موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

جنس العمل

0 84

س953: قد وقع خلاف بين الأخوة هنا عن قضية جنس العمل؛ المخالفون يقولون أن هذا الكلام محدث واصطلاحه وتعريفه بدعة، وقد رمى بعضهم فضيلتك بالإحداث .. وقد بينا بطلان قولهم .. إلا أننا نريد من فضيلتك بيان بأن التعريف واصطلاحه موجود في الكتب، وقد نسيت في أي الكتب قد تطرقت لهذه المسألة .. نرجو الرد بما يشفي صدور المستضعفين، وبالله التوفيق؟ 

          الجواب: الحمد لله رب العالمين. جنس الشيء؛ أي أصله ونوعه، وترك جنس العمل؛ هو ترك أصله ونوعه، وتارك جنس العمل هو تارك أصل العمل ونوعه فلم يأت منه شيئاً.
          فاستخدام كلمة ” جنس العمل ” أو جنس الطاعات ” أو ” جنس المأمور به ” أو ” جنس  المنهي عنه “، ونحوها من الاطلاقات ليس من الإحداث في الدين في شيء .. وإنما هي كلمات عربية فصيحة موجزة تختصر معانٍ عدة، يُستعان بها لتوصيل أو شرح معنى شرعياً دلت عليه نصوص الشريعة!
          ثم أنني لست أول ولا آخر من استخدم مثل هذه المصطلحات أو الكلمات؛ فأهل العلم كانوا ولا يزالون يستخدمونها .. ويستحسنون استخدامها .. ولا أعرف من استهجن أو أنكر استخدامها سوى أفراخ التجهم والإرجاء المعاصرين لغاية خبيثة في نفوسهم!
          فعلى سبيل المثال لا الحصر، فانظر ماذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى 20/85: أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه، وأن جنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عنه ..”.
          وقال 7/16: وأيضاً فالجهاد جنس تحته أنواع متعددة، ولا بد أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه ..” ا- هـ. ولو أردنا أن نتتبع هذه الاطلاقات ونحوها في كتبه فهي تجمع في مجلد مستقل .. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل شيخ الإسلام في استخدامه لهذه المصطلحات والاطلاقات يكون ممن أحدث في الدين ما ليس فيه ..؟!!
          فإن قلت: ما الذي عنيته من قولك أن تارك جنس العمل كافر ..؟
          أقول: عنيت به ما يلي:
          1- أن تارك العمل بالطاعات الظاهرة فلا يأتي منها شيئاً فهو كافر مشرك .. بنص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة.
          2- أن تارك العمل بالتوحيد، فلا يعمل بالتوحيد .. فهو كذلك كافر مشرك .. بنص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة .. وإن عمل أو أتى بالطاعات الأخرى!
          3- أن تارك الصلاة؛ فلا يصلي قط .. فهو كذلك كافر مشرك .. بنص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة .. مهما عمل أو أتى من الطاعات الأخرى!
          فترك جنس العمل يُطلق ويُراد به ترك مطلق العمل .. كما ويُطلق ويُراد به ترك نوع من العمل أو آحاد الأعمال، والقرائن اللفظية هي التي تميز هذا عن ذاك، وتعرفنا أن المراد هذا المعنى أو ذاك.
          هذا الذي نريده، وهذا الذي عنيناه من استخدامنا لمصطلح ” ترك جنس العمل “، وأهل التجهم والإرجاء لما عجزوا عن جدالنا، ورد هذا المعنى الذي قصدناه وعنيناه .. لدلالة النص عليه .. ذهبوا ليغوصوا في الماء العكر .. ليخرجوا لنا بمقولتهم الغريبة الفاسدة التي تنم عن جهلهم وإفلاسهم، وخبث طويتهم، والتي تقول: أن القول بأن تارك جنس العمل كافر .. هو بدعة وإحداث في الدين .. وما أرادوا من ذلك سوى ترهيب طلاب العلم من القول بما تفضي إليه هذه العبارة من معان ودلالات دلت عليها نصوص الشريعة .. وأنَّى! 
          ونحن نقول لهؤلاء المخالفين: لا مشاحة في الاصطلاح .. إن وافقتم على المعنى الذي أردناه، والمذكور في النقاط الثلاثة أعلاه .. نمتنع عن استخدام هذا المصطلح .. فنحن ما أردنا سوى أطر العباد ـ وبخاصة منهم المخالفين ـ إلى ذلك .. ولكن هل تلتزمون لنا بما ذكرناه في النقاط الثلاثة المذكورة أعلاه؟! 
          فإن قلت:هلا ذكرت لنا بعض أقوال أهل العلم الدالة على أن تارك العمل بالطاعات الظاهرة يكون كافراً؟
          أقول:هي أكثر من أن تُحصر في هذا الموضع، وإليك بعضها:
          روى اللالكائي بسنده كما في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 5/957، عن حنبل ابن إسحاق قال أخبرنا الحميدي أن أناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوموالحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة!
          فقلت ـ أي الحميدي ـ: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين، قال الله عز وجل:] وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5.
          قال حنبل: سمعت أبا عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره، وعلى الرسول ما جاء به ا- هـ.
          وقد ذكره الخلال في كتاب السنة رقم ” 1027 “، وكذلك شيخ الإسلام في الفتاوى 7/209.
          قلت: هذا فيمن يقول، فكيف فيمن يفعل، أو يقول ويفعل لا شك أنه أشد وأغلظ كفراً ونفاقاً؟!
          وقال ابن تيمية في الفتاوى 7/287: لو قُدر أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيءٍ مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نُصلي، ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم بل نقتلك أيضاً، ونقاتلك مع أعدائك، هل كان يُتوهم عاقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويُرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك ا- هـ.
          وفي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: عن الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان.
          قال أبو ثور:فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ما أراد الله عز وجل من العباد إذ قال لهم:] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [؟ الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟
          فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة.
          فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل.
          قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعاً لم زعمتم أن يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعاً؟!  
          أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به أيكون مؤمناً؟
          فإن قالوا: لا.
          قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئاً أيكون مؤمناً؟
          فإن قالوا: نعم.
          قيل لهم: ما الفرق، وقد زعمتم: أن الله عز وجل أراد الأمرين جميعاً، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمناً، لا فرق بين ذلك؟! ا- هـ.
          وغيرها كثير من النقولات لو أردنا ذكرها ونقلها .. وكذلك لو أردنا أن نجمع أقوال أهل العلم الدالة على كفر من لا يعمل بالتوحيد .. لجمعنا مصنفاً كاملاً ومستقلاً .. وكذلك أقوالهم في تارك الصلاة!
          أما الجواب عن الموضع الذي بحثنا فيه كفر تارك جنس العمل .. وهو ما سألت عنه، نقول: انظر كتاب ” أعمال تخرج صاحبها من الملة “، ص201.
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.