موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

السؤال عن جماعتين إسلاميتين

0 122

س18: شيخنا منذ فترة هناك سؤال يحيرني لم أجد في كردستان الجواب الكافي والشافي لذلك أبعث إليكم بهذا السؤال عسى ولعل أجد الجواب عندكم وهو يتعلق بالعمل الإسلامي .. السؤال: يوجد في إقليم كردستان فئتان إسلاميتان ” حركة الوحدة الإسلامية ” و ” الرابطة الإسلامية في كردستان ” والأولى حركة مسلحة كانت قبل عام الحركة الإسلامية، وبعدها اتحدت مع حركة النهضة الإسلامية وأصبحت حركة الوحدة إلا أنها تحت قيادة بعض شيوخ الأشاعرة وأفرادها خليط بين السلفيين والإخوان وصوفيين يؤمنون بدخول البرلمانات ويُشاركون في الانتخابات، وهم الآن في حكومة السليمانية العلمانية لهم وزيران ووكيلين لوزارتين، ولهم حصة في أموالهم، وهم مسيطرون على مدينة حلبجة، لهم قناة تلفاز أغلب مواد العرض لا بأس بها من الناحية الشرعية؛ قناة هادفة تتجنب الموسيقى واللغو، وتعرض الخطب والبرامج الهادفة هذا في أربيل لكن في حلبجة يستهينون بهذه الأمور أي يعرضون الأناشيد مع الموسيقى ..

أما الثانية فهي حركة إخوانية تهين دين الله بكل معنى الكلمة، تتأقلم مع فساد الواقع ولا أستطيع أن أحصي لكم أي عمل إيجابي .. وهي حركة قريبة جداً من العلمانيين بل هي أداة في يد الأحزاب .. والسؤال هل يجوز الالتحاق بهذين الحركتين خاصة حركة الوحدة الإسلامية جزاكم الله عنا كل خير .. ؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. هذا سؤال شائك .. والجواب عليه بدقة لا بد فيه من التفصيل، وهو كالتالي:
أولاً: قولكم بأن حركة الوحدة الإسلامية تحت قيادة بعض شيوخ أشاعرة .. قول غير دقيق، بدليل أننا نعرف بعض الشيوخ من قيادات الحركة هم سلفيو العقيدة ولله الحمد، ويحبون السنة، ويعملون على نشرها، أعرف منهم شخصياً الشيخ صديق ـ حفظه الله ـ وغيره من الأخوان والمشايخ الذين لمسنا منهم الحرص على نشر مذهب وعقيدة السلف الصالح .. وليس هذا موضع لذكر الأسماء .. وإنما ـ من قبيل الإنصاف والعدل ـ أحببت أن أرشد جانباً من السؤال ..
ثانياً: الذي يظهر لي أن ” حركة الوحدة الإسلامية ” ممثلة بقياداتها .. قد تجاوزت المرحلة النظرية التكوينية التي تعيشها غالب الأحزاب والتجمعات الإسلامية المعاصرة .. واستطاعت ـ بفضل الله تعالى ـ أن تنتقل إلى مرحلة السلطة التنفيذية التي يخضع لسلطانها أرض، وشعب، ومؤسسات .. وكما هو واضح من صيغة السؤال كذلك .
والذي نريده من هذا التمهيد أن الحركة ترعى وتقود مجتمعاً مسلماً يخضع لسلطانها ونظامها
.. وليس فقط أفراد حزبها كشأن بقية الأحزاب الأخرى .. وهذا يوسع على الحركة دائرة الواجبات الملقاة على عاتقها نحو جميع المسلمين الذين يخضعون لسلطانها بغض النظر عن انتماءاتهم ومواقفهم نحوها سواء كانوا أعضاءً في الحركة أم لم يكونوا .. وبالمقابل يجب على جميع المسلمين ـ على اختلاف انتماءاتهم ـ الذين يعيشون في سلطانهم ـ في كردستان العراق ـ أن يقدموا لهم الطاعة والولاء بالمعروف وبالحق، وأن ينفروا معهم للجهاد لو استنفروهم .. ليس لأن فيهم الشيوخ والدعاة وحسب بل لأنهم سلطة وقوة إسلامية ترعى وتسهر على رعاية شؤونهم وأمنهم وأحوالهم .
فالمسلمون لكي تستقيم أمورهم ـ الدينية والدنيوية ـ لا بد لهم من إمارة .. والإمارة حتى تكون قوية ومعطاءة لا بد أن تُعطى لها الطاعة بالمعروف .
كما في الأثر عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمارة، ولا إمارة بلا سمع وطاعة .
ثالثاً: قولك في السؤال: أفرادها خليط بين السلفيين، والأخوان، والصوفيين .. !
أقول: الحركة ممثلة بقياداتها ترعى مجتمعاً وليس حزباً أو تكتلاً لا يزال يعيش مرحلة التكوين والتنظير .. وبالتالي فهي لا تستطيع شرعاً أن تقول لآحاد من أفراد المجتمع أخرج من حزبنا أو مجتمعنا، أو سلطتنا أو أرضنا .. أو لا نسمح لك أن تقوم بدورك وما يوجبه الشرع عليك نحو أمتك، ومجتمعك، وأمرائك .. كما أنهم ـ وأقصد الحركة ـ لا يجوز لها أن تحرمه من حقه عليها كمسلم ـ وإن كان من أهل الفسوق والانحراف ـ من الموالاة وغير ذلك من الحقوق التي تجب أن تُعطى لكل مسلم .
ولو تأملنا التاريخ الإسلامي منذ الدولة الإسلامية الأولى التي كان يقودها النبي r إلى عهد العثمانيين وما بعدهم نجد أن المجتمع المسلم كان يتواجد فيه الصالح والطالح، وكان فيه من يقارف المعاصي والذنوب والكبائر .. كما وجدت فيه بعض فرق أهل الأهواء والضلال ما هو معروف لدى الجميع .. ومع ذلك لم يخرجوا بذلك من دائرة الإسلام، ولا من سلطة ورعاية دولة الإسلام، وكانوا يُعطون من الحقوق والرعاية شأنهم شأن غيرهم من المسلمين ..
وبالتالي فإن هذا المجتمع الذي تقوده وترعاه ” الحركة ” في كردستان، ليس نشاذاً عن هذا الامتداد التاريخي لدولة الإسلام .. ولن يكون أفضل حالاً من المجتمعات التي سادت في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية والفضل .. ولا يسعها شرعاً أن تخالف سيرة السلف في العصاة والمخالفين من أهل الأهواء .
وأنا أقول: من كان يشترط لجهاده، أو مساهمته في العمل الإسلامي العام أن تتواجد الجماعة أو الجيش الذي يكون جميع أفراده كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي .. فهذا يحلم .. ويغرق في ثُباتٍ عميق .. ولا أظنه يريد أن يستيقظ من حلمه الوردي .. فضلاً عن أنه يريد أن يعمل؛ لأن الجيل الأول لا ولن يعود مثله وإلى يوم القيامة .. فهو يشترط لنفسه شرطاً تعجيزياً لا يمكن تحققه وما أنزل الله به من سلطان .. وفي الحديث:” ما من عام إلا والذي بعده شر منه ” وقال r:” خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ” وفي رواية:” ثم يفشو الكذب ” .
رابعاً: أما عن سؤالك هل يجوز الالتحاق بصفوف حركة الوحدة، وإعطائها السمع والطاعة  .. أقول ـ من خلال ما تقدم بيانه ـ نعم يجوز .. شريطة أن لا يمنعك ذلك من موالاة الحق حيثما تجده ولو كان عند غير الحركة .. وأن تجافي الباطل وتتبرأ منه حيثما تجده وإن كان مصدره الحركة .. فالناس في الكردستان بالنسبة ” للحركة ” لا يسعهم إلا أن يكونوا واحداً من اثنين إما أن يكون المرء واحداً من أعضائها العاملين .. فإن ارتأى غير ذلك لاجتهادٍ معتبر يراه فإنه حينئذٍ لا يسعه إلا أن يكون واحداً من رعاياها التي يعطيها الطاعة والولاء بالمعروف والحق، لكونهم الأمراء الذين يسهرون على أمنه ومصالحه .. والأمراء ـ حتى يقوموا بواجبهم على النحو الصحيح ـ لا بد من طاعتهم بالمعروف وبما ليس فيه معصية لله تعالى . 
وأي خيار آخر غير هذين الخيارين يعني أنه اختار أن يكون الشاة القاصية التي يسهل على الذئاب الضارية ـ وما أكثرها في الكردستان ـ أن تفترسها، وتنتهك حرماتها ..!
خامساً: ما تقدم لا يعني ولا يستلزم أننا نعتبر ” الحركة ” خالية من الأخطاء أو التقصير ـ والتي كثير منها قد يكون ناتجاً عن اجتهاد أو قصدٍ حسن ـ ولكن لا يجوز أن نعتبر هذه الأخطاء أنها ترقى بالحركة إلى درجة تخرجها من الملة كلياً ـ كما بلغني عن بعض الملوثين بالغلو إن لم يكن هو من أهل الغلو ـ وبالتالي تفقد بذلك حق الطاعة على من ترعاهم من المسلمين .. لا نستطيع أن نقول ذلك .. ولا يستطيع غيرنا ممن سلمت أصوله من الغلو والغلاة  وكانت على أصول أهل السنة والجماعة أن يرميهم بهذا القول أو الحكم !
سادساً: هذه الأخطاء التي عليها الحركة قد تذهب أو تقل مع المواظبة على النصح الهادف الهادئ للعاملين فيها ـ وقد وجدنا بعضهم جزاهم الله خيراً من يستجيب لذلك ـ الذي لا يُبتغى منه السمعة ولا الرياء .. ومع تكثير جانب أهل الحق فيها .. لعل الله تعالى ببعض الجهود الطيبـة المخلصة يغير الحال إلى أحسن وخير حال إن شاء الله تعالى . 
سابعاً: كما أن ذلك لا يعني ولا يستلزم السكوت عن الباطل أو المنكر سواء كان هذا المنكر صادراً عن الحركة أو غيرها .. ولكن ننصح أن من يستشرف تغيير المنكر أن يكون من ذوي العلم والحكمة فيما يريد تغييره وإنكاره، بحيث لا يترتب على تغييره للمنكر منكر أشد وأكبر !!
          ثامناً: يجب أن نعلم أن المسلم يجب عليه أن يوالي الحق وينصره ويذود عنه حيثما كان ومع أي طرف كان هذا الحق .. كما يجب عليه أن يجافي الباطل ويبرأ منه حيثما كان ومع أي طرف كان من غير جنوح إلى إفراط ولا تفريط .. لا ينبغي أن يصده عن ذلك تعصب لتكتل أو حـزب أو
مذهب أو شيخ ..! 
          فالتحاق المسلم بجماعة مجاهدة تعمل للإسلام .. لا ينبغي ولا يجوز أن يمنعه ذلك من أن ينصف الحق من نفسه، وجماعته، وحزبه ومن كل قريب عزيز .
تاسعاً: أما ما يخص سؤالكم عن حكم الالتحاق بالرابطة الإسلامية الإخوانية في الكردستان .. فإنني أفيد ـ للصفات التي ذكرتموها ولما نعلمه عن هذه الجماعة في بقية الأقطار من مزالق وانحرافات ـ بأنه لا يجوز الالتحاق بها، ولا تكثير سوادها بشيء .. بل يجب تحذير الشباب والعباد منها ومن عقائدها وأفكارها وسلوكياتها .. والله تعالى أعلم .
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.