موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

العذر بالتأويل ومسألة الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

0 80

س149: جزاكم الله خيراً شيخنا الفاضل، وبارك فيكم وفي علمكم .. لقد أشكل علي شيء في مقالكم أرجو منكم أن تبينوه وهو قولكم عن حاطب -رضي الله عنه-:” أنه كان متأولاً في فعله .. لم يكن يعلم ـ أو يظن ـ  أن هذا الذي فعله يمكن أن يرقى إلى درجة الكفر والخروج من الإسلام .. أو أنه يضر في إيمانه .. ولم يكن يقصد به الغش والغدر برسول الله -صلى الله عليه وسلم-“.
          فما درجة قبول العذر بالتأويل .. وهل يُشترط أن يعلم أن هذا الفعل يرقى به إلى الكفر .. أليس يكفي أن يعلم أنه محرم .. وهل يُشترط عدم قصد الغش، أليس الفعل نفسه يعتبر غشاً .. وهل يُعتبر الجهل بكون الفعل كفراً مع العلم بأنه محرم نوعاً من التأويل المقبول .. نرجو أن تبينوا لنا وجزاكم الله خيراً ؟؟

          الجواب: الحمد لله رب العالمين. أفيد على ما تقدم من إشكال وأسئلة بما يلي:
          1- بالنسبة لقصة حاطب .. لا بد من النظر إلى مجموع الأسباب والعوامل التي أقالت عثرته، وحالت من لحوق وعيد الكفر به والتي أجملنا ذكرها في النقاط الخمس من مقالنا ” حكم الجاسوس ” .
          فإن اقتصر النظر على سببٍ منها دون غيرها .. صعب علينا فهم قصة حاطب والأسباب الحقيقية التي أدت إلى إقالة عثرته وحالت دون لحوق الكفر به. 
          2- عند الحديث عن صحابي بدري جليل كحاطب .. وعما كبا وزل فيه .. لا بد من أن نُعمل معه أحسن الظن والتأويل .. بما يليق بجنابه وفضله وجهاده، وحسناته .. وهذا بخلاف لو أردنا  أن نتناول شخصاً معيناً مجروحاً في عدالته .. مشبوهاً في علاقاته وارتباطاته .. فإنه لا يحتاج ولا يستحق منا إلى كل هذا التأويل والظن الحسن ..!
          3- التأويل أحياناً يكون مانعاً من موانع لحوق الكفر والوعيد بالمعين .. وذلك بحسب نوعية وقوة التأويل واستساغته شرعاً، وعقلاً، ولغة.
          وعند الحكم على معين بأنه معذور بالتأويل لا بد من النظر إلى أمور منها: المسألة التي تأولها .. هل تحتمل التأويل أم لا .. والطريقة التي تأول بها هل هي مستساغة شرعاً ولغة وعقلاً .. والشخص المؤَّل ذاته .. والملابسات المحيطة به التي حملته على هذا النوع من التأويل .. والنظر إلى سيرته ومواقفه العامة من دين الله تعالى .. هل هو ممن يعهد عليهم تأويلات وتفسيرات أهل الزندقة أم لا .. فهذا كله يؤثر على تحديد التأويل المعذر من سواه .. ويُحدد الدرجة التي يُتأول له بها .. حيث هناك تأويل يمنع عن المعين لحوق التكفير لكن لا يمنع عنه التضليل والتأثيم والتعزير .. وهناك تأويل يُسقط عنه حد الردة ولا يُسقط عنه ما دونه من الحدود .. وهناك تأويل يسقطهما معاً في الدنيا والآخرة .. وهذا فقه كبير .. تفصيله يطول لا يسمح به المقام هنا .. لا بد لمن يستشرف الحكم على الآخرين بالتأويل أو عدمه أن يكون ملماً إلماماً جيداً بهذا الفقه .. والله تعالى أعلم.
          4- حديثنا عن سلامة القصد .. وتشفعه لحاطب .. ذكرنا أن ذلك كان خاصية من خصوصيات النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان يُقيل عثرات بعض أصحابه لعلمه بسلامة سريرتهم وقصدهم وباطنهم عن طريق الوحي .. وهذه ليست لأحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ بمعنى لو فعل شخص في زماننا ما فعله حاطب .. لا يمكن أن نحكم على باطنه وقصده .. وإنما نحكم عليه من خلال ما يظهر لنا من كفر أو إيمان .. وهذا الذي أردناه عندما ذكرنا أثر عمر -رضي الله عنه-.
          5- إذا أردت يا أخي أن تأخذ من مقالي فقط الفقرة التي أشكلت عليك الآنفة الذكر .. من دون أن تجمع بينها وبين غيرها من النقاط والكلام .. أو من دون أن تنظر إلى مجموع المقال وتحسن التوفيق بين أجزائه .. ومقدماته ونتائجه .. تظلمني .. وتظلم المقال .. وتظلم حاطباً .. وتظلم المسألة كمسألة شرعية علمية .. هذا ما يحضرني الآن .. وما يسمح به الوقت من الإجابة على ما أشكل عليكم، وما تقدم من استفسارات .. أدعو الله لي ولكم بأن يفقهنا بالدين .. وأن يجعلنا من العاملين بما نعلم .. والحمد لله رب العالمين.
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.