موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

شبهة ورد: أن نفي أصل الإيمان في "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" منازع فيه

0 88

س702: أجبتم حفظكم الله تعالى عن قوله تعالى :) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (. في السؤال 626: بأن النفي الوارد في الآية للإيمان يُراد منه نفي مطلق الإيمان ؛ لأن مجموع النصوص ذات العلاقة بالمسألة تدل على أن من يرد حكم الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يرضى به ، ويؤثر حكم غيره على حكمه ليس بمؤمن ، وهو كافر خارج من الملة ، كما قال تعالى :) فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ( النساء :59. فكتب بعضُ مرجئة العصر تعليقاً، فقال: إيراد هذه الآية للتمثيل على نفي الإيمان مراداً به نفي أصله تمثيل منازع فيه، لأن هذه الآية تعم وتشمل مَن ردَّ حكم الله عناداً واستكباراً ومَن ردّه عن هوى وشهوة، وفي صحيح البخاري 2708 عروة قال : خاصم الزبير رجلاً في شريج الحرة فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – :”  اسقِ يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك ” . فقال الأنصاري : يا رسول الله ! أن كان ابن عمتك ! فتلون وجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ثم قال :” اسقِ يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك “. فاستوعى النبي – صلى الله عليه وسلم – للزبير حقَّه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاريُّ، وكان أشار عليهما صلى الله عليه وسلم بأمر لهما فيه سعة . قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك :)  فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم (الآية .

 فهذا الأنصاري لَم يكفره النبي – صلى الله عليه وسلم- ولَم يستتبه، وإنما اكتفى بتعزيره بتأخير الماء عنه، فالآية تشمل صنفين من الناس : كفرة وفسقة  .. ومعلومة قصة عمر مع ذاك المتحاكم وضربه عنقه ـ إن صح الحديث ـ وكلام السلف في هذه الآية يشمل الصنفين : الكافر والفاسق .. ومعلوم أن القاضي لما يظلم ويحكم بغير الشرع ولو في قضية واحدة أن الآية تنطبق عليه انطباقاً تاماً .. وقد أجمع العلماء على عدم تكفير مثل هذا القاضي حتى يظهر منه عناد واستكبار أو استحلال للحكم بغير ما أنزل الله، والسؤال : ما توجيهكم ؟
          الجواب: الحمد لله رب العالمين. لا ندري مرجئة العصر متى سيقفون عن الجدال عن طواغيت الحكم والكفر، وعند أي حد ـ من إثارة الشبهات والتشويش على عقائد الناس ودينهم ـ سيقفون وينتهون ..؟!!
          وللرد على هذه الشبهة الساقطة أفيد بما يلي:
          1- قول المرجئ ” إيراد هذه الآية للتمثيل على نفي الإيمان مراداً به نفي أصله تمثيل منازع فيه “! أقول: من أين أتى النزاع، ومن قال بهذا النزاع من السلف وأهل العلم المعتبرين .. وما استدل به لا يفيد على حصول النزاع في دلالة الآية على انتفاء أصل الإيمان عمن وقع فيما أشارت له الآية الكريمة .. وهو شاهد عليه لا له كما سيأتي بيانه!
          2- قوله ” فيها نزاع ” هذا معناه أن المخالف لهم له مستند شرعي وسلف معتبر .. وبالتالي لا يجوز أن يُرمى بأنه من الغلاة أو يُنكر عليه وكأنه أتى بشيء محدث في الدين .. هذا على افتراض حصول النزاع كما زعم المرجئ .. وإن كنت أجزم أن هذا النزاع المزعوم هو مفترى على العلم وأهله مرده إلى هو هذا المرجئ الذي استهوى الجدال عن طواغيت الحكم والكفر!
          3- لو تأملنا سبب نزول الآية الكريمة لوجدنا أنها نزلت في سبب هو من الكفر البواح، وبالتالي فإن قوله تعالى:) فلا وربك لا يؤمنون (، يفيد نفي أصل الإيمان .. والأقوال في سبب النزول ثلاثة لا رابع لها: أولاً أنها نزلت في المحتكمَين ـ اليهودي والمنافق ـ إلى الطاغوت كعب بن الأشرف .. وهذا الذي رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره .. وهذا سبب يفيد الكفر البواح بلا خلاف.
          ثانياً: أنها نزلت في الذي لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم .. فاحتكم إلى ابي بكر فحكم له أبو بكر بما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم .. فلم يرض .. فاحتكم إلى عمر بن الخطاب عسى أن يجد عنده الحكم الذي يرضيه .. فحكم عليه عمر بقطع العنق، وما فعل ذلك عمر رضي الله عنه إلا لأنه رآه قد كفر باحتكامه إليه وعدم رضاه بحكم النبي صلى الله عليه وسلم .. فأنزل الله الآية .. وهذا سبب كذلك يفيد الكفر البواح.
          ثالثاً: أنها نزلت في الزبير والأنصاري في خلافهما على الماء .. كما هو وارد في الحديث المذكور أعلاه في السؤال .. وهذا أيضاً سبب يفيد الكفر البواح .. وهذا الذي لم يقدر عليه المرجئ أن يفهمه.
          أما أنه من الكفر البواح؛ لأن الأنصاري قال كلاماً للنبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يُفسر إلا أنه كفر بواح؛ فقوله للنبي صلى الله عليه وسلم:” أن كان ابن عمتك ” أي أنك حابيت ابن عمتك على حساب الحق .. فأنت حكمت له بهذا الحكم لأنه ابن عمتك .. وليس لأنه هو الحكم العدل .. وهذا عين الكفر البواح .. فمن يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك لا شك بكفره .. ولا مناص لنا من الحكم عليه بالكفر البواح.
          فإن قيل علام النبي صلى الله عليه وسلم إذاً لم يحكم على الأنصاري بالكفر .. ولم يقم عليه حد الردة ولم يستتبه كمرتد عن الدين ..؟!
          أقول: الجواب على هذا السؤال يكمن في النقاط التالية: 
          أولاً: لعلمه صلى الله عليه وسلم بسلامة قصده وباطنه .. حيث كان صلى الله عليه وسلم من سنته أن يقيل بعض عثرات أصحابه لعلمه بسلامة باطنهم وقصدهم عن طريق إخبار الوحي له .. وهذه ليست لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن العربي في كتابه أحكام القرآن 1/456: كل من اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فاعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه وأنها كانت فلتة، وليس ذلك لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ا- هـ.
          وكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول:” إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيراً أمّناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يُحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال
إن سريرته حسنة “ا- هـ.
          ثانياً: النبي صلى الله عليه وسلم في حياته له كامل الحق في أن يعفو عمن نال منه أو تطاول على جنابه صلى الله عليه وسلم بشيء من الأذى، وله أن يقتص، وينتصف لحقه .. وحد الطعن بالأنبياء القتل .. وهذا ليس لأحد بعد الأنبياء .. وسيرته صلى الله عليه وسلم مع مخالفيه تثبت الجانبان: جانب العفو عن بعض من نال منه، وجانب القصاص والانتصاف.
          هذا في حياته لكن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من مخول من الأمة أن يعفو عن حق هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول للشاتم أو المنتقص اذهب قد عفونا عنك ..؟!!
          خلاصة القول: أن خيار العفو عن الشاتم أو المنتقص للنبي صلى الله عليه وسلم قد ذهب مع وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي بعده القصاص والحد، وحد الطعن بالنبي القتل ولا بد.
          ثالثاً: في رواية عند النسائي وغيره أن هذا الأنصاري الذي اختصم مع الزبير كان من أهل بدر .. ومعلوم كم لأهل بدر من الخصائص والميزات ما ليس لغيرهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم في أهل بدر:” لعل الله اطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم إني قد غفرت لكم “. فحسنة بدر والنصرة لدين الله لا شك أنها معتبرة، وهي من جملة الأسباب التي تعين على الشفاعة لصاحبها عند ورود مثل هذه الزلات والسقطات، والله تعالى أعلم. 
          لأجل هذه الأسباب مجتمعة لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابي بعينه بالكفر رغم وقوعه في الكفر، وتلفظه به، والله تعالى أعلم.
          4- الآية الكريمة ـ من خلال ما تقدم ومن خلال ألفاظ الآية ذاتها ـ نزلت فيمن يؤثر حكم المخلوق على حكم الخالق .. فلا يرضى بحكم الله، ويجد في نفسه الحرج والشك من حكم الله، فلا يُسلم لحكم الله تسليماً .. وهذا الوصف من التحاكم لغير الله لا شك أنه كفر بواح .. وهو بخلاف التوصيف والتدليس الذي أتى به المرجئ كقوله كما ورد في السؤال ” ومعلوم أن القاضي لما يظلم ويحكم بغير الشرع ولو في قضية واحدة أن الآية تنطبق عليه انطباقاً تاماً .. وقد أجمع العلماء على عدم تكفير مثل هذا القاضي ..”! فهذا المرجئ لم يفرق بين الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله في قضية كما ذكر ـ وهذا المعنى غير مراد من الآية ـ وبين الذي لا يرضى بحكم الله ورسوله، ويؤثر التحاكم إلى المخلوق على التحاكم إلى الخالق سبحانه وتعالى ..!!
          من أخطاء مرجئة العصر المتعمدة أنهم يفسرون جميع الآيات القرآنية ذات العلاقة بتوحيد الله تعالى في الحكم .. كما يفسرون قوله تعالى:) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (. فيفسرون قوله تعالى:)  وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ( كما يفسرون قوله تعالى:) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( فلا يفرقون بين الحاكم وبين المتحاكم الذي يؤثر حكم الطاغوت على حكم الله .. ولا بين الحاكم وبين المشرع الذي يشرع الحلال والحرام من تلقاء نفسه .. ويجعل لنفسه خاصية التشريع من دون الله تعالى .. ولا بين الحاكم المجرد وبين الحاكم الذي يحارب حكم الله ويستعديه .. ويجعلون جميع هذه الحالات تنقسم إلى كفرين أكبر وأصغر .. وهم كعادتهم في كل مرة لن ينسوا إقحام مقولة حبر الأمة ابن عباس ” كفر دون كفر ” في كل جهل من جهالاتهم .. وتأويل من تأويلاتهم الباطلة!   
          5- فإذا عُلم الذي تقدم ذكره، أقول: تفسيرات أهل العلم للآية كلها محمولة على الكفر البواح، وعلى انتفاء الإيمان بمعنى انتفاء أصله، وإليك بعض أقوالهم:
          قال ابن جرير الطبري في تفسيره: يعني جلا ثناؤه بقوله ) فلا ( فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. واستأنف القسم جل ذكره فقال ) وربك ( يا محمد ) لا يؤمنون ( أي لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك ) حتى يحكموك فيما شجر بينهم (، يقول: حتى يجعلوك حكماً بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه ا- هـ.
          فانظر كيف فسر انتفاء الإيمان الوارد في هذه الآية على انتفاء التصديق بالله وبرسوله وما أنزل الله من التنزيل .. والسؤال: هل يجوز حمل هذا الانتفاء للتصديق على الكفر الأصغر .. أو الكفر دون كفر .. كما زعم المرجئ؟!!
          وقال ابن القيم في كتابه التبيان: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحاكم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول،  ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض ا- هـ. فتأمل!
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.