موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

كلمة أخص بها أهلنا الأبطال في ليبيا ما بعد الثورة وسقوط الطاغية

0 233

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          ابتداء أهنئ نفسي وأهلنا في ليبيا الحبيبة بسقوط الطاغوت اللعين معمر القذافي، الذي طالما كان يدّعي الربوبية والألوهية لنفسه من دون الله .. فما أنتم أسعد بسقوطه وزوال ملكه مني .. الحمد لله الذي كلل جهادكم وصبركم وتضحياتكم بالفتح والنصر والتمكين .. سائلاً الله تعالى أن يرحم الشهداء، وأن يتقبلهم مع الصديقين والأنبياء .. وأن يشفي مرضاكم وجرحاكم .. وأن يُسبغ نعمه الظاهرة والباطنة عليكم، وعلى ليبيا أرضاً وشعباً، اللهم آمين.
          أيها الإخوان .. أيها الأحبة .. هذا كلمات من أخ محب لكم أخصكم بها، فاصغوا إليها مشكورين:

          1- في جهادكم في مرحلة الثورة ما قبل الفتح .. قد أثبتم أخلاقاً نبيلةً، ورقيّاً عالياً في تعاملكم المتحضر مع الخصم وأنتم المظلومين المعتدى عليكم .. وأنكم كنتم على قدر كبير من الشعور بالمسؤولية نحو دينكم، وبلدكم، وأهاليكم .. فنحن نشهد لكم بذلك.
          كما نشهد بأن ثورتكم كانت أرقى وأطهر وأقوى الثورات المعاصرة .. قد جمعت في نضالها وجهادها بين جميع النواميس والأسباب المشروعة .. فهي على شدتها وآلامها إلا أنها طهرت ليبيا من جميع مخلفات وآثار الطاغية الهالك .. وهذا لم يتحقق لغيركم .. كما طهرت الأنفس، وأعدتها لعهد جديد تليد .. وكأن ليبيا ـ حقيقة ـ في مولد جديد أرضاً وإنساناً. 
          2- ينبغي أن تُقابلوا النصر الذي منَّ الله به عليكم بالشكر لله، وأن تردوا الفضل كله لله .. فتلتمسوا رضاه في الرخاء، كما كنتم تلتمسون نصره وعونه في الشدة، وإن سخط الساخطون .. فأنتم أجل وأكبر من أن تذكروا الله في الشدة، ثم تنسوه في الرخاء وبعد الفتح .. إنّي أعيذكم من ذلك.
          3- اعلموا أن الشعب الليبي كله ـ ولله الحمد ـ شعب مسلم كريم، حتى الفساق منهم فإنهم يُحبون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .. وبالتالي لا تتكلفوا في أن تصنعوا منه عدواً لكم .. أو أن تقوموا بعملية تصنيف له؛ هذا معنا، وهذا ضدنا .. هذا مع الإسلام، وهذا ضد الإسلام .. لا تفعلوا ذلك .. فمن كان عليكم اليوم فغداً بقليل من التذكير والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة قد يكون معكم بإذن الله.
          4- الشعب الليبي المسلم .. قد عاش أربعين عاماً قصراً وقهراً تحت حكم الطاغوت الذي اتسم بقمة الكفر، والظلم، والجهل، والتجهيل .. وبالتالي ينبغي أن تتوقعوا من بعض الأفراد نوع مخالفات وجهالات .. والمطلوب منكم في هذه الحالة أن تتوسعوا في التأويل .. وأن تُقيلوا عثرات الناس .. وأن تأخذوهم بالرفق، والحكمة والموعظة الحسنة .. ما أمكن لذلك سبيلاً.    
          5- المأمول منكم أن تتعاملوا مع بقايا النظام، ممن سقطوا في أيديكم أسرى .. بطريقة شرعية تتسم بالعدل .. والصفح والعفو .. بعيداً عن حب التشفي والانتقام .. ما أمكن لذلك سبيلاً .. وبخاصة أن أكثر هؤلاء كان حاله بين الجهل والفقر والإكراه .. فأنتم أكبر من أن تتعاملوا مع الخصوم هؤلاء بعقلية وقانون الطاغوت وأزلامه .. فحينئذٍ تفقدون كثيراً من مبررات ثورتكم المباركة .. كما تفقدون كثيراً من بريق وبركة النصر.
وكلامي هذا لا يعني أن لا تأخذ العدالة طريقها لرؤوس الكفر والطغيان والإجرام، وبخاصة  الطاغوت وابنه سيف الشيطان، وكل من قاربهما في الطغيان والإجرام. 
          6- بعد سقوط الطاغية، وتوقف آخر بندقية من بنادقه عن إطلاق النار .. واستسلام آخر جندي من جنوده .. أرى أن تضعوا السلاح، وتكفوا أيديكم عن القتال كلياً .. وأيما خلاف فيم بينكم أو مع أي طرف ليبي آخر .. يُعالج عن طريق الكلمة والحوار والرفق .. بعيداً عن لغة السلاح، والعنف والشدة .. فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه .. والله تعالى رفيق يُحب الرفق في الأمور كلها، ويُجازي على الرفق مالا يُجازي على العنف والشدة .. فليكن الرفق لكم شعاراً ومنهجاً، تفلحوا بإذن الله تعالى.
          فكما انتصرتم ـ بفضل الله ـ وكنتم الأقوى في ميادين القتال والحرب .. فأنتم كذلك الأقوى في ميادين الحجة والكلمة .. فلا تعلنوا هزيمتكم في ميادين الكلمة والدعوة ـ بعد أن كانت مغلقة ففتحت لكم ـ قبل أن تخوضوا ميادينها!
          7- للثورة جولتين: جولة ما قبل سقوط الطاغية إلى حين سقوطه، وهذه بفضل الله تعالى قد أنجزتموها بنجاح عظيم .. وجولة ما بعد سقوط الطاغية؛ جولة البناء والعمران، وبسط الحق والعدل، والأمن والأمان على ربوع البلاد .. وهي جولة ـ في بعض جوانبها قد تكون أصعب من الجولة الأولى ـ تحتاج منكم إلى مزيد جهد وجهاد، وعطاء .. وكبير وعيٍ وشعورٍ بالمسؤولية نحو ليبيا أرضاً وشعباً .. وأنتم قادرون على ذلك بإذن الله. 
بينكم جرحى .. وأبناء وعوائل الشهداء .. انصرفوا لخدمتهم ورعايتهم .. التمسوا حوائجهم .. أكرموهم أعزوهم .. فحذار أن تنشغلوا عنهم بتقسيم الغنائم .. فتنسوا فضل آبائهم الشهداء عليكم وعلى ليبيا كلها .. فلولا آبائهم الشهداء الأبطال ـ بعد الله تعالى ـ لما كانت بينكم اليوم غنائم .. ولا كانت اليوم ليبيا حرة عزيزة كريمة .. أقول ذلك على سبيل التذكير والتأكيد .. مع تيقني أنكم لستم غافلين عن هذا المعنى النبيل. 
          8- ليبيا كانت ملكاً للطاغية وعائلته .. واليوم ها هي ـ بفضل الله ـ قد عادت إليكم .. عادت إلى أهلها وأصحابها .. عادت إلى الشعب الليبي كله .. فأقبلوا عليها بكل حب وإخلاص، وحسن رعاية.
          لا طاغوت يُعبد من دون الله بعد اليوم في ليبيا بإذن الله .. لا لعبادة الأصنام والأوثان بعد اليوم .. ذهب فرعون ولا فرعون بعده بإذن الله.
          حذار أن تصنعوا ـ من عند أنفسكم ـ طغاة وأصناماً تطوفوا حولها من جديد .. لا أحد ولا كبير بعد اليوم فوق العدالة .. وفوق المساءلة والمحاسبة .. فالذي لا يُسأل عما يفعل هو الله سبحانه وتعالى وحده .. وما سواه يُسأل ويُحاسَب، مهما علا كعبه وشأنه!
ليبيا فيها خير كثير .. إن أحسنتم استغلاله جيداً .. تقدمتم وبلادكم تقدما كبيراً .. وأصبحت ليبيا من الدول الريادية في العالم .. وإن أسأتم استغلاله أو لم تعرفوا له قيمته وقدره .. تكونوا قد فرطتم وأضعتم خيراً كثيراً .. وشمَّتم الأعداء بكم .. وأنتم أكبر من ذلك بإذن الله .. فالظن بكم أنكم ستكونون ـ في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها ليبيا أرضاً وشعباً ـ على قدر كبير من الشعور بالمسؤولية.
9- قد تقدمت الإشارة: أن شعب ليبيا ـ ولله الحمد ـ شعب مسلم موحد .. محب لله ولرسوله r وبالتالي من حقه أن يُحكَم بشريعة الإسلام القائمة على الحق، والعدل، والمساواة .. واحترام حقوق الناس التي شرعها الله للعباد .. وهذا المطلب وهو أن ” يُحكَم بشرع الله تعالى لا بشرع الطاغوت ” مطلب هام وعظيم، على الشعب الليبي المسلم أن لا يحيدوا عنه قيد أنملة، وأن يتمسكوا به في مرحلة التغيير ما بعد عهد الطاغوت ونظامه اللعين .. ففيه نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى:) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً (النساء:65. وقال تعالى:) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة:50. وقال تعالى:) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (غافر:20.
وقولي هذا لا يعني استعجال الخطوات قبل استيفاء حقوقها وشروطها .. فالعادة جرت أن من تعجل شيئاً قبل أوانه أفسده، وعُوقِب بحرمانه!
10- جميل أن تشكروا كل من قدم لكم معروفاً وأنتم في مرحلة الصراع مع الطاغية ونظامه .. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله .. وأن تقابلوا المعروف بمعروف مثله وأحسن منه .. فهذا من ديننا وأخلاقنا .. لكن هذا لا يعني أن تُعطوا الآخرين ـ وبخاصة دول حلف النيتو ـ حق التدخل في في شؤونكم الداخلية، وعلى حساب دينكم وسيادة قرار وحرية الشعب الليبي واختياراته .. حينئذٍ ـ لو حصل شيء من ذلك ـ تكونون قد خرجتم من استعمار إلى استعمار .. من استعمار الطاغية اللعين وعصابته إلى استعمار الصليبيين ولو كان بصورة غير مباشرة .. وتكونون قد فرطتم بالأمانة وبدماء شهدائكم .. والغاية التي استشهدوا من أجلها .. فأنا أعيذكم من ذلك .. وظني بكم أنكم ولله الحمد على دراية وتفطن نحو هذا المعنى الهام!
الثورة الليبية ثورة عظيمة بكل المقاييس .. لكن العبرة بالمآلات والخواتيم .. فإن كانت المآلات والخواتيم لصالح ليبيا أرضاً وشعباً .. وحرية قرارها واختيارها .. حينئذٍ يحق لكم ولنا ولجميع الأجيال التالية أن تفتخر بالثورة الليبية وعطاءاتها وإنجازاتها .. وإن كان العكس؛ حيث تأتي المآلات والخواتيم لصالح المستعمر الصليبي، ولصالح أجندته ومآربه ومصالحه .. فحينئذٍ ستكون النتائج كارثية ومحزنة، ومخجلة .. فأسألكم بالله أن تحافظوا على مكتسبات وشرف واستقلالية ثورتكم .. وأن لا تخيبوا ظننا .. وأن لا تقتلوا فرحتنا .. وأنتم أهل لذلك بإذن الله.
الكل الآن ـ العدو والصديق ـ يُراهن ويُراقب .. هل ستخرج ليبيا ـ بعد هذه التضحيات الجسام ـ من عبودية إلى عبودية .. من استعمار إلى استعمار .. أم ستخرج من عبودية إلى حرية تامة كاملة غير منقوصة!
حفظكم الله .. شيوخاً ورجالاً ونساءً وشباباً وأطفالاً .. وبارك الله بكم وبأرضكم .. وتقبل الله طاعتكم .. وعيدكم ـ يا ليبيين يا حبايب ـ عيدان: عيد الفطر .. وعيد النصر .. هنيئاً لكم ثم هنيئاً .. وكل عام وأنتم بخير ونصر جديد .. والدور قادم للشام بإذن الله .. يوم أن تتحرر الشام من طاغيتها اللعين بشار الأسد .. ليلحق بصاحبه وأخيه الطاغية القذافي .. ) وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الروم:4-5.
وفي الختام أود أن أذكركم بأن لكل شيء زكاة .. وزكاة كل شيء يكون من جنسه .. وزكاة انتصار ثورتكم .. أن تنصروا ثورة أهل الشام .. أهل الشام الذين عاشوا ثورتكم وجهادكم ساعة بساعة .. ودقيقة بدقيقة .. يألمون لألمكم .. ويفرحون لفرحكم ونصركم .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الشامي ابن الشام

عبد المنعم مصطفى حليمة 

” أبو بصير الطرطوسي “

22/9/1432 هـ. 22/8/2011 م
           
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.