موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

تعليق على بعض أعمال المجاهدين في العراق

0 90

س985: كثرت في الآونة الأخيرة الأخبار والصور وأفلام الفيديو التي تأتينا من العراق والتي نرى فيها عمليات ذبح لرهائن من المسلمين ومن غير المسلمين بطريقة حز العنق بالسكين  وقد خرج كثير من العلمانيين وعلماء السلاطين ومن يدعون أنهم من المسلمين المعتدلين  ليدينوا هذه الأفعال بأبشع الأوصاف من دون أن يقدموا الدليل الشرعي على حرمة ذلك  .. والسؤال الذي نود طرحه على الشيخ , هو هل يجوز أصلا خطف الرهائن بالشكل الذي يجري في العراق اليوم  .. وثانيا هل ورد في الأثر صحة طريقة الذبح هذه التي نشاهدها  والتي تعتبر بحد ذاتها تعذيبا للضحية .. وجزاكم الله عنا وعن المسلمين كل الخير؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين. فقد وردني نحو هذا السؤال من أكثر من طرف وجهة .. ولا مناص إلا أن أجيب .. وبالتالي فإن جوابي عن هذا السؤال هو جواب عن أسئلتهم كذلك. 
وعليه فأقول: من دخل العراق محارباً مقاتلاً أو معيناً ومظاهراً للغزاة المحاربين بأي نوع من أنواع الإعانة والمظاهرة، عُومل ولا بد معاملة أهل الحرب .. وأجريت عليه أحكام أهل الحرب، والتي منها الأسر والحجز وما يتعلق به من أحكام، أياً كانت جنسيته، وكانت لغته، وكان دينه .. فمنظاهر الغزاة المعتدين من الكافرين على الإسلام والمسلمين فهو منهم، وحكمه حكمهم، كما قال تعالى:)  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (المائدة:51. وهذا أمر لا أعلم فيه خلافاً بين أهل العلم المعتبرين.
أما من يدخل العراق من غير المسلمين ـ أياً كانت جنسيته ـ على غير وجه وصفة المحارب، ولم تُعرف عنه إعانة للغزاة المعتدين، وكان له أمان أو شبهة أمان من بعض مسلمي العراق أو علمائهم، أو بعض مؤسساتهم، وشركاتهم الخاصة ونحو ذلك .. فمن كان كذلك لا يجوز الاعتداء عليه في شيء، ولا ترويعه، بل هو آمن بأمان المسلمين له، وترويع من كانت هذه صفته أو خطفه وأسره، أو الاعتداء عليه أو على شيء من حرماته، فهو غدر بالعهد والأمان، وخُلق مذموم شرعاً، وهو ما ننزه عنه المجاهدين المخلصين الذين يتحرون أحكام الشرع في كل ما يقومون به.
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً “. وقال صلى الله عليه وسلم:”من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فإنه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة “. وقال صلى الله عليه وسلم:” من قتل نفساً معاهدة بغير حلها، حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها “. وغيرها كثير من النصوص الشرعية التي تحرم الغدر، وتلزم بالوفاء بالعهد، قد تناولناها في أكثر من موضع من أبحاثنا.
أما ما يتعلق بعملية الذبح المشاهدة وحز الأعناق كوسيلة للقتل أو لتنفيذ حكم القتل فيمن يستحق القتل شرعاً من ذوي الحدود والقصاص، والذي منهم الأسير الكافر، إن كانت مصلحة الجهاد تقتضي الأخذ بخيار القتل، فإني لا أستحسن اللجوء إلى هذه الوسيلةلعدم ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه الكرام رضي الله عنهم، ولمنافاتها للإحسان والرفق الذي أُمرنا بهما شرعاً حتى في عملية تنفيذ الحدود والقصاص.
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن الله كتب ـ أي فرض ـ الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته ” مسلم.
ومن الإحسان في القتل أن تختار أحسن وأكثر وسائل القتل إراحة للمقتول .. أما قوله صلى الله عليه وسلم:” وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ” المراد به ذبح المواشي والأنعام التي تُذبح للأكل .. وإذا أمرنا أن نراعي الإحسان حتى في ذبح المواشي والدواب، فمن باب أولى مراعاة الإحسان عند التعامل مع الإنسان!
وقال صلى الله عليه وسلم:” إن الله محسنٌ يُحب الإحسان، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ..”.
وقال صلى الله عليه وسلم:” إن الله رفيق يُحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف، ومالا يُعطي على ما سواه ” مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:” إن الله رفيق يُحب الرفق في الأمر كله “. بما في ذلك القتل وتنفيذ القصاص، وقال صلى الله عليه وسلم:” إن الله رفيق يُحب الرفق ويرضاه، ويُعين عليه مالا يُعين على العنف “. 
فإن قيل فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لكفار ومشركي قريش:” يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح ” وأشار بيده إلى حلقه، فقال له أبو جهل: يا محمد ما كنت جهولاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أنت منهم “.
أقول: قوله صلى الله عليه وسلم ” ما أرسلت إليكم إلا بالذبح “، يراد به أنه ليس لكم عندي إن أبيتم إلا الإعراض، والحرب، والمحادة لله ولرسوله .. إلا القتل والقتال .. بدليل أن الطاغية أبا جهل قُتل في ساحات القتال في موقعة بدر كما بشره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولم يُذبح ذبحاً بالمعنى والطريقة التي نشاهدها تحصل للأسرى على أرض العراق!
فإن قيل: فما بال الأخبار والآثار الكثيرة التي تتكلم عن تطاير الرؤوس في ساحات المواجهة والقتال .. وشفها بالسيوف .. ألا يُعتبر ذلك دليلاً على جواز عمليات الذبح التي نشاهدها في العراق؟
أقول: ما يُقال في ساحات المواجهة والقتال، وما يمكن أن يحصل فيها شيء وما يُقال عند تنفيذ الحدود والقصاص شيء آخر، وبالتالي فلا يجوز حمل وقياس أحدهما على الآخر.
فإن قيل: أنظر إلى جرائم الأعداء وما يفعلونه من جرائم وإبادات جماعية بحق الآمنين من المسلمين .. حيث يدمرون على الآمنين من الأطفال والنساء منازلهم، ليتحول المنزل إلى مقبرة جماعية لجميع أفراد الأسرة .. ألا يبرر لنا ذلك اللجوء إلى وسيلة الذبح كما ورد في السؤال؟
أقول: ظلم وإجرام الآخرين .. لا ينبغي أن يحملنا على تجاوز حدود الشرع، والوقوع في الظلم والتعدي، وعدم الاعتدال .. وهذا من أبرز ما يميز أمة الإسلام، وبخاصة منهم المجاهدين، فالمسلم إذ يُقاتل فهو يُقاتل بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وبتعاليمه وليس له غير ذلك .. بخلاف الآخرين فإنهم لا ضابط لهم ولا وازع، ولا خلق يردعهم من فعل أي شيء!
بقي جانب لا بد من أن نشير إليه: وهو ضرورة مراعاة المصالح والمفاسد التي تتحقق من جراء استخدام وسيلة دون أخرى؛ فإذا ثبت أن وسيلة من وسائل القتل ـ على افتراض إباحتها ـ قد يترتب عليها مفاسد كبيرة ترجح على المصالح ـ كما في وسيلة الذبح المشار إليها في السؤال ـ فعلام لا يُستعاض عنها بوسائل أخرى ممكنة، وتؤدي نفس الغرض .. وبنفس الوقت تفوِّت على العدو هذا الشغب الذي يثيرونه على المسلمين بعامة، والمجاهدين منهم بخاصة .. والذي يكون في كثير من الأحيان ذريعة لهم لارتكاب مزيد من الجرائم والمجازر بحق المستضعفين من المسلمين والتي يصعب ردها أو احتواؤها؟!

فإن عُلم هذا الذي تقدم أقول: كما أن المجاهد مطالب بإنزال النكاية قدر المستطاع في العدو الغازي للديار، والمعتدي على الحرمات .. فإنه كذلك مطالب ـ قدر المستطاع ـ بأن يهتم بالجانب الأخلاقي من جهاده .. وأن يقف موقف الأخلاق والمروءة والرجولة .. وأن يُرسل ـ بين الفينة والأخرى ـ رسائل أخلاقية تعبر عن عظمة هذا الدين، وأخلاق هذا الدين .. وسماحة هذا الدين .. وغايات وأهداف هذا الدين .. فهذا النوع من الرسائل لا ينبغي أن يُغفل عنها .. أو يُستهان بها .. فقد تكون لها نتائج إيجابية أبلغ مما يمكن أن يتحصل عن طريق السيف .. فالمجاهد داعية إلى الله تعالى قبل أن يكون مقاتلاً، كما أن من أسمى غايات القتال والجهاد هداية العباد .. وأطرهم ـ طواعية ـ إلى عبادة رب العباد .. وهذا لا شك أنه يحتاج إلى مواقف أخلاقية صادقة ترقى إلى مستوى عظمة أخلاق وتعاليم هذا الدين.

Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.