا يجوز إدراجه في خانة التحاكم إلى الطاغوت، وهؤلاء جنحوا إلى الغلو، وتخلقوا بأخلاق الخوارج الغلاة وهم يدرون أو لا يدرون .. وفريق آخر في المقابل قد أخرج منها ما يُعدّ من التحاكم إلى الطاغوت، وهؤلاء جنحوا إلى الجفاء والإرجاء، وتخلقوا بأخلاق المرجئة، وهم يدرون أو لا يدرون .. وفريق ثالث وسط؛ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ هداهم الله تعالى إلى الحق في المسألة، فالتزموا غرز الكتاب والسنة من غير إفراط ولا تفريط، جعلنا الله وإياكم منهم.

 


 

          والناس في بحثهم وسؤالهم عن هذه المسألة كذلك ثلاثة فرقاء: فريق يبحث ويسأل لينتصر لمذهبه؛ إذ عساه يجد في ثنايا الإجابات ما ينتصر به لمذهبه وما يميل إليه من إفراط أو تفريط .. فيطير به في الأمصار .. ليقول: هاؤُمُ ….![[1]].
          وفريق آخر يبحث ويسأل لينتصر لظلمه وعدوانه على المظلوم .. على اعتبار أن أي انتصاف أو انتصار لحقوق المظلوم عن طريق غير المسلمين .. هو من التحاكم إلى الطاغوت .. وهو كفر وشرك .. فيخير المظلوم بين أمرين لا ثالث لهما: إما أنه يرضى بالظلم .. ويسكت على الظلم والعدوان .. وأن يرضى من الظالم أن يستمر بظلمه وعدوانه عليه .. مهما كان نوع ظلمه وكان حجمه .. وإما أنه سيقع في الكفر والشرك، ويخرج من الملة على قول الغلاة المتشددين .. إن انتصف لشيء من حقوقه عن طريق غير المسلمين، على اعتبار أن ذلك يُعد من التحاكم إلى الطاغوت، وهذا الفريق أخبث ممن قبله .. وينبغي على من يُفتي هؤلاء وأولئك أن يتفطّن لمرادهم قبل أن يُفتيهم[[2]].
          وفريق ثالث يسأل استرشاداً لمعرفة الحق، أو لدفع شبهة جاءته من هذا الفريق أو ذاك .. وهذا الفريق هو المعني من كلماتي هذه، ولولاه لما كتبتها .. علماً أن المسألة قد تناولتها مراراً في ثنايا عددٍ من كتبي وأبحاثي .. إلا أن الوقوف عليها في ثنيا تلك الكتب والأبحاث ـ عما يبدو ـ صعب على شريحة من الناس .. فارتأيت أن أخصص للمسألة مقالاً مستقلاً يُعرَف بها .. ويسهل الرجوع إليه لمن شاء، والله تعالى المستعان، وعليه التكلان.
          فأقول: لكي نعلم ما يدخل ـ من الانتصار والانتصاف للحقوق ـ في معنى ومسمى التحاكم إلى الطاغوت مما لا يدخل، لا بد أولاً من أن نبين صفة التحاكم إلى الطاغوت المكفرة التي تُخرِج صاحبها من الملة .. والمبيَّنة في قوله تعالى:) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً (النساء:60-61.
سبب النزول: قال ابن جرير الطبري في التفسير: هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلاً من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهان، ليحكم بينهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ا- هـ.
وقيل أن الكاهن هو أبو بردة الكاهن الأسلمي، وقيل أن المراد بالطاغوت في هذا الموضع هو اليهودي كعب بن الأشرف. وقد أسند ابن جرير الآثار التي تدل على ذلك فانظرها في تفسيره.
وقال رحمه الله في تفسير الآية: يعني بذلك جلّ ثناؤه ) أَلَمْ تَرَ ( يا محمد بقلبك فتعلم إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من الكتب، يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت، يعني إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله، )  وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ( يقول : وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه، فتركوا أمر الله واتبعوا أمر
الشيطان.
) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ ( يعني بذلك ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ ( هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، وإلى الرسول ليحكم بيننا ) رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ ( يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم ، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم ا- هـ.
وقال ابن كثير في التفسير: هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد، وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا. وقوله:) يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ( أي يعرضون عنك إعراضاً كالمستكبرين عن ذلك ا- هـ.
وقال عبد الرحمن السعدي رحمه الله: فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك ا- هـ.
مما تقدم يتبين لنا أن التحاكم إلى الطاغوت يتحقق، وتتحقق تبعاته وأحكامه من خلال الصفات التالية:
أولاً: وجود السلطة أو السلطان المسلم القادر على الحكم بما أنزل الله، وإلزام المتحاكمين بنتائج الحكم .. وكان ذلك متمثلاً بشخص النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ثانياً: العدول والإعراض عن الحكم بما أنزل الله رغم وجود السلطان المسلم الذي يحكم به .. إلى حكم الطاغوت المخالف لشرع الله تعالى.
ثالثاً: إرادة التحاكم إلى الطاغوت حراً واختياراً ورضاً به .. وتقديمه على الحكم بما أنزل الله تعالى المتاح والمتوفر له .. والمتيسر التحاكم إليه.
رابعاً: الصد عن التحاكم إلى ما أنزل الله تعالى .. فإذا توجهوا أو وجِّهوا إلى التحاكم بما أنزل الله .. صدوا وامتنعوا وصدوا غيرهم وخصومهم .. وأرادوا التحاكم إلى الطاغوت!
من تحققت فيه هذه الصفات التي دلت عليها الآية الكريمة أعلاه .. ودل عليها أقوال
المفسرين الوارد كلامهم أعلاه .. هو الذي يُحكم عليه بأنه يريد أن يتحاكم إلى الطاغوت .. وهو الذي يطاله حكم التحاكم إلى الطاغوت .. ويُدمَغ بالكفر والخروج من الملة، ولا كرامة[[3]].
أما في حال غياب المحاكم الشرعية .. وغياب السلطان المسلم الذي يفصل بين العباد بالحكم بما أنزل الله .. والقادر على إنفاذ حكم الله تعالى في المتخاصمين المتنازعين .. وغياب الرضى بحكم وشرائع الطاغوت .. وإضمار الكراهية والبغض لها .. والكفر بها .. وإضمار المحبة لحكم الله تعالى وشرعه .. ثم بعد ذلك لو حصل نوع تحاكم إلى تلك المحاكم الوضعية القائمة والمُشْرَعة في بلاد المسلمين وغيرها .. أو حصل نوع تحصيل للحقوق أو نوع دفع للمظالم عن طريق غير المسلمين .. تحت ظروف الإكراه .. والتقية .. والضرورة .. ومن قبيل دفع الضرر الأكبر .. ودفع الظلم والأذى عن النفس والعِرض، والمال .. وتحصيل ما يمكن تحصيله من الحقوق المغتصبة التي لا يمكن تحصيلها إلا من خلال هذا الطريق .. وعلى قاعدة مالا يدرك جله لا يُترَك كله .. وقاعدة ” ما أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم “، وقاعدة ) إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ (، وقاعدة ) إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ (، وقاعدة ) إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً (، وقاعدة ” الضرورات تبيح المحظورات “، وقاعدة ” لا ضرر ولا ضرار .. والضرر يُزال “، وقاعدة ) يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (، فمن كان كذلك .. لا يمكن شرعاً، ولا عقلاً، ولا لغة .. أن يُوصَف بأنه ممن يعرضون عن الحكم بما أنزل الله ويريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت .. ومن ثم يُحمَل عليه حكم الذي يتحاكم إلى الطاغوت .. ومن يأبى إلا أن يفعل ويُغامر ـ لزمه ولا بد ـ تكفير جميع المسلمين في الأرض الذين يعيشون واقع غياب الحكم بما أنزل الله، وغياب المحاكم الشرعية الظاهرة المتمكنة القادرة على أن تفصل فيما بين العباد بالحكم
بما أنزل الله .. ولا يفعلن ذلك إلا من هان عليه دينه .. وكان خارجياً جلداً!
ثم أن الإسلام جاء بدفع الظلم، وإنصاف المظلوم .. وأطر الظالم إلى الحق .. وتحصيل الحقوق لأصحابها .. فإن تعسر ذلك على يد المسلم .. وتحقق على يد غيره .. لا حرج منه، فكما أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها كان أحق بها .. كذلك الحق، والعدل، وإنصاف المظلوم من الظالم .. فحيثما وُجِد ذلك ـ وأيّاً كان صاحبه ـ باركه المسلم وأيده ورضيه .. وإن جاء ذلك من جهة غير المسلمين .. وأينما وجد الباطل، والظلم، والعدوان، وبغي الظالم .. عارضه المسلم، وأبغضه، وردّه، ولو جاء ذلك من جهة المسلم، كما في الحديث:” واشهدوا على المحسن ـ أيَّاً كان هذا المحسن ـ بأنه محسن، وعلى المسيء ـ أيَّاً كان هذا المسيء ـ بأنه مسيء “[[4]].
وقال تعالى:) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل:90.
وقال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المائدة:8. وقال تعالى:) وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى (الأنعام:152.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ” فقال رجل: يا رسولَ الله، أرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال:”  تحجزه، أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ” البخاري. وفي رواية:” تأخذ فوق يديه “.
وقال رجل: يا رسولَ الله ما العصبيّة؟ قال:” أن تُعين قومَك على الظلم “[[5]]. ومن إعانة الظالم على الظلم أن تسكت على ظلمه وأنت قادر على منعه وإيقافه، ولو كان ذلك بالاستعانة بغيرك، وكان هذا الغير من غير المسلمين.
وقال صلى الله عليه وسلم:” من نصَرَ قومَه على غير الحق فهو كالبعير الذي رُدِّيَ فهو يُنزَعُ بذنبه “[[6]].
أخرج البخاري في الأدب المفرد، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” شهدت مع عمومتي حِلف المطيبين، فما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم “[[7]].
قال ابن الأثير في النهاية: اجتمع بنو هاشم، وبنو زهرة، وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية، وجعلوا طيباً في جفنة، وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فسُموا المطيبين ا- هـ.
قلت: رغم أن هذا الحلف تتوفر فيه عناصر الحكم والتحاكم من فضٍّ للنزاعات بين الظالم والمظلوم، وأن القائمين على هذه المهمة كانوا من كبار المشركين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثنى عليه خيراً، وما أحب أن ينقضه ولو بحمر النعم؛  لقيامه على معنى صحيح لا يتعارض مع شرع الله، وهو إنصاف المظلوم من الظالم.
ونحو ذلك موقف الصحابة مع النجاشي يوم أن كان حاكماً كافراً ـ قبل أن يُسلِم ـ وهو يُحاكم الصحابة ويُسائلهم، وهم يُدافعون عن أنفسهم ودينهم بالحجة والبيان حتى لا يُسلمهم ثانية إلى كفار قريش .. ومن خلال مراجعة القصة بكل طرقها وتفاصيلها .. وأسانيدها الصحيحة .. نجد أن الموقف تتوفر فيه جميع عناصر المحكمة والمحاكمة .. محكمة .. وحاكم كافر متمثل في النجاشي، وذلك قبل أن يُسلم .. ومحاججة ومرافعة أكثر من مرة أمام الملك من قبل مندوبي وممثلي كفار قريش والممثلين بعمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة .. وطرف الصحابة يمثلهم في الحديث أمام الملك جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه .. ومن ثم إصدار قرار من قبل الحاكم يقضي بعدم تسليم الصحابة إلى كفار قريش .. ومع ذلك لم يقل أحد .. ولا يجرؤ أحد أن يقول: أن الصحابة بفعلهم هذا قد تحاكموا إلى الطاغوت .. حاشاهم!
ونحو ذلك موقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما قصد حراً مختاراً الوقوف أمام ملك التتار قازان، وبعض أمراء جنده قطلوشاه، وبُولاي .. وهو يُحاججهم ويراجعهم ويُطالبهم بإطلاق سراح من عندهم من الأسرى؛ سواء منهم المسلمين، أو الذميين من أهل الكتاب .. وقد نال فعله هذا الاستحسان والرضى من قبل جميع علماء عصره، وإلى زماننا هذا .. ولم يقل أحد بأنه ـ بفعله هذا ـ قد تحاكم إلى الطاغوت .. حاشاه!
وكذلك مراسلته لملك قبرص النصراني ” سرجواس “، وهو يتلطف معه في الخطاب، يرغبه
بالإحسان إلى من عنده من أسرى المسلمين .. فما عد أحد ذلك من ضروب التحاكم إلى الطاغوت .. ولو أردنا أن نحصي المواقف لعلمائنا المشابهة لموقف شيخ الإسلام مع قازان، وسرجواس .. لطال
بنا المقام، وفيما تقدم عظة، وعبرة لمن أراد الاعتبار!
فليس كل من قصد مجالس ومحاكم الطغاة يكون قد تحاكم إلى الطاغوت .. فهناك من يقصدهم ليقول حقاً، وليسترد حقاً، ويُبطل باطلاً، ويخزي ظالماً .. وينصف مظلوماً .. وقد يكلفه ذلك حياته .. فهذا وأمثاله لا يجوز أن يُقال عنه: أنه قد تحاكم إلى الطاغوت أو أنه ممن يريدون التحاكم إلى الطاغوت .. بل لو قُتِل بسبب موقفه هذا فهو شهيد، كما في الحديث:” سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله “[[8]]. وقال صلى الله عليه وسلم:” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر “[[9]]. وكلمة الحق هذه قد تكون تحصيل حق، أو دفع ظلم .. أو إنصاف مظلوم .. فليس كل وقوف أمام سلطان جائر يعني بالضرورة الرضى به وبجوره .. وحكمه الظالم .. ويعني التحاكم إلى الطاغوت .. كما يصور البعض!
فإقرار الظلم .. والرضى بالظلم .. والذل والدنية .. والسكوت على الظلم والظالمين .. والتغاضي عنهم وعن عدوانهم وسطوهم على الحقوق والحرمات .. بحجة أنه لا يوجد الحاكم المسلم القادر الذي يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم .. وبالتالي لا يجوز الانتصاف للحقوق والمظالم عن طريق غير المسلم إن وجد .. ولينتظر المسلمون ـ الذين يتجاوز تعدادهم المليار ونصف المليار نسمة ـ مائة عام أخرى حتى يأتي أو يظهر الحاكم المسلم الذي من خلاله ننتصف للحقوق .. وندفع الظلم .. وإلى أن يظهر هذا الحاكم .. على الأمة بمئات ملايينها أن تلتزم الصمت والصبر على مظالمها وحقوقها التي تغتَصب ويُعتدى عليها .. من قبل الكفار والفساق سواء .. ولا يجوز لهم غير ذلك .. وإلا يكونون قد تحاكموا إلى الطاغوت .. وطالهم حكم المتحاكم إلى الطاغوت! 
أقول: هذا القول ـ الذي يقول به البعض! ـ ليس من حكم الله تعالى ولا شرعه في شيء .. وهو واقع لا يرضاه الله تعالى لعباده .. ولا يرضاه النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأمته، قال تعالى:) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (الشورى:39. ينتصرون لدفع البغي عنهم بما يستطيعون، سواء عن طريق أنفسهم أو عن طريق غيرهم.
وقال تعالى:) لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (النساء:148. فالله تعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول .. والجهر بالسوء من القول ليس من دين الله تعالى .. ولا من حكم الله تعالى .. لكن استثناه الخالق I فأجازه في حالة واحدة فقط؛ في حالة دفع الظلم ورد الظالمين عن بغيهم وظلمهم .. لأن الظلم لا يجوز السكوت عليه!
قال صلى الله عليه وسلم:” كلا والله لتأخذنّ على يد الظالم ولتأطرنّه على الحق أطراً، ولتقصرنّه على الحق قصراًً “[[10]]. هذا هو الأصل، وهذا هو حكم الله تعالى؛ أن لا يدع الناس الظالم يهنأ بظلمه ـ تحت أي ذريعة كانت ـ بل يأطرونه صاغراً على الحق أطراً.
وقال صلى الله عليه وسلم:” إن الناسَ إذا رأوا الظالمَ، فلم يأخذوا على يديه أوشكَ أن يعمهم الله بعقاب منه “[[11]]. وقوله صلى الله عليه وسلم ” إن الناسَ “؛ عام وشامل لكل الناس؛ كافرهم ومؤمنهم، فسنة الله تعالى في عباده أن يأخذهم بعقاب من عنده إن لم يأخذوا على يد الظالم بالزجر والنهي، فينتصفوا منه لضحاياه من المظلومين .. فالظلم والسكوت على الظلم يدع الديار بلاقع!
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي، فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:” يا عبادي إنّي حرمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ” مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:” اتقوا الظلم ما استطعتم “[[12]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيد ” متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دون دمه فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دون أهلِه فهو شهيد “[[13]]. وفي رواية:” من قُتِل دون مظلمته فهو شهيد “[[14]].
وقوله صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِلَ دون …”؛ أي من قُتِل دفاعاً عن ماله ومظلمته ودينه … ولا يستلزم من ذلك أن يُباشر القتال، أو أن يُقتَل بعد قتال، فقد يُقاتل وقد لا يُقاتل، وقد لا تسمح له ظروفه وقدراته سوى أن ينتصر لحقه ومظالمه إلا بالكلام، والمحاججة والمرافعات .. فيضيق الظالم به ذرعاً فيقتله .. فهذا في دين الله وحكم الله تعالى شهيد، فضلاً عن أن نعتبره من المتحاكمين إلى الطاغوت!
وكلنا يعلم قصة جد النبي صلى الله عليه وسلم عبد المطلب لما وقف أمام الطاغية أبرهة لما هم الآخر بهدم
البيت الحرام .. فاقتصر عبد المطلب على المطالبة بماله وإبله .. ولما عاب عليه الطاغية ذلك؛ إذ كيف يسأله بأن يرد له ماله وإبله، ولم يسأله أن يُمسك عن هدم بيت الله الحرام، فقال عبد المطلب مقولته المشهورة:” إنّي أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه “.
والشاهد لم يُعرَف عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فيما بعد ـ ولا عن أحد من الصحابة .. ولا أحد بعدهم من أهل العلم .. قد عاب على عبد المطلب فعلته أو عدّ فعله من التحاكم إلى الطاغوت لمجرد أن سأله أن يرد له ماله وإبله ..!
ويُقال كذلك: قد جاءت الشريعة بإزالة الضرر، والمنكر .. وأن الضرر يُزال لذاته لأنه ضرر، فإن تعثرت إزالته عن طريق المسلم .. ولم يُوجد سبيل لإزالته واستئصاله إلا عن طريق الكافر أُزيل .. ولا يُقال لا نُزيله لأن المزيل له كافر .. كالمريض الذي يُعالج على يد طبيب كافر عند تعثر وجود الطبيب المسلم .. فلا يُقال له: لا يجوز أن تزيل مرضك؛ لأن المزيل له كافر .. وبالتالي يجب أن تبقى مريضاً .. وكذلك المُنكر يُنكَر .. يجب أن يُنكر، فإن تعثر إنكاره عن طريق المسلم .. وقدر غيره على إنكاره، أُنكِر، ولاقى إنكاره الاستحسان .. ولا يُقال حينئذٍ لا يجوز إنكار المنكر، ولا التعاون على إنكار المنكر، والمنكر يجب أن يبقى؛ لأن المزيل له من غير المسلمين .. فهذا لا يقول به عالم ولا عاقل.
ولتقريب الصورة نضرب المثال التالي: بيت للدعارة في بلد من البلدان .. لا يقدر المسلمون على منعه وإغلاقه بأنفسهم .. ثم أنه لا ينفع مع صاحب دار الدعارة كلمة ولا موعظة .. ولا نصيحة .. وكان من قوانين تلك البلدة منع دور الدعارة .. والناس بمجرد إبلاغهم وشكواهم للشرطة المحلية عن دار الدعارة هذا .. يتم إغلاقه مباشرة .. وصرف شره وأذاه عن الناس.
مثال آخر: تاجر للحشيش والمخدرات .. يدمر عقول ودين شباب الأمة ورجالاتها بمخدراته .. لا يقدر المسلمون على منعه .. فنصحوه فلم ينتصح .. وحاولوا معه السبل كلها فأبى إلا أن يستمر في غيه وأذاه وضرره .. ثم كان بمجرد رفع شكوى من قبل الناس للشرطة المحلية ضد هذا التاجر المجرم .. يُمنع شره وأذاه مباشرة .. وتُصادر المواد السامة التي يقتل بها عقول ودين العباد ..!
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين يكمن حكم الله تعالى في هذه المسألة ـ ومثيلاتها من المسائل ـ هل تترك دور الدعارة تفعل فعلها الخبيث بالناس .. ويُترك تاجر المخدرات يفعل فعله الخبيث بالناس .. ويعم الفساد والفحشاء والمنكر .. بحجة أن ذلك يُدرج في معنى التحاكم إلى الطاغوت ـ كما يقول البعض! ـ أم أنه يُنكر هذا الفساد والشر .. ويُمنع وإن أدى إلى نوع شكاية
للشرطة المحلية .. وسماه البعض بالتحاكم؟!
فالذي يقول بالقول الأول: أنه لا يجوز؛ لأنه من التحاكم إلى الطاغوت .. فهو كمن يقول على الله ـ وهو لا يعلم ـ أن الله تعالى يأمر بالفحشاء والمنكر والفساد في الأرض والعياذ بالله .. ويُرَد عليه بقوله تعالى:) قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (الأعراف:28. ) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل:90. ) وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (البقرة:205. وإنما الذي يأمر بالفحشاء والمنكر هو الشيطان الرجيم، كما قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ (النور:21. وقال تعالى:) وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ . إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (البقرة:168-169.
فإن عُلِم ذلك، عُلِم بالضرورة أن الحق المطابق لحكم الله تعالى هو الخيار الآخر، لقوله تعالى:) وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (المائدة:2. وقوله تعالى ) وَتَعَاوَنُواْ (؛ يتضمن تعاون المسلمين فيما بينهم بعضهم مع بعض، وتعاونهم مع غيرهم إن كان ذلك ممكناً .. المهم في هذا التعاون أن يكون شرطه التعاون على البر والتقوى والصلاح .. ولا شيء غير ذلك .. ثم أن مثل هذا التعاون لو تحقق بشرطه .. لا يجوز شرعاً ولا عقلاً ولا لغة ـ وتحت أي مسمى أو زعم ـ أن يُدرَج في خانة التحاكم إلى الطاغوت!
شبهة ورد: قد يقول قائل ـ وقد قِيل ـ: هل يمكن للكافر المشرك المتلبس بالشرك؛ الظلم الأكبر .. أن يُوصف بالعدل .. أو يُلتمَس عنده العدل أو شيء من العدل .. أو يُنتصف عن طريقه لبعض الحقوق والمظالم .. وهو متلبس بالظلم الأكبر .. وهل يمكن للكافر أن يفعل الحسنات المستوفاة الشروط الشرعية؛ الموافقة والإخلاص .. وهو من جهة فاقد لحسنة التوحيد؛ الحسنة الأعظم والأكبر .. هذا سؤال يرد .. وقد وردنا من جهات عدة .. فلزم الإجابة عنه، والله المُستعان.
فأقول: نعم؛ قد دل العقل والنقل على أن الكافر المشرك يمكن أن يتواجد عنده عدل، ويُمكن أن يُوصف بالعدل .. وممكن أن يأمر بنوع من العدل، كما يمكن أن يأتي ببعض الحسنات المستوفاة الشروط. 
أما دلالة العقل: فإن الأمم والشعوب لا قيام ولا وجود لها من دون حدٍّ أدنى من العدل يقتاتوت ويعتاشون به، ويتراحمون ويتعاطفون ويتعاملون به، أما إذا انتفى عنهم مطلق العدل؛ هذا يعني بالضرورة انتفاء وجودهم، وانهيار دولهم وحضاراتهم .. ولكن لما وجدوا .. وقامت لهم دول وحضارات .. ولا تزال قائمة .. وحصل لهم نوع تمكين وظهور في الأرض .. علمنا بالضرورة أنه يوجد عندهم نوع عدل أو قدر من العدل .. قد يزيد عند بعض الشعوب والدول .. ويقل وينقص عند البعض الأخرى، وعلى قدر ما تزيد من نسبة العدل في دولة من الدول، على قدر ما يُكتب لها البقاء، والظهور، والازدهار .. فهذه قاعدة لا تتخلف، وسنة ماضية لا تُحابي أحداً. 
أما دلالة النقل والنص، فقد قال تعالى:) فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (التوبة:7. دلت الآية أن الكفار يمكن أن يستقيموا في عودهم فلا يغدرون .. والاستقامة في العهود من العدل.
وقال تعالى:) وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (الأنعام:88. أي ) مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( من الحسنات .. وما سيعمولنه من الحسنات بعد أن وقعوا في الشرك، من غير جهة الشرك .. فإن الله تعالى سيبطله ويحبطه؛ لأنه لا يُقبَل عمل صالح ولا طاعة مع التلبس بالشرك الأكبر، كما قال تعالى:) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ( صالح ) فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً (الفرقان:23. فلا ينتفعون منه يوم القيامة في شيء؛ لتلبسهم بالشرك الأكبر .. والشاهد أن الكافر يمكن أن يعمل عملاً صالحاً، وأن يقوم ببعض العدل الذي يُكافأ عليه في الدنيا دون الآخرة.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن الله لا يظلم مؤمناً حسنةً يُعطى بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها ” مسلم. فدل الحديث أن الكافر يمكن أن يقوم ببعض الحسنات ـ من غير جهة الشرك ـ يبتغي بها وجه الله .. لكن يُجزى عليها خيراً في دنياه دون الآخرة.
وعن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي رسولَ الله، أرأيت أموراً كنت أتحنَّث بها ـ أي كنت أتعبّد وأتقرب بها إلى الله ـ في الجاهلية؛ من صدقة أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أسلمت على ما أسلفتَ من خير ” مسلم. فدل أن الكافر المشرك يمكن أن يقوم ببعض الأعمال والطاعات .. والتي منها ما يدخل في معنى ومسمى العدل. 
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الملك النجاشي ـ وذلك قبل أن يُسلم ـ:” إن بأرض الحبشة مَلِكاً لا يُظلَمُ أحدٌ عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعلَ الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه “[[15]].
وقال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يخاطب الملك النجاشي ـ وذلك قبل أن يُسلم ـ:” واخترناك على من سواك ورجونا أن لا نظلَم عندك .. “.
ومن رواية أم سلمة رضي الله عنها للحديث، تقول:” لما نزلنا بأرض الحبشة؛ جاورنا بها خير جارٍ؛ النجاشي، أمَّنَّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نُؤذَى …”.  
فدل أن الحاكم الكافر يمكن أن يُوصَف بالعدل .. ويمكن أن يلتزم بالعدل .. ويحكم بالعدل .. ويفعل العدل .. ويُطلَب منه العدل .. وإن كان عدله ناقصاً بسبب كفره وشركه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتن ـ يعني أسرى بدر من المشركين ـ لأطلقتهم له ” البخاري. علماً أن المطعم بن عدي كان مشركاً، ومات على الشرك .. لكنه قد آوى وأجار النبي صلى الله عليه وسلم أيّاماً من أذى كفار قريش .. فلم ينسها له النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يُكافئه على حسنته بخير منها لو كان حياً .. فدل أن الكافر يُمكن أن يُجير المسلم ممن ظلمه، واشتد عليه ظلمه .. ويمنع عنه ظلمهم .. وهذا من العدل، ومن أسمى معاني العدل .. لا يمكن ولا يجوز أن يُدرج في خانة التحاكم إلى الطاغوت كما يفعل الغلاة الظالمون!
قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص، سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:” تقومُ الساعةُ والرومُ أكثرُ الناس “. فقال له عمرو: أبصِر ما تقول؟ قال: أقول ما سمعت من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال عمرو بن العاص:”  لئن قلت ذلك إنّّ فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلمُ الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيمٍ وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك ” مسلم. وهذه الخصال التي ذكرها فيهم عمرو بن العاص على وجه الإعجاب والاستحسان؛ هي خصال إيجابية حضارية لها دور كبير في قيام ونهضة وتحضر الأمم والشعوب ـ وبخاصة منها الخصلة الرابعة والخامسة ـ بها قد ساد القوم في هذا الزمان .. وحكموا البلاد والعباد .. وبها يتباهون على من سواهم من الشعوب، بخاصة شعوب الشرق الأوسط العربي!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 28/146: أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يُقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويُقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:” ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم “؛ فالباغي يُصرَع في الدنيا وإن كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة ا- هـ.
وعليه فإني أقول: اعلم أن الظلم أنواع وأقسام .. أشده وأعظمه وأغلظه الشرك بالله، كما قال تعالى:) ِإنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (القمان:13. وهذا النوع من الظلم خاص بالمشركين مقصور عليهم دون غيرهم .. لا يغفره الله تعالى، كما قال عز وجل:) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (النساء:48.
وقسم آخر من الظلم؛ ظلم المرء لنفسه فيما بينه وبين ربه .. وظلمه لغيره .. وهذان النوعان من الظلم الناس فيهما شركاء، الكفار والمسلمون .. فمنهم المكثر ومنهم المقِل، لذا قد جاء في الحديث:” الظلم ثلاثة: فظلم لا يتركه الله، وظلمٌ يُغفَر، وظلم لا يُغفر، فأمَّا الظلم الذي لا يُغفر؛ فالشرك لا يغفره الله، وأما الظلم الذي يُغفر؛ فظلم العبد فيما بينه و بين ربه، و أما الظلم الذى لا يُترك؛ فظلم العباد، فيقتص الله بعضهم من بعض “[[16]].
وكذلك يُقال في العدل، فإنه أنواع وأقسام: أعلاه، وأجله، وأعظمه التوحيد، فمن حقق في نفسه التوحيد كان من الناجين يوم القيامة، وهذا النوع أو القدر من العدل خاص بالمؤمنين المسلمين مقصور عليهم دون غيرهم .. وقسم آخر من العدل؛ هو عدل المرء مع نفسه .. وعدله مع غيره؛ فيعاملهم بالعدل من دون ظلم ولا بغي ولا عدوان .. وهذان النوعان من العدل الناس كلهم شركاء فيهما الكافر والمؤمن .. فمنهم المكثر ومنهم المقل والمقصر .. ويزيد الله تعالى من فضله من يشاء.
فإذا اتضح لك ـ أيها القارئ ـ هذا التقسيم الآنف الذكر أعلاه اتضحت لك المسألة، وسهل عليك فهمها .. وذهب عنك الإشكال حولها، بإذن الله.   
ـ خلاصة القول:
اعلم أن الإنسان ـ أي إنسان ـ بطبعه مخلوق اجتماعي، يتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه، بيعاً وشراء، ومعاملة، وتزاوجاً .. لا يمكن أن نلزمه العيش في عزلة تمنعه من الاحتكاك بالناس .. أو الضرب في الأرض من أجل الكسب والعيش .. ولو استطعنا أن نلزم نفراً أو أنفاراً .. فإننا لا نستطيع أن نلزم أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين بهذا الخيار القاهر والمستحيل .. وما أعسره من خيار .. وبالتالي لا بد من أن تحصل فيما بين الناس بعض المشاكل .. والمظالم .. والانتهاكات للحقوق والحرمات .. ويحصل بعض الظلم والعدوان من فريق على آخر .. وهذا يحتم عليهم ـ ولا بد ـ البحث عن قضاء قوي مُهاب يرجعون إليه، قادر على الفصل بينهم فيما يتنازعون ويختلفون فيه .. ومن جهة أخرى فإننا نعيش ـ وللأسف ـ في جل الأمصار والدول ـ إن لم يكن كلها ـ غياب الحكم بما أنزل الله .. وغياب السلطان المسلم ذا الشوكة والمنعة الذي يحكم بما أنزل الله، والقادر على إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم من الظالم وفق شرع الله .. وبالتالي فإن أحكام وشرائع الطاغوت هي التي تجري على الناس بالقوة، والناس محكومون بها شاؤوا أم أبوا، اعترفوا بها أم لم يعترفوا .. أحبوها أم أبغضوها وكفروا بها .. احتكموا إليها أم لم يحتكموا .. فهي محيطة بهم على مدار الوقت إحاطة السور بالمعصم .. وهذا من جملة ضرائب غياب دولة الإسلام التي تحكم بالإسلام .. وضرائب خذلان الناس للجهاد والمجاهدين والعاملين المخلصين من أجل قيام دولة الإسلام .. هذا واقع نعيشه ونكابده .. لا يمكن أن نتجاهله أو نغض الطرف عنه عندما نستشرف الحديث عن مسألة كبيرة بحجم مسألتنا هذه!
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نتعامل مع هذا الواقع الأليم .. كيف يسترد الناس حقوقهم .. وينتصفون لمظالمهم .. هل يكفي أن نقول لهم: اسكتوا على حقوقكم ومظالمكم مائة سنة أخرى .. حتى ينزل أو يأتي الحاكم المسلم .. أو حتى تقوم الدولة الإسلامية .. ولا يجوز لكم ـ قبل ذلك ـ أن تنتصفوا لحقوقكم ومظالمكم مهما كان نوعها وحجمها عن طريق غير المسلمين .. كما يقول البعض! .. فنسلط بذلك عليهم الكفار والفساق، وقطّاع الطرق؛ لعلمهم أن المسلمين لا بواكي لهم؛ فلا هم قادرون على إنصاف أنفسهم بأنفسهم .. ولا هم يقصدون غيرهم لإنصافهم .. أم أن هناك توجيهاً آخر يمكن اللجوء إليه؟
أقول: من خلال مجموع ما تقدم يتبين لنا أن المسألة لها توجيه آخر .. أوجزه في النقاط التالية:
1- من أعرَض عن حكم الله تعالى، وعدَل عنه ـ رغم قيام المحاكم الشرعية التي تمثله، ورغم وجود السلطان المسلم الذي يحكم به، والقادر على إلزام الخصوم بحكمه ـ إلى حكم غيره؛ إلى حكم الطاغوت .. فهذا يكون ممن تحاكموا إلى الطاغوت .. وأرادوا أن يتحاكموا إلى الطاغوت .. ويُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت، ألا وهو الكفر.
2- من أقبل على حكم وشرائع الطاغوت المضاهية لشرع الله تعالى، مستحسناً لها، أو راضياً بها .. أو مقبحاً لحكم الله تعالى وشرعه، صاداً عن التحاكم إليه .. فهذا أيضاً يكون قد تحاكم إلى الطاغوت .. وممن أرادوا التحاكم إلى الطاغوت .. ويُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت، ألا وهو الكفر. 
3- من كان قادراً على الانتصاف لحقوقه ومظالمه بالطرق الشرعية .. وفق أحكام شرع الله تعالى .. وكان ذلك متيسراً له .. من دون اللجوء إلى المحاكم الطاغوتية .. ثم يأبى إلا اللجوء إلى المحاكم الطاغوتية، وإلى حكمهم وشرائعهم المضاهية لشرع الله تعالى .. فهذا أيضاً يكون قد تحاكم إلى الطاغوت .. وممن أرادوا التحاكم إلى الطاغوت .. ويُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت، ألا وهو الكفر، لقوله تعالى:) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (التغابن:16. وقال تعالى:) لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا (البقرة:286. وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ” مسلم. وهذا قادر مستطيع لكنه بإرادته لم يفعل ولم ينصع لحكم الله تعالى وشرعه .. وأبى إلا أن يحتكم إلى الطاغوت، وبالتالي فإن الوعيد يطاله. 
4- إذا تنازع شخصان على أمرٍ ما فكان أحدهما مبغضاً لحكم الطاغوت، راغباً في أن يحتكم فيما تم فيه النزاع إلى شرع الله تعالى .. لكن الآخر أبى عليه إلا أن يأخذه إلى المحاكم الوضعية، ليحاكمه بغير حكم الله تعالى .. فالوزر على الآخر، والأول لا يطاله شيء بإذن الله تعالى.
5- ليس كل انتصاف لحق، أو انتصار لمظلوم من ظالمه عن طريق غير المسلمين ـ وإن أخذ صورة المحاكمة ـ يُسمى تحاكماً إلى الطاغوت .. أو يجوز أن يُحمَل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت!
فإن قيل: ماذا نسميه ..؟
أقول: سموه ما شئتم؛ سموه الانتصار للحق .. أو الانتصار للمظلوم من الظالم .. أو إنصاف المظلوم من الظالم.
6- في حال حصول نوع مراجعة أو محاكمة في المحاكم الوضعية .. لا يجوز لصاحب الحق أن
يُطالب بأكثر من حقه، كأن يُطالب بإنزال عقوبات غير شرعية لا يستحقها ظالمه .. فحينئذٍ يكون كمن واجه ظلماً بظلم!
فإن قيل: ولكن المحكمة الوضعية ذاتها قد تنزل به عقوبات من طرفها؛ وهو ما يسمونه بالحق العام؟
أقول: هذا شأنهم .. هم يتحملون وزر قوانينهم .. المهم أن لا يكون للمسلم صاحب الحق دوراً في إنزال مثل هذه العقوبات غير الشرعية بحق مخالفه وظالمه، كما لا ينبغي أن يكون له دور في عدم معاقبته مطلقاً ـ فهذا أيضاً قد لا يكون موافقاً لحكم الله تعالى ـ وإنما يدعه والقوم تبكيتاً له، وحتى لا تُطاوعه نفسه على الظلم والعدوان ثانية، والله تعالى أعلم.
7- ليس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي يتم عن طريق غير المسلمين، أو بمساعدة غير المسلمين يجوز أن يُسمى تحاكماً إلى الطاغوت، أو يُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت!
8- العدل الذي يباركه الله تعالى، ويباركه رسوله صلى الله عليه وسلم .. لو جاء أو صدر عن طريق غير المسلمين ـ ولو بصورة حاكم ومحكمة ـ لا يجوز أن يُسمى أو يُدرج في خانة التحاكم إلى الطاغوت، أو يُحمل عليه حكم التحاكم إلى الطاغوت، وذلك أن العدل محمود ومطلوب لذاته أيَّاً كان صاحبه أو كان مصدره.
9- التحاكم إلى المحاكم الشرعية في الدول والأنظمة الطاغوتية، في مسائل الأحوال الشخصية، والإرث، التي تلتزم بأحكام الشريعة .. على ما يبدر منها من أخطاء وبعض المظالم .. لا يجوز أن يُحمَل عليها، وعلى من يحتكم إليها صفة وحكم التحاكم إلى الطاغوت!
10- الرجوع إلى المحاكم الوضعية وسجلاتها في المسائل الإدارية التنظيمة التي لا تُضاهي ولا تُخالف شرع الله تعالى، كتسجيل العقارات في سجلاتهم لتثبيت ملكيتها، أو تسجيل النفوس أو الزواج أو الطلاق في الدوائر الحكومية المختصة، للحصول على بقية الحقوق المدنية الضرورية للإنسان في هذا العصر .. كالبطاقة الشخصية، أو جواز السفر ونحو ذلك .. فهذه الأمور ومثيلاتها من الأمور التنظيمية الإدارية .. لا حرج فيها إن شاء الله، الأصل فيها الإباحة ما لم تتعارض مع تعاليم ومبادئ الشريعة.
يقول الشنقيطي في أضواء البيان ( 4/84): اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السماوات والأرض ، وبين النظام الذي لايقتضي ذلك.
          وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري، وشرعي. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم. وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر، وكاشترائه ـ أعني عمر رضي الله عنه ـ دار صفوان بن أمية وجعله إيَّاها سجناً في مكة  المكرمة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجناً هو ولا أبو بكر. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به، كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة ا- هـ.
          11- إن كان الضرر محتملاً نرى من العزيمة والتقوى ـ إن أمكن ـ اجتناب واعتزال المحاكم الوضعية، والامتثال أمام الحاكم الكافر في محاكمهم ..  وهذا أمر نستحسنه ـ وبخاصة بحق الخواص والأعلام من أبناء الأمة ـ ولا نلزم به مجموع الأمة، للضرر العام الكبير المترتب على ذلك، والمسألة مرتبطة بنوع وحجم الحق المغتصب، والذي يُراد تحصيله .. فلا يُعقل أن يقال لمن خُطِف له ولده لا يجوز لك أن تشتكي إلى الشرطي الكافر ـ أو الحاكم الكافر فلا فرق ـ لتسترد إليك ولدك من خاطفيه لأن هذا نوع من التحاكم إلى الطاغوت .. ونعتبر حال هذا ـ في اللجوء إلى محاكم القوم ـ كحال من يُسرَق له مثلاً بعض الدراهم التي لا تُشكل له ذلك الضرر الكبير!
          12- ما تقدم لا يبرر القعود عن العمل والجهاد من أجل قيام دولة الإسلام التي تحكم العباد بشرع رب العباد .. بل يحتم على الأمة مزيداً من العمل والجهاد، والبذل والعطاء من أجل قيام دولة الإسلام .. والتي يرتبط بقيامها القيام بكثير من الواجبات الشرعية، والتي منها وجود السلطان المسلم المهاب الذي يحكم بين العباد بما أنزل الله .. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
          هكذا أرى توجيه المسألة .. وهكذا أرى الجواب عنها .. فإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وإن أصبت فمن الله تعالى وحده، وله الحمد والمنة والفضل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي ” 
13/11/1430 هـ. 1/11/2009 م.
 

 


 

 


[1]  أُفاجأ أحياناً أن كثيراً من الأسئلة التي تُطرَح على منبر ” التوحيد والجهاد ” حول هذا الموضوع قد سبق أن طُرِحت علي بنفس الكلمات ونفس الصيغة .. وربما تكون قد طُرِحت على غيري، وغير المنبر .. مما يجعلني ـ آسفاً ـ أن أضع إشارة استفهام حول دوافع السائلين .. وما يسعون إليه؟!
[2]  اتصلت بي إحدى النساء لتخبرني أن زوجها ـ وهو ممن يتبنون المذهب المتشدد في المسألة، ويُروّجون له،
ويجنحون إلى الغلو في التكفير ـ يعتدي على طفلها من رجل آخر بفعل اللواطة .. وهو مستمر في عدوانه .. والطفل يكاد يُقتَل بين يديه .. ثم هو يهددها أنها لو أخبرت عنه للشرطة المحلية .. أنها تكفر بذلك، لأنها تكون قد احتكمت إلى الطاغوت، وبالتالي سيطلقها لأنها لم تعد تحل له .. فالمرأة تسأل ماذا تفعل .. وما مدى صحة كلام زوجها الخبيث .. علماً أنه لا توجد جهة تقدر على ردعه وإيقافه عن جريمته النكراء إلا شرطة البلد التي تنتمي إليها المرأة … نعم هذا حدَث .. ويحدث مثله وغيره .. ومما هو أسوأ منه .. الكثير الكثير .. فتأمّلوا!
[3]  وعليه ينبغي أن يُحمل ويُفسر كلام أهل العلم، علماء نجد وغيرهم، الذين تكلموا في كفر من يتحاكم إلى الطاغوت .. منهم كلام الشيخ سليمان بن سمحان في الدرر السنية الذي يتناقله بعض الإخوان، وهو قوله:” فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر وخيّرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت ” ا- هـ. ينبغي أن يُحمَل على التحاكم بمعناه الذي بيناه؛ بقيوده وشروطه الآنفة الذكر أعلاه .. مع تسجيل تحفظي على مدى صحة ودقة إطلاق الشيخ ابن سمحان .. الذي يفيد ظاهره عدم مراعاة ولا استثناء ظروف الإكراه، والتقية، والضرورات .. وحدود الاستطاعة التي عليها مناط التكاليف الشرعية .. وغير ذلك من قواعد الإسلام .. وهذا ما لا نوافقه عليه .. كما سيظهر ذلك للقارئ بوضوح من خلال بحثنا هذا، إن شاء الله.
[4] رواه الطبراني، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 457.
[5] أخرجه أبو داود، وسكت عنه، وحسنه ابن حجر في تخريج المشكاة، وكذلك ابن مفلح في الآداب الشرعية 1/60.
[6]  صحيح سنن أبي داود: 4270.
[7]  صحيح الأدب المفرد: 441.
[8]  رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491.
[9]  رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 491.
[10]  رواه أبو داود: 3047، وسكت عنه.
[11]  رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه،  صحيح الجامع: 1973.
[12]  رواه أبو يعلى، وأحمد، والطبراني، صحيح الترغيب والترهيب: 2221.
[13]  صحيح سنن الترمذي: 1421.
[14]  رواه النسائي،  صحيح الترغيب: 1413.
[15] أخرجه البيهقي في السنن، السلسلة الصحيحة: 3190.
[16] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 1927. 
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.

  1. Unknown says

    الصواب: وعودهم.أَمِنَّا

  2. Unknown says

    الصواب: ثنايا