موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

دروسٌ وعِبَرٌ مستخلَصةٌ من سقوطِ فرعون مصر

0 250

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          في يوم الجمعة، الثامن من ربيع الأول، لسنة 1432 هـ، الموافق 11/2/2011 م ـ بمشيئة الله تعالى وتوفيقه ونصره لأهلنا في مصر ـ يتحطم الوثن، ويتهاوى ويسقط طاغية وفرعون مصر ” حسني اللامبارك “، ونظام حكمه الفاسد الظالم المستبد الذي هيمن على البلاد والعباد لأكثر من ثلاثين سنة .. يسوم الناسَ فيها الكفر، والفقر، والخوف، والذل، والهوان .. حتى كادت مصر ـ أم الدنيا ـ أن تفقد هويتها وهيبتها، ومكانتها بين الأمم والشعوب! 

          وحدث هام جلل كهذا الحدث عايشناه بقلوبنا وهمومنا، وفكرنا على مدار الوقت كله ساعة بساعة، ودقيقة بدقيقة، لا ينبغي أن ينقضي من دون أن نستلهم منه بعض الدروس والعِبر، نستفيد منها لحاضرنا ومستقبلنا .. ولجولاتٍ تالية ـ بإذن الله ـ مع طغاة آخرين، في ميادين وساحات أخرى.
          1- بكامل العرفان والخضوع نسجل أعظم معاني الشكر لله U أن منَّ على أهلنا في مصر بالنصر، والظفر، على طاغية وفرعون مصر .. كما نصر من قبل موسى u ومن آمن معه على فرعون مصر وجنده .. فدبّ فيهم الحياة، وروحَ العِزّة والكرامة، والثأر للحقوق والحرمات .. بعد موت وثُباتٍ زاد أمده على ثلاثين عاماً .. حتى ظن الناسَ الظنون .. فظنوا أن المصريين جثة هامدة لا حراك لها، ولا تقوى على الحراك .. هم أموات الأحياء .. لكن الله يفعل ما يشاء .. يحي من يشاء .. ويُميت من يشاء .. ويعز من يشاء .. ويذل من يشاء .. بيده الخير والأمر .. لا راد لحكمه وأمره، وفضله، قال تعالى:) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (القصص:5.
وقال تعالى:) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران:26. فسبحان من أعز شعب مصر بعد ذل، وأذلَّ الطاغية ” اللا مبارك ” ومن معه من جنده بعد كبر وفساد واستعلاء في الأرض.
فالفضلُ فضله I .. والنصر نصره .. والرمي رميه .. والمشيئة مشيئته ) وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (آل عمران:126. ) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى (الأنفال:17. ) وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (الحشر:2. ) وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (يونس:107.) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (التكوير:29.[[1]].
2- ثم بعد ذلك نسجل شكرنا وتقديرنا للشعب المصري الأبي بعامة، ولشبابهم الأبطال بخاصة، على ما قدموه من جهد، وتضحية، وشهداء .. في ثورتهم المباركة على باطل وظلم وفساد واستبداد الطاغية الهالك ونظامه .. فلهم منا كل حب .. واحترام .. وشكر وتقدير على كل ما قدموه .. وما سيقدمونه .. فتسجيل الشكر لهم واجب، كما في الحديث، قال صلى الله عليه وآله وسلم:” من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله “. وقال صلى الله عليه وآله وسلم:” لا يشكر الله من لا يشكر الناسَ “. فجزاهم الله عنّا، وعن أمة الإسلام خير الجزاء.
3- أبى أن يتهاوى فرعون مصر ” اللا مبارك ” إلا بعد أن أظهر كامل الأخلاق الفرعونية الطاغوتية التي تنطوي عليها نفسه وطبائعه .. فقال نفس الكلمات التي قالها فرعون مصر الأول في زمن موسى u .. مصر أرضاً وشعباً لي ) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الزخرف:51. فأنا مصر ومصر أنا .. لا وجود لمصر من دوني .. ما علمت لكم من إله ومشرع وحاكم ترجعون إليه ـ يا شعب مصر ـ في جميع شؤون حياتكم غيري .. فأنا ربكم الأعلى .. لا أريكم إلا ما أرى .. ولا يجوز لكم أن تروا إلا ما أسمح لكم أن تروه .. ولا أن تسمعوا لأحد غيري، وغير سحرتي وإعلامي  .. تطابقت صفات الكفر والطغيان .. فتطابقت الكلمات والمواقف بين فرعون الأول .. وفرعون مصر الحالي .. ) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (العنكبوت:43.
إنه النموزج من الفراعنة والطغاة .. يظهر ويتكرر في كل زمان ومكانٍ تسمح فيه الشعوب ـ على حين غفلة منها ـ للطاغية أن يستخف بها وبمشاعرها وعقولها، وأن يستعبدهم، ويستملكهم لنفسه وعائلته، كما يستملك أي متاع، كما قال تعالى:) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (الزخرف:54. 
4- من الطبائع الطاغوتية أن الطاغوت ـ مهما رأى من دلالات الإنهيار والسقوط ـ يأبى أن يعترف أو أن يتخلى عن ملكه ونظامه وحكمه .. إلا بعد أن يُسقط ويحرق معه نظامه كله وجميع أفراد حاشيته المقربين .. ففرعون موسى رغم أنه رأى الآيات الباهرات التي آتاه بها موسى u .. ) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ (الأعراف:133. وكان آخرها انفلاق البحر إلى فِرقين .. ) فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (الشعراء:63. وهذه آية لا يعمى عنها إلا من كان أعمى البصر والبصيرة سواء .. ومع ذلك طغيانه منعه من رؤية ذلك فأبى عليه إلا أن يستمر في الطغيان والحرب لله ولرسوله وللمؤمنين .. فاقتحم وجنده وعسكره ووزراؤه البحر .. فأطبق عليه البحر ليكون هو ومن معه من المغرقين .. وهكذا شأن فرعون مصر ” اللا مبارك ” .. ظل يستعلي ويتكبر .. ويأبى أن يسمع لأحدٍ أو أن يرى أمامه .. وما عليه واقع الشعوب الثائرة .. ويستخف بدلالات الإنهيار والسقوط التي ظهرت له .. حتى غرق هو ومن معه من حاشيته المقربين .. وهذا من سفاهته .. ومن حسنات طغيانه؛ حيث أنه أبى أن يرحل .. إلا بعد أن يأخذ معه نظامه كله .. وجميع حاشيته المقربين .. فتستريح البلاد والعباد منهم ـ فكفى اللهُ المؤمنين قتالهم وجهادهم ـ والطاغية من هذا الوجه يستحق منا أن نسجل له الشكر .. فنقول له: شكراً لك يا فرعون مصر ” يا حسني اللا مبارك ” أن رحلت عن مصرنا الحبيبة فأبيت إلا أن تأخذ معك أبناءك، وعائلتك، وجميع عناصر نظامك المقربين!
5- نشوة الطغيان ومتاعه ساعة .. يعقبها ذل، ولعن، وخزي، وعذابٌ إلى قيام الساعة .. ولو سُئل الطاغية ” اللا مبارك ” بعد أن رأى بعينه هذا الكم الكبير من الإذلال والإهانة الموجه إليه من قبل شعبه .. هل رأيت عزاً من قبل .. هل عشت متاعاً من قبل .. هل تذكر رخاء وإسراف القصور .. لأجابك لم أرَ عزاً ولا خيراً قط .. هذا غير الوعيد الشديد الذي ينتظره في القبر . ثم يوم القيامة .. يرى ما قدمت يداه، وما جنى عليه طغيانه، فيقول:) يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً (النبأ:40. فيقع الندم الشديد، ولات حين مندم!
ومع ذلك كثير من الطغاة المعاصرين ممن يرون ما آلت إليه أحوال الطغاة من قبلهم .. وما وضع لهم على ألسنة العباد من لعنٍ وبغض .. تراهم لا يتعظون ولا يعتبرون .. فشهوة حب الرياسة والزعامة، والتسلط، والاستعلاء في الأرض ساعة .. تعمي أبصارهم، وبصائرهم ولو أعقبها خزي وعذاب إلى قيام الساعة .. ليكرروا نفس سنن وسيرة الطغاة الهالكين من قبلهم!
6- الطغاة إخوان في الظلم والطغيان .. على ما بينهم من تنافر وتدابر إلا أنهم على الشعوب المستضعفة تراهم يداً واحدة، وقلباً واحدة؛ بعضهم أولياء بعض .. يأمرون بالظلم والاستبداد .. تفرقهم المغانم .. ويجمعهم ظلم الشعوب .. لمسنا ذلك بوضوح من خلال مواقف بعض طغاة العرب ـ بما فيهم طغاة النظام السعودي ـ حيث كانوا يمارسون صلاحياتهم في الضغط على أمريكا، ودول الغرب .. للسماح للطاغية ” اللا مبارك ” بالبقاء على سدة الحكم أكبر قدر ممكن .. وأن لا يقولوا كلاماً تتقوى به الشعوب المستضعفة على الطاغية ونظامه[[2]].
وفي اعتقادي أن كل نظام عربي وقف مع الطاغية ” اللا مبارك “، في مواجهته لثورة شعبه عليه .. يتحمل قسطاً من المسؤولية عن الدماء البريئة والزكية التي سالت على ثرى وأرض مصر .. ويتحمل قسطاً من المسؤولية عن تأخر سقوط الطاغية ونظامه .. وتأخير معاناة الشعب المصري .. وبالتالي لا بد للشعوب من مساءلتهم ومحاسبتهم على موقفهم هذا!
7- ذكرنا في مقالة لنا سابقة أن معركة الشعوب مع الطغاة وأنظمتهم الفاسدة تنقسم إلى جولتين: جولة ما قبل سقوط الطاغية ونظامه، وجولة ما بعد سقوط الطاغية ونظامه، ونجاح الجولة الثانية مرتبطة بمدى نجاح وإتمام الجولة الأولى .. والجولة الأولى لا يمكن أن نعتبرها قد انتهت وتمت بنجاح إلا بعد زوال الطاغية، ونظامه، وجميع آثاره ومخلفاته، وأدواته، وزوال العقلية الفاسدة، والظالمة والمتخلفة التي كانت تحكم البلاد والعباد .. وعلى الشعوب الثائرة لحقوقها ومظالمها .. أن تتنبه لذلك .. وأن تتحقق من ذلك قبل أن تقطف ثمار جهادهم وثورتهم لصالح طغاة آخرين وهم لا يدرون .. وأحذرهم من الفتور، والدخول إلى الجحور من أول فُتاتٍ يُرمى إليهم من قبل بقايا النظام البائد .. فهذا لا يليق بذوي الثورات الحيَّة التي تنشد الحياة العزيزة الكريمة .. ولو حصل شيء من ذلك علينا أن نتوقع حينئذٍ عودة الطغيان والاستكبار، وظلم الشعوب من جديد! 
8- أيما ثورة تحصل في المنطقة من علامات نجاحها إضافة إلى زوال الطاغية ونظامه: انتزاع الخوف من صدور الناس في المطالبة بحقوقهم، ومحاسبة اللصوص المفسدين أياً كانت مكانتهم، أو كان نوع فسادهم، أو كانت أسماؤهم، وأن يجد المحكوم القدرة على مساءلة ومحاسبة الحاكم إن بدر منه أي تقصير، وأن يجد القدرة على أن يقوله له: من أين لك هذا؟. ومنها أن يتساوى الحاكم والمحكوم في ساحات القضاء، وأن تتاح كامل الفرصة، وبسهولة ويسر أن يقتص المظلوم الضعيف، من الظالم القوي، مع وجود الضمانات الكافية على حماية الضعيف من انتقام القوي. ومنها أن يتساوى أكبر ضابط أمن ومباحث ومخابرات مع أصغر مواطن وأقلهم شأنا ومكانة أمام القضاء وفي الانتصاف للحقوق، وبحيث لا يجد ضابط الأمن أي سلطة أو سبيل على هذا المواطن خارج ما يسمح به قانون العدل. ومنها أن تتاح فرصة الاستفادة من خيرات البلاد لجميع الناس وبالتساوي، وكل بحسب قدراته، ومؤهلاته، ومن دون تفريق بين أحد من الناس. ومنها وجود المقدرة على محاسبة الطغاة المفسدين من رجالات النظام البائد، ومساءلتهم عما فرطوه بحق البلاد والعباد .. هذه أبرز علامات نجاح ثورة الشعوب .. فإن لم يتحقق شيء منها .. فهذا يعني أنه لم يحصل ثورة ولا تغيير يُذكر .. وإنما الشعوب تنتقل من ظلم إلى ظلم، ومن مسرحية غلى مسرحية، وهي تفر من طاغية غلى آخر! 
9- يجب على الشعوب التي تحترم نفسها، وتنشد الحرية من العبودية للعبيد، وتنشد العزة والكرامة، والحياة السعيدة .. أن تنأى بنفسها عن مرحلة تمجيد وتقديس الأشخاص والأفراد .. إلى مرحلة تقديس الأعمال والمواقف وحسب .. وليكن شعارهم: لا تقل لي من أنت .. وابن من تكون .. وإنما قل لي ما هو عملك .. وما هي مواقفك .. وما هو عطاؤك للبلاد والعباد .. فأنت تساوي عملك وعطاءك لا غير، تفعيلاً وترجمة لقوله تعالى:) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات:13. وعملاً وتفعيلاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:” إن أوليائي منكم المتقون مَن كانوا وحيث كانوا “. وقال صلى الله عليه وآله وسلم:” أحبُّ الناسِ إلى الله أنفعهم “؛ أي أنفعهم للناس. وقال صلى الله عليه وآله وسلم:” خيركم من يُرجى خيره، ويُؤمَن شرّه، وشركم من لا يُرجى خيره، ولا يُؤمَنُ شرُّه “. أي خيركم من يُرجى خيره للناس، ويُؤمَنُ شرُّه عنهم، وشركم من لا يُرجى خيره للناس، ولا يُؤمن شره عنهم .. هذا هو المقياس في معرفة الأخيار من الأشرار.
إن إنكفاء الشعوب على مرحلة المديح وتمجيد وتقديس الأشخاص لذواتهم .. لأنهم هم هم .. تورث الشعوب الذل، والجبن، والجهل .. وانعدام الثقة بالنفس .. كما تورث أولئك الأشخاص ـ إن كانوا صالحين ـ الطغيان، والتكبر، والفساد في الأرض .. من هنا جاء نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشديد عن أن يمدح الناس بعضهم بعضاً  .. وأمر بأن نحث في وجوه المداحين المتملقين التراب!
يا أهل مصر .. ذهب فرعون مصر .. فاحذروا أن تصنعوا فرعوناً عليكم من عند أنفسكم بإضفاء القدسية والألقاب والمدائح عليه .. فيعتاد عليها .. وعلى سماعها .. فتحملونه على الطغيان، وعلى الاعتقاد بأنه الرجل الأوحد الذي يصلح لقيادة البلاد والعباد دون غيره، والذي لم تخلق الأمهات مثله .. ومن ثم تحملونه على أن يعاقب كل من لا يطريه ويتملق له بتلك الألقاب، أو يأتي بشيء ضدها .. وحينئذٍ الملام أنتم أكثر من أن يكون هو .. واعملوا بالقاعدة الشرعية الذهبية التي نطق بها السلف من قبلنا:” كلٌّ يخطئ ويُصيب، يُؤخذ منه ويُرَد عليه، يُقال له: أصبت وأخطأت .. عدا النبي المصطفى صلوات الله عليه “.
10- ليعلم الجميع أن مطلب الشعوب من أي عملية تغيير هو شيء واحد؛ ألا وهو ” العدل “؛ العدل في الحكم وميادين القضاء، العدل في المعاملات، العدل في توزيع الثروات، العدل في إتاحة وتوفر فرص العمل .. العدل في جميع ميادين الحياة .. وأيما شعار يُرفع لا يُحقق للناس العدل فهو لا يعني الناس شيئاً .. فوفروا على الناس كثرة الشعارات .. وطرح الإيدلوجيات الغربية والغريبة على البلاد والعباد .. كالعلمانية، واليبرالية، والديمقراطية، والاشتراكية .. وغيرها من الشعارات والإيدولوجيات الوافدة والغريبة والتي ضررها أكثر من نفعها!
ونحن لا تنقصنا القيم والمفاهيم التي تدلنا على العدل .. لكي نقوم باستيرادها من الخارج .. تحت مسميات وعناوين ورايات ظاهرها وباطنها شر، فالله تعالى هو العدل، ويأمر بالعدل، ويُحب العدل، ودينه الإسلام كله قائم على العدل الكامل المطلق؛ لأنه مستمد من كمال الله تعالى الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا، كما قال تعالى:) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ (النساء:58. وقال تعالى:) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ (النحل:90. وقال تعالى:) وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الحجرات:9. وقال تعالى:) وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المائدة:8.
وفي الحديث القدسي:” يا عبادي إني حرمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظَّالموا “. وقال صلى الله عليه وآله وسلم:” أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام جائر “.
فحظ الناس من أي حكم ومن أي حزب أو جماعة تحكم البلاد والعباد هو العدل .. فإن لم تحقق العدل للناس .. فهي مرفوضة وممقوتة من قبلهم .. حتى لو كان أصحاب هذه الحكومة من الإسلاميين .. بل لو لم يحكم المسلمون بالعدل فهم يُسيئون من جهتين: من جهة كونهم لم يحكموا بما أنزل الله .. ولم يرقوا بأنفسهم إلى مستوى الإسلام الذي يأمرهم بالعدل .. فهم من هذا الوجه يُسيئون للإسلام الذي يتكلمون باسمه، قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصف:3.
ومن جهة ثانية يُسيئون لأنفسهم وللناس، ولو لفظهم الناس حينئذٍ فلا يلومن إلا أنفسهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:” أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويُقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:” ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم “؛ فالباغي يُصرَع في الدنيا وإن كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة ا- هـ.
11- إذ نؤكد على أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية في جميع صورها وأبعادها .. وحرية الكلمة الطيبة النافعة، والتي منها الصدع بالحق في وجوه الحكام والمسؤولين .. ومحاسبتهم ومساءلتهم عن أي فساد أو تقصير يبدر عنهم .. وبناء دولة المؤسسات التي تجعل من كل إنسان راعٍ ومسؤول عن رعيته، كما في الحديث:” كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته “. ورفض الأنظمة الديكتاتورية التي تقوم على تكريس حكم وعقلية الفرد .. كما نؤكد على أهمية تفعيل مبدأ الشورى وتعميمه على جميع مؤسسات الدولة والحكم والمجتمع .. والتداول السلمي للسلطة في حدود الالتزام بتعاليم ومبادئ وقيم الإسلام .. فإننا في المقابل نسجل تحفظنا على هذا الشعار الغريب الوافد على الأمة وثقافتها وعقيدتها، الذي تلوكه بعض الألسن عن جهل منهم بمضمونه وما ينطوي عليه من مخاطر وأضرار .. والبعض الآخر ينادي به عن خبث وعلم بما يندرج عليه من مخاطر وأضرار .. هذا الشعار هو ” الديمقراطية ” .. حيث تسمع من أحدهم يقول: نريد تحقيق الحرية .. والعدالة الاجتماعية .. وتفعيل دولة المؤسسات .. ومحاربة الفساد والمفسدين … والتداول السلمي للسلطة .. ومحاربة الديكتاتورية والاستبداد .. و .. و .. و .. والديمقراطية!!
وسؤالنا لهم: ماذا تريدون وتعنون ” بالديمقراطية “، بعد كل هذه السلسلة من المطالب المشروعة .. ماذا بقي من مطالب الشعوب المشروعة لم تطالبوا به .. لتطالبوا في نهاية الأمر بالديمقراطية .. والليبرالية؟!
أجابك الصادق منهم: نريد من الديمقراطية أن تكون مصر ـ وغيرها من أمصار المسلمين ـ كالبيت من غير أبواب .. أو كالبيت المشرعة أبوابه لكل من هب ودب .. ولكل من يريد أن يتغوط فيه .. أو عنده بعض الأوساخ والأحمال القذرة الضارة .. فيدخل للبيت بكامل الحرية ليلقي بأوساخه وقاذوراته فيه .. ومن دون أن يسأله أحد عما يفعل!
يقولون: نريد الديمقراطية التي تسمح لأمريكا أن تشكل أحزاباً في مصر ـ وغيرها من أمصار المسلمين ـ عن طريق شراء بعض الذمم والنفوس الضعيفة .. والتي تسمح كذلك لدولة الصهاينة اليهود أن يشكلوا أحزاباً موالية لهم في أمصار المسلمين .. والشيعة الروافض في إيران وغيرها أن يشكلوا أحزاباً موالية لهم .. وكذلك القرامطة والشيوعيون والبعثيون … وغيرهم .. وغيرهم من الأشرار .. يريدون أن يتقاسموا فيم بينهم هذه الكعكة المصرية .. ليسهل التهامها!
يريدون تفعيل شعارهم الاستعماري القديم الجديد ” فرق تسد “، وهذا لا ولن يتحقق لهم كما يتحقق عن طريق العمل بالديمقراطية .. الديمقراطية كما تريدها أمريكا في بلاد المسلمين .. لذا الكل يستشرف التدخل في شؤون مصر ـ وغيرها من بلاد المسلمين ـ ويمني نفسه الأماني .. عن طريق الديمقراطية!
ثم نسألهم: كيف تقولون لا لأمريكا .. وترفعون شعارات التنديد بأمريكا وبتدخلاتها المشبوهة في بلاد المسلمين وشؤونهم .. ثم في المقابل تحتكمون إلى دين وثقافة وقيم أمريكا المتجسدة في الديمقراطية .. والتي تسمح لها بالتدخل في جميع مفاصل الدولة، وجميع شؤون حياتكم؟!
كيف تنددون بشيء ثم في المقابل تتبنونه وتحتكمون إليه في جميع شؤون حياتكم … أفلا تعقلون؟! 
يقولون: ماذا بعد الديمقراطية إلا الديكتاتورية .. تريدنا أن نحكم بالديكتاتورية والاستبداد؟!
نقول لهم: كذبتم .. فنحن إذ نقول: لا للديمقراطية، نقول كذلك لا للديكتاتورية والاستبداد .. والبديل عن هذا وذاك .. الإسلام .. دين الله الكامل والعدل في حكمه وشرائعه .. والشامل لجميع جوانب الحياة .. ) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (آل عمران:19. ) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران:85. ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً (المائدة:3. ) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة:50. ) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (غافر:20.[[3]]
يقولون: ماذا عن الأقلية النصرانية القبطية في مصر …؟
نقول لهم: سلوهم .. وسلوا جميع النصارى ـ ومعهم اليهود ـ الذين خالطوا وعايشوا المسلمين في بلادهم .. هل وجدوا حقوقهم في ظل جميع الأنظمة الأرضية والوضعية كما وجدوها في ظل دولة الإسلام .. فسيأتيك الجواب الصادق منهم: أن لا … ولا ينكر ذلك منهم إلا كل حاقد موتور .. وهذا ليس مقياساً .. ولا يُلتفت إليه .. كما لا يجوز أن يكون الفزاعة .. التي تمنع الشعوب المسلمة من اختيار دينها وشرع ربها[[4]].
يجوز للشيوعي الملحد اللاديني ـ وفق ديمقراطيتهم ـ الذي يقول: لا إله والحياة مادة .. والإنسان أصله من سلالة القرود .. أن يحكم أمصار المسلمين بعقيدته، وقيمه وأفكاره الإلحادية الإباحية .. بينما لا يجوز للمسلمين أن يحكموا أنفسهم بدين ربهم .. رب العالمين … إن هذا لشيء عجاب .. ) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (القلم:35-36. وهؤلاء لم يُسووا فقط بين المسلمين والمجرمين، بل فضلوا المجرمين على المسلمين .. وقالوا يحق للمجرمين ما لا يحق للمسلمين .. وهؤلاء أولى بهذا السؤال التقريعي الاستنكاري:) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (؟!
ونقول لهم كذلك: ها هي دول الغرب .. الأكثر تمسكاً بالحريات والديمقراطية .. تمنع الأقليات المسلمة في بلدانهم من أن يحتكموا إلى أحكام دينهم في الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق .. على اعتبار أن دولهم نصرانية .. وبالتالي كل من يتواجد على أراضيهم يجب أن يخضع لأحكام وقوانين دولهم في جميع شؤون حياته الدينية والمعاشية والشخصية .. حتى بلغت الوقاحة بفرنسا ـ رمز حرياتهم ـ أن تتدخل في حجاب ولباس المرأة المسلمة .. فمنعوها من ارتداء الحجاب .. بحجة أن حجابها يتناقض مع قوانين وعلمانية فرنسا .. والناس تفهموا لفرنسا هذه النزعة العنصرية الحاقدة .. وتفهموا لها هذا التدخل السافر في تحجيم الحقوق والحريات الشخصية للفرد .. والسؤال الذي يفرض نفسه: علامَ يجوز لهم كل ذلك في بلادهم .. وتصرفهم يُفسر على أنه قمة التحضر والرقي .. بينما لا يجوز لنا في بلادنا أن نحكم أنفسنا بالإسلام دين رب العالمين؟! 
12- ينبغي على الجماعات الجادة العاملة من أجل الإسلام .. أن تعطي أسلوب الاعتصامات، والمظاهرات السلمية، والعصيان المدني فرصته الكافية للتغيير .. إن ظهر أن ذلك ممكنا .. وأن الطرف المقابل المتمثل في الطاغية ونظامه يمكن التعامل معه بهذا الإسلوب .. ويمكن تغييره ونظامه بهذا الإسلوب .. وبخاصة أنه قد أضيفت عناصر أخرى مساعدة تساعد على نجاح هذا الإسلوب، منها الإعلام الفاعل والقوي القادر على مواكبة الأحداث ساعة بساعة، ومن ثم تعميمها على أكبر قدر ممكن من الناس .. وعلى المستوى المحلي والدولي سواء.
على الدعاة المخلصين، والجماعات الجادة .. أن تفقه جيداً هذه الوسائل المستجدة في عملية التدافع والصراع، وأن يحسنوا تفعيلها والتعامل معها باتقان .. وهذا كله يدخل في الإعداد الذي عنته الآية الكريمة:) وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (الأنفال:60.
والذي حملني على هذا القول، والتأكيد عليه[[5]]أمور عدة منها: أن المهم في العملية هو حصول التغيير؛ تغيير منكر الطاغية ونظامه .. وليست الوسيلة التي يتم بها التغيير، فما أمكن تغييره باللسان لا حاجة حينئذٍ لأن يُنكر ويُغير باليد .. وما أمكن إزالته وتغييره بضررٍ أصغر لا ينبغي ولا يجوز حينئذٍ تغييره بضرر أكبر .. لأن العبرة هي إزالة المنكر، وليس الكيفية التي يُزال بها المنكر ما دامت هذه الكيفية مشروعة.
ومنها: أن هذا الإسلوب أيسر على الشعوب، وأقل عليهم ضرراً وحرجاً .. من اللجوء غلى خيار استخدام القوة والسلاح كخيار أول ووحيد .. ومن أول الطريق .. ونحن مطالبون ـ شرعاً وعقلاً ـ في حال خيرنا بين ضررين لا بد لنا من أحدهما .. أن ندفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر .. وأن نقدم المصلحة الكبرى على المصلحة الصغرى.
ومنها: أن هذا الإسلوب يسمح لجميع طبقات وشرائح المجتمع في المشاركة بعملية الإنقلاب والتغيير .. وهو ما يسبب الحرج البالغ للطغاة وأنظمتهم الفاسدة الذين يتسترون زوراً بالشرعية الشعبية .. ثم هو ترجمان عملي لقول وتوجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته:” إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان “؛ فالخطاب موجه لمجموع الأمة، ومجموع طبقات المجتمع بمختلف تخصصاتها .. وليس لمجموعة من الناس دون غيرهم .. ولما كانت هذه المهمة ينهض لها بضع مئات من الشباب .. من دون بقية شرائح المجتمع .. كان يسهل على الطاغية استئصالهم .. وأن يصور للناس أن معركته مع عصابة من الإرهابيين الذين هم ضد الشعب .. وضد الشرعية! 
قولي هذا: لا يعني أنني ألغي كلياً حق الشعوب المستضعفة في اللجوء إلى خيار القوة والسلاح .. إذا وجدت أن جميع الطرق السلمية في التغيير مغلقة دونها، وغير ممكنة .. وأن الطاغية يُقابل كلمة الشعوب .. وتظاهراتهم السلمية .. بالمدافع والدبابات .. والقتل العمد .. ومممارسة ضروب الإرهاب المذمومة كلها .. فحينئذٍ يتحتم على الشعوب أن تعمل بقوله تعالى:) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (البقرة:194. وبقوله تعالى:) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج:39.
وفي الحديث، عن مخارق قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: الرجل يأتيني فريد مالي؟ ـ أي عنوة بغير حق ـ قال:” ذَكِّرْهُ بالله “، فقال: فإن لم يذكُر؟ قال:” فاستعِن عليه من حولك من المسلمين “، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال:” فاستعِن عليه بالسلطان”، قال فإن نأى السلطان عني؟ قال:” قاتل دون مالك؛ حتى تكوم من شهداء الآخرة أو تمنع مالَك “[صحيح سنن النسائي:3803].
قلت: تأمل كيف أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وجه الرجل ابتداءً إلى الحلول السلمية أولاً، فقال له ” ذَكِّرْهُ بالله “، فإن لم يردعه التذكير ولم ينفع معه، وجهه لأن يستعين عليه بمن حوله من المسلمين، فإن لم يجد .. يستعين عليه بالسلطان .. فإن لم يجد وكان السلطان بعيداً عنه .. حينئذٍ ـ وبعد نفاد هذه الحلول السلمية ـ وجهه للقتال دفاعاً عن ماله فإن قُتِلَ فهو شهيد .. وهذا فقه نسترشد به فيما ذهبنا إليه في مسألتنا أعلاه، والحمد لله رب العالمين.
13- كشفت الثورة المصرية المباركة عن مدى القصور الكبير للشيوخ والدعاة عن مستوى هموم وآلام، وتطلعات الشعب المصري المسلم .. فالشيوخ ـ إلا من رحم الله ـ كانوا في وادٍ، وفي عالمهم النظري والرومنسي، والشعب المصري وآلامه، وآماله .. كانوا في وادٍ آخر .. فلم يُحسنوا النزول لقيادة الشارع المصري، كما لم يُحسنوا تلمس هموم ومشاكل الناس .. فحصلت فجوة كبيرة بين القيادة والعامة .. والطامة الكبرى أن منهم من وقف في صف الطاغية ونظامه ضد ثورة الشعب المصري المسلم .. وعدّ ثورتهم وتظاهراتهم .. فتنة ينبغي اعتزالها .. والحذر منها .. وأنه نوع من الخروج على ولاة الأمر الشرعيين .. فالناس كانت تُقتل على أيدي بلطجية ومخابرات النظام .. بينما هم كانوا في شغل شاغل؛ في مسألة هل يجوز التظاهر أم لا يجوز .. وهل المظاهرات بدعة حسنة أم سيئة .. وكأن عهد الطاغية الهالك الذي امتد لأكثر من ثلاثين سنة كان خالياً من الفتنة .. وخالياً من البدع .. وأن الفتنة لم تظهر وتطل برأسها إلا عندما بدأ الشعب المصري المسلم بثورته على الطاغية ونظامه .. وبدأت الحياة تدب فيه من جديد!
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:” ما من امرئٍ يخذُلُ امرءاً مسلماً في موطنٍ يُنتقَصُ فيه عِرضُه، ويُنتهكُ فيه حرمته إلا خذله الله تعالى في موطنٍ يُحِبُّ فيه نصرته ...”؛ هذا فيمن يخذل امرءاً مسلماً واحداً فكيف بمن يخذل شعباً بكامله، بل وشعوباً بكاملها انتهكت حرماتها وحقوقها الدينية والدنيوية سواء على أيدي الطغاة الظالمين.
غاظ شيوخ البلاط الذين ارتضوا لأنفسهم أن يقفوا في صف الطغاة الظالمين وأنظمتهم على الشعوب المستضعفة والمقهورة .. أن كلاً من ثورتي تونس ومصر قد نجحتا في إسقاط الطاغية ونظامه .. غاظهم ذلك لأنه أبطل ما كانوا يبثونه من أن الخروج على أئمة الكفر والطغيان ضرر أكبر .. وفتنة كبرى .. وأن الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها .. ألا في الفتنة سقطوا!
قال تعالى:) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ (الفرقان:31. وهؤلاء لا يريدون أن يكون لهم عدواً من المجرمين .. يجاهدونه في الله .. ثم هم مع ذلك يزعمون هذا الزعم الثقيل الكاذب الذي هو أثقل من الذنب ذاته .. وهو أنهم من أتباع سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم .. ) كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً (الكهف:5.
وهنا أجدني ملزماً بأن أسجل عظيم تحياتنا وشكرنا وحبنا للشيخ الكبير المجاهد الهمام حافظ سلامة، حيث لم يمنعه كبر سنه ـ وقد تجاوز الخامس والثمانين عاماً ـ من أن يقود بنفسه ـ وبهمة عالية ـ شباب الثورة في سيناء وغيرها .. وكذلك الشيخ العالم الصادع بالحق محمد عبد المقصود .. له منا كل حب واحترام وتقدير .. حيث لم يمنعه مرضه .. وشدة حالته الصحية من أن ينزل بنفسه إلى ميدان التحرير ليوجه الشباب، ويثبتهم، ويدعو لهم .. حفظ الله مشايخنا الصداعين بالحق الذين لا يخشون في الله لومة لائم، وجزاهم الله عن الأمة والإسلام والمسلمين خير الجزاء. 
14- من يريد أن يرفع من ثقف مطالبه .. عليه أن ينزل للميدان .. وأن يقود الشباب .. وأن يبذل من نفسه وماله ووقته في سبيل الله ذوداً عن حرمات وحقوق الناس .. عليه أن يكون في المقدمة والصفوف الأمامية في مواجهة الطغاة الظالمين وجندهم .. عليه أن يكسب ثقة الناس به أولاً قبل أن يُعلي من ثقف مطالبه .. وقبل أن يأمر الناس وينهاهم .. وقد صدق من قال: إن كنت إمامي، فكن أمَامي.
في مرحلة خروج الشعوب من حقبة حكم الطغاة المستبدين .. ينبغي أن نتوقع حصول بعض الجهالات والمخالفات الشرعية من قبل كثير من الناس .. لأنهم كانوا من قبل لا يرون إلا صورة وصنم الطاغية .. ولم يسمعوا إلا لكلمة وتوجيهات الطاغية .. ولم يتعلموا شيئاً إلا بالقدر الذي يأذن به الطاغية .. فكل شيء محظور عليهم .. إلا ما يرتضيه الطاغية لهم .. على مبدأ فرعون الأول:) قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (غافر:29. وبالتالي ينبغي أن نتوقع منهم بعض المخالفات والجهالات .. والفقه حينئذٍ يقتضي من الدعاة والعاملين في حقل الدعوة ممن منّ الله عليهم بنوع علم وفقه .. أن يعلموا الناس .. وأن يفقهوهم في دينهم .. وأن يعايشوا همومهم ومشاكلهم .. فهذه المرحلة هي مرحلة ترشيد ونصح، وتعليم، وتوجيه، وإصلاح .. وليست مرحلة القضاة الذين لا يعرفون سوى إصدار الأحكام على العباد .. ومن بروجهم العالية .. فيصنفون الناس إلى فرق وأقسام: هذا فاسق .. وهذا ضال .. وهذا كافر .. ويوزعون شهادات حسن سلوك على الناس!
في هذه المرحلة التي تتمايز فيها الصفوف .. وتختلط فيها الأوراق .. ولم تتحدد فيها المواقف والمعالم بصورة واضحة .. ويموج الناس فيها موجاً .. ينبغي أن نكتفي بالنصح والتوجيه، والبيان والإرشاد .. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ونجتنب ـ ما استطعنا ـ إصدار الأحكام على أعيان الناس إلا ما دعت إليه الضرورة الشرعية .. وكان لا بد من ذلك. 
15- أثبتت الثورة المصرية وقبلها الثورة التونسية أن إرادة الشعوب ـ بإذن الله، إذا ما اتحدت وتجمعت، ونزعت من قلوبها الخوف والخشية ـ تعلو إرادة الطغاة الظالمين وجلاديهم، وتقوى على سياطهم وسجونهم، وتنكيلهم مهما كانت درجة طغيان واستعلاء الطغاة .. التاريخ كله ينطق بهذه الحقيقة .. وبالتالي ليس على شعوبنا المسلمة في المنطقة ـ لكي تتحرر من ربقة العبودية لغير الله، ومن هذا الذل والهوان، والفقر، والجهل، والفساد الذي تعيشه ـ سوى أمرين: أن تتحد كلمتهم على خلع الطغاة وأنظمتهم الفاسدة الكافرة، وأن لا يدعوا بينهم فرجة لمشايخ الإرجاء والبلاط، المرجفين والمثبطين للهمم والعزائم .. سووا الصفوف وسدوا الفُرَج .. ولا تدعوا بينكم فرجة للشيطان .. واعلموا أن يد الله مع الجماعة.
ثانياً: أن يخلعوا من صدورهم السلاسل والأغلال الممثلة في الخوف والجبن .. لأن خلع سلاسل وأغلال الطغاة الظالمين ما كان ليتم إلا بعد أن تتحرر الشعوب من القيود والسلاسل والأغلال الكامنة في النفوس .. والتي قد تقتل صاحبها وهو قاعد في بيته.
واعلموا أيها الناس أن الإقدام ما كان يوماً ليقدِّم أجلاً ولا ليُؤخر رزقاً .. وأن الإحجام والجبن ما كان يوماً ليُؤخر أجلاً ولا ليُعجل رزقاً .. فالأعمار كذا الأرزاق مقسومة وهي بأجل، ولا تموتن نفس إلا بعد أن تستوفي كامل أجلها وكامل رزقها والمكتوب لها .. فعلامَ الخوف والوجل، والله تعالى يقول:) أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (التوبة:13.
16- وفي الختام نقول لأهلنا في مصر: وأنتم تعيشون نشوة النصر .. وحماسة الثورة .. وتقسيم غنائمها .. لا تنسوا أختكم وابنتكم ” كاميليا شحاتة “، وقبلها ” وفاء قسطنطين “، وغيرهما من الأخوات التي قامت الكنيسة القبطية ـ بزعامة شنودة الشرير ـ بخطفهن، وسجنهن، وفتنتهن عن دينهن .. تحسسوا أخبارهن .. وابحثوا عنهن .. واعلموا أن لأختنا ” كاميليا شحاتة ” دوراً كبيراً في نجاح ثورتكم .. حيث كانت محنتها سبباً كبيراً في تعبئة النفوس ضد فساد وظلم الطاغية ونظامه، وتواطئه مع شنودة وكنيسته .. فلا تنسوا فضلها عليكم!
فإذا كنتم قبل الثورة قد اشتد طلبكم وسؤالكم عن أختكم ” كاميليا “، فمن باب أولى بعد الثورة، والتمكين أن يشتد الطلب والسؤال عنها وعن أخواتها أكثر .. واعلموا أن الحقوق لا تسقط بالتقادم .. وأن المجرمين لا تسقط جرائمهم ولا العقوبة عليها بالتقادم .. فكما تحاسبون الطاغية ” اللامبارك ” وحاشيته على فسادهم وظلمهم .. الذي ارتكبوه خلال ثلاثين عاماً .. كذلك يجب أن تحاسبوا حليفه وصديقه شنودة وحاشيته وعصابته على ظلمهم وفسادهم، وخطفهم وسجنهم لنساء المسلمين .. في دهاليز وزنازين كنائسهم .. وكأنهم دولة ضمن دولة .. وحكومة ضمن حكومة .. وأنهم فوق المساءلة والمحاسبة!
قال تعالى:) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج:41. ومن أعظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحرير الأسيرات المسلمات من أسر وسلاسل وزنازين الكنيسة القبطية .. وما يتعرضن له من تعذيب جسدي ونفسي .. وفتنة في دينهن.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي ”
13/3/1432 هـ. 16/2/2011 م.
 
    
         


 


[1] ومنه تعلم خطأ وبطلان هذا الشعار الذي يردده بعض الجهلة من الناس، وعملت بعض القنوات الفضائية الواسعة الصيت والانتشار على نشره وتعميمه، وهو قولهم:” إذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياةَ … فلا بد أن يستجيب القَدَر “، وهذا خطأ وباطل من جميع الوجوه .. فالقدر هو حكم الله تعالى في خلقه .. وهو التعبير عن مشيئة الله تعالى الكونية والشرعية النافذة في خلقه .. فجميع المشيئات والإرادات تابعة وخاضعة لإرادة ومشيئة الله تعالى .. وبالتالي لا يجوز أن يُقال لله عز وجل .. لا بد لك من أن تفعل .. ولا بد لك من أن تشاء وتريد إذا شاء المخلوق ـ أياً كان هذا المخلوق ـ شيئاً وأراده .. فتريد ما يريده الشعب، ولا بد لك من ذلك .. فهذا باطل وكفر .. وفيه سوء أدب مع الله عز وجل .. لا ينبغي ولا يجوز لمؤمن أن يتلفظ بمثل هكذا كلمات تحت الحماسة أو أي ظرف من الظروف .. قال تعالى:) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (الأنبياء:23. وقال تعالى:) وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (الرعد:41. وقال تعالى:) مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (نوح:14. فالحذر الحذر .. والأدب الأدب عبادَ الله. 
[2]  ذكرت قناة الجزيرة في موقعها على الإنترت ـ نقلاً عن بعض وسائل الإعلام ـ تقريراً مفاده:” أن كلاً من إسرائيل، والمملكة العربية السعودية، والأردن، والإمارات العربية المتحدة ظلت تحض الولايات المتحدة مراراً على عدم التهور في الضغط على الرئيس المصري حسني مبارك، والامتناع عن إلقاء ثقلها خلف الحركة المطالبة بالديمقراطية في مصر بالشكل الذي يزعزع استقرار المنطقة أكثر .. وأشارت الصحيفة نيويورك تايمز أن سفيراً شرق أوسطياً قال: إنه قضى 12 ساعة في يوم واحد على الهاتف يتحدث إلى مسؤولين أمريكيين .. وهناك أدلة على أن تلك الضغوط أتت ثمارها .. وفي اتصال هاتفي غاضب يوم 29 يناير كانون الثاني أبلغ الملك عبد الله بن عبد العزيز الرئيس باراك أوباما بألا يهين مبارك، وحذر من أنه سيتدخل لتأمين تمويل مصر إذا سحبت الولايات المتحدة برنامج معونتها البالغ 1.5 مليار دولار سنوياً .. وقال مصدر كبير في العاصمة السعودية الرياض: إن مبارك والملك عبد الله ليسا مجرد حليفين بل إنهما صديقان حميمان، والملك لا يرغب في رؤية صديقه مهملاً مهاناً “ا- هـ.
   قلت: أن يُهان شعب مصر بكامله ـ ومن ورائه شعوب الأمة وبخاصة شعب فلسطين ـ على يد الطاغية اللامبارك ونظامه .. وعلى مدار أكثر من ثلاثين عاماً .. هذا لا يقلق الملك السعودي ونظامه .. ولا يستدعي منه ذلك القلق والتدخل .. والمسألة فيها نظر .. بينما أن يهان شخص الطاغية فهذا يقلقه .. ويحمله على التدخل، وضخ الأموال السعودية لنظام اللامبارك لو استدعى الأمر .. ثم بعد ذلك لا يستحي هذا الملك الجاهل ونظامه ـ الذين آووا إليهم من قبل الطاغية التونسي شين العابدين ـ من أن يصفوا أنفسهم بأنهم: دولة التوحيد والإسلام .. ) كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً (الكهف:5.
[3]  انظر إن شئت مقالتنا ” ركائز الحكم في الدولة الإسلامية “، وهي منشورة في موقعنا.
[4]  بينما الكل يعرف شنودة زعيم أقباط مصر كيف كانت مواقفه وكلماته وكنيسته ـ طيلت أكثر من ثلاثين سنة ـ تصب لصالح حليفه، وصديقه فرعون مصر ” اللامبارك ” والذي كان يتقوى به، وبنظامه الفاسد على ظلم وخطف النساء المسلمات وأسرهن في دهاليز وسراديب وزنازين الكنيسة لحملهن بالقوة على الارتداد عن دينهن .. كما فعلوا مؤخراً مع كاميليا شحاتة، وقبلها وفاء قسطنطين، حيث إلى الساعة لا يعلم أحد عنهن شيئاً.
[5]  هذا القول ليس جديداً لي، ولم أقله بعد ثورتي تونس ومصر ـ كما يُخيل للبعض ـ وإنما قلته قبل أكثر من تسع سنوات كما في مقالي ” دعوة إلى العصيان المدني “، وهو منشور في موقعي، فليراجعه من شاء.
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.