موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

مناقشة الشبهات والردود حول مقالتنا بخصوص الانضمام إلى جبهة النصرة

0 2٬279

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله رب العالمين، وبعد. فقد وردتني بعض الردود والتساؤلات حول مقالتي “الانضمام إلى جبهة النصرة”، منها رسالة للأخ أبي عزام الأنصاري، فوجدتها لا تخرج عن المآخذ التالية:
          أولاً: قالوا: “أفتيت بحرمة الانضمام إلى جبهة النصرة من دون أن تذكر أي مخالفة شرعية للنصرة .. والتحريم يُبنَى على المخالفات الشرعيّة، وليس مجرد الرأي”.
          أقول: الضرر المحقق من وراء قعْدنة الثورة الشامية، وربط الشام والثورة الشامية بالقاعدة واستراتيجيتها وأعمالها في العالَم .. هذا من الموافقات الشرعية أم من المخالفات الشرعية .. أم أنكم ترون الإسلام يبيح الضرر والأذى؟!
          وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَن آذى مؤمناً فلا جهادَ له” [صحيح الجامع:6378]. فكيف بالذي يؤذي ويضر مؤمني أهل الشام مع قدرته على دفع هذا الأذى والضرر عنهم .. لكنه يأبى عصبية لحزبه وجماعته!
          ولأهلنا في الشام كلام يتهامسه الجميع، ينبغي أن يسمعه الجميع، فإنهم يقولون: مَن الذي أتى بوحوش وأشرار وخوارج داعش إلى الشام .. ليُعملوا في أهل الشام ومجاهديهم، وثورتهم القتل، والذبح، والتفجير، والغدر .. أليست القاعدة ممثلة في النصرة؟!
          فبعد أن كان أهل الشام في همّ واحد أصبحنا في همين: همّ النظام النصيري المجرم، وهمّ الدواعش الخوارج الأشرار!
          ومع ذلك إلى الساعة لم تسجل القاعدة اعتذاراً للشعب السوري عمّا تسببه خوارج داعش ــ الذين خرجوا من عباءة القاعدة والنصرة ــ لهم من أذى وضرر ..!
          هل هذا من الموافقات الشرعية أم من المخالفات الشرعية؟!
          وقد استولوا على مقرات وأسلحة جبهة ثوار سوريا، وحركة حزم .. وقتلوا منهم، واعتقلوا .. فدعاهم جميع علماء وعقلاء أهل الشام لتشكيل محكمة شرعية مستقلة تنظر في أسباب النزاع، لتنصف المظلوم من الظالم .. وحتى لا تكون سنّة بين الفصائل والجماعات، فيسطو القوي منها على الضعيف من غير منكِر ولا حسيب .. فرفضوا، وأصمّوا آذانهم عن هذا كله .. فهم الخصم والحكم في آن معاً .. والدعوى جاهزة دائماً: خونة .. عملاء .. مرتدون .. من غير بينة .. ومن غير أن يسمحوا لأحدٍ أن يتبين!
           هل هذا من الموافقات الشرعيّة أم من المخالفات الشرعية؟!
          تواطؤهم مؤخراً مع خوارج داعش في مخيم اليرموك على بقية الفصائل المجاهدة المتواجدة فيه .. وقد رُوجِع بعضهم حول ذلك، فأجابوا: تعاونّا مع خوارج داعش؛ لأن الطرف المقابل خونة .. عملاء .. مرتدون!
          أليس هذا أسلوب ومنطق خوارج داعش عندما يريدون أن ينتهكوا حرمات فصيل من الفصائل .. تراهم يقدمون بين عدوانهم بالتهم الجاهزة: خونة .. عملاء .. مرتدون، ومن غير بينة تُذكَر، سوى الظن الذي لا يُغني من الحق شيئاً!
          هل هذا من الموافقات الشرعية أم من المخالفات الشرعية؟!
          ثانياً: قالوا: “أوكلما أطلقت أمريكا ومعها دول الغرب على جماعة من الجماعات بأنها إرهابية، يجب التخلي عنها، وعن اسمها، وهذا من لوازمه أن نتبرأ من جميع الجماعات العاملة الجادة، ومن أسمائها .. وما يُقال ويجري على هذه الجماعات، يُقال ويجري على القاعدة ومسمى القاعدة ..”؟ 
          أقول: لا؛ ليسوا سواءً .. فليس كل من أطلق العدو عليه وصف الإرهاب، دعونا للبراءة منه، ومن اسمه .. معاذ الله.
          كثير من الجماعات صُنّفت أمريكياً وغربياً أنها إرهابية .. ومع ذلك لم يكن لتوصيفهم أي أثر أو اعتبار .. والشعوب المسلمة، والحرة التي تحترم نفسها سخرت من أمريكا والغرب بتوصيفهم لتلك الجماعات بأنها إرهابية .. من ذلك توصيفهم لحماس غزّة بالإرهاب .. ومع ذلك فالأمة كلها تحتضنها وترعاها .. بما في ذلك بعض الحكومات والدوائر الرسمية .. ولا أحد يبالي!
          ونحوهم الإخوان .. بل حتى حركة الطالبان ذاتها التي تظهر وكأنها ترعى وتحتضن القاعدة .. وقادة القاعدة قد بايعوها .. لم يبالِ أحد لتوصيفهم بالإرهاب .. وذلك أن استراتيجيتهم القتالية انحصرت على دفع عدوان العدو الصائل داخل بلدانهم .. مع قدرتهم على تصدير الصراع إلى خارج بلدهم!
          مشكلة القاعدة أنها ــ ولا تزال ــ تعتمد استراتيجية رمي السهام في كل حدب وصوب .. وفي كثير من الأحيان بصورة طائشة، خاطئة، لم تراع فيها عهداً ولا أماناً لمعاهدٍ أو مستأمن .. ولا سياسة شرعيّة معتبرة .. وقد أنكرنا بعضها في حينها حتى مللنا الإنكار!
          استراتيجية استعدَت بها العالم كله، وفتحت معه باباً للصراع لا يُغلَق .. فلم تستثني دولة؛ في الغرب أو الشرق، في الجنوب أو الشمال .. إلا وجعلت منها ميداناً لأعمالها .. إلا إيران فلم يُعرف عنهم أنهم أحدثوا فيها شيئاً رغم قربهم منها .. فزعَّروا بذلك العالَم كله عليهم، وعلى كل من ينتمي إليهم .. وهذه استراتيجية طائشة مردودة بالنقل والعقل، لا تناسب جهاد الأمة، والشعوب المسلمة الحرة التي تنشد الحق، والعدل، والحرية، والحياة العزيزة الكريمة.
          بسبب هذه الاستراتيجية للقاعدة .. حصل اتفاق بين العالَم كله؛ عربه قبل عجمه على تجريم القاعدة .. ومن أرادوا محاربته واستئصاله ــ لتسهل عليهم المهمة ــ يأتون به إلى ساحة ودائرة القاعدة .. ويُلبسونه ثوب القاعدة .. فإذا وافقهم الطرف المقابل ــ سواء كان حزياً أو جماعة ــ وأتى بنفسه طواعية إلى دائرة القاعدة .. وسمى نفسه بالقاعدة .. شكروه؛ لأنه بذلك سهل عليهم مهمّة محاربته وتصنيفه، والتخلص منه .. وسهّل عليهم توحيد الكلمة فيما بينهم ــ على ما بينهم من تباين واختلاف وتنازع ــ على استصاله ومحاربته.
          لأجل ذلك قلنا ونقول: ليس من حق القاعديين المتعصبين لمسمى القاعدة أن يلزموا جهاد الأمة، والشعوب المسلمة، والجماعات الراشدة العاملة .. بمسمّى القاعدة .. ولا بطريقتها واستراتيجيتها في العمل .. وقلنا أن هذا المسمّى المحدَث يسهل على العدو والطغاة الظالمين مهامهم القذرة بحق الإسلام، والمسلمين.
          ونقول: على قدر ما تعتصم الجماعة ــ أيما جماعة تريد أن تعمل للإسلام والمسلمين، ونهضة أمتهم ــ بخندق الإسلام .. وخندق الأمة .. وخندق الشعوب المسلمة الحرة .. وتعمل وفق استراتيجية راشدة تضمن مصالح هذه الخنادق الثلاثة مجتمعة .. على قدر ما تكون هذه الجماعة موفّقة، وتسير في الاتجاه الصحيح .. وعلى قدر ما تصعّب على العدو مهامّه .. لا يضرها بعد ذلك تصنيف العدو لها بالإرهاب، ولا بأي شيء آخر، لأن الله معها، ثم أن الشعوب المسلمة كلها معها!
          ثم بعد ذلك نقول ــ وحق لنا ولغيرنا أن يقول ويتساءل ــ: إذا تبين أن أي اسم محدَث ــ سواء كان القاعدة أو غيره ــ سيعيق الحركة، ويؤخر العمل .. وضرره يغلب نفعه .. فما الذي يمنع شرعاً وعقلاً أن يُستبدَل باسم آخر؟!
          لماذا يبدي البعض تعصباً لبعض المسميات والانتماءات المحدَثة التي ما أنزل الله بها من سلطان، فيوالي ويعادي عليها، ويُحب ويبغض، ويُعطي ويمنع فيها .. وكأنها أسماء منزّلة مقدّسة .. وما هي كذلك؟!
          ألم يستبدل النبي صلى الله عليه وسلم كلمة”بسم الله الرحمن الرحيم”بكلمة”باسمك اللهم”، وكلمة”محمد رسول الله”، بكلمة”محمد بن عبد الله”، من أجل أن يمرر المصلحة الراجحة والمترتبة على صلح الحديبية …؟!
          أيهما أقدس وأعظم كلمة”بسم الله الرحمن الرحيم”، ومحمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أم اسم وكلمة القاعدة …؟!!
          اللهم غفرانك …..!
          ثالثاً: قالوا: “الغرب لن يرضى عنّا، تسمينا بالقاعدة أم لم نتسمّ بها .. وبالتالي ما الفائدة من فك الارتباط بالقاعدة، والتَّخلي عن اسمها .. ألم تقرأ قوله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ]البقرة:120″؟
          أقول: يوجد فرق بين العداء العقدي الفكري، وهو ما دلت عليه الآية الكريمة، وبين العداء العسكري .. فالأول قائم بين المسلمين، وغيرهم من غير المسلمين .. لا خلاف عليه .. لكن لا يلزم منه بالضرورة العداء العسكري مع الجميع.
          العداء أو البغض العقدي .. لا يستدعي ولا يبرر لك شرعاً ولا عقلاً أن تستعدي العالَم كله عسكرياً، وتزعّرهم على بلدك وشعبك .. ثم بعد ذلك تستدل على تهورك وسوء صنيعك هذا بالآية الكريمة أعلاه!
          اقرأوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يُعرَف عنه قط أنه واجه عدوين ــ فضلاً عن جميع الأعداء ــ في زمنٍ واحد .. أخذاً بالأسباب، ورأفة بالمؤمنين.
          ولما اجتمعت الأحزاب على المسلمين في موقعة الخندق، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لنعيم بن مسعود: “خذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة”. بينما لسان حال بعضنا يقول العكس: خذل علينا مزيداً من الأعداء إن استطعت .. لا يكفي أهل الشام أنهم يُجاهدون النظام النصيري المجرم، وإيران، وحزب اللات، وشيعة روافض العالَم .. لا يكفي أهل الشام هذا .. بل خذل عليهم جميع العالَم .. وجيش عليهم ــ على ما هم فيه من استضعاف ــ جميع جيوش العالَم .. ومن دون استثناء!!
          ألم يستشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أن يعطي نصف تمر المدينة لمشركي غطفان، مقابل أن يفكوا تحالفهم مع قريش، وينفضّوا عن حصار المدينة .. رفقاً بالمؤمنين؟!
          ألم يفرّق النبي صلى الله عليه وسلم بين القبائل العربية المشركة؛ حتى لا تدخل جميعها في حلف قريش ضده .. فنص صلح الحديبية على أن من شاء من القبائل أن يدخل في حلف محمد صلى الله عليه وسلم، دخل في حلفه، ومن شاء دخل في حلف قريش .. فدخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في حلف قريش.
          ألم يقل الله تعالى: [وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]البقرة:195.
          ألم يقل الله تعالى: [إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً]آل عمران:28.
          ألم يقل الله تعالى: [لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ]التوبة:128.
          أم أنكم تعارضون بين هذه الآيات الكريمات وبين الآية الكريمة الواردة في سورة البقرة، رقم”120″، فتضربون القرآن بعضه ببعض ..؟!
          ألم تقرأوا قول النبي صلى الله عليه وسلم، وتتأملوه: “لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه، قالوا: وكيف يُذلُّ نفسَه؟ قال: يتعرّضُ من البلاء لما لا يُطيق” [صحيح سنن الترمذي:2254].
          ألم تفقهوا الحديث الذي أخرجه مسلم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “أنَّ رجلًا استأذن على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. فقال: ائذنوا لهُ. فلبئسَ ابنُ العشيرةِ، أو بئسَ رجلُ العشيرةِ”. فلما دخل عليهِ ألانَ لهُ القولَ. قالت عائشةُ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ! قلتَ لهُ الذي قلتَ. ثم ألنتَ لهُ القولَ ؟ قال: “يا عائشةُ إنَّ شرَّ الناسِ منزلةً عند اللهِ يومَ القيامةِ، من ودَعَه، أو تركَهُ الناسُ اتقاءَ فُحْشِه”.
          والله تعالى يأمر موسى وهارون عليهما السلام بأن يقولا لفرعون قولاً ليناً، فقال تعالى: [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى]طه:43-44.
          وفي المقابل يوجد منا من يحرّم على المسلمين أن يلينوا القول مطلقاً في وجه بعض الكافرين أو المنافقين  .. لجلب بعض المصالح .. أو ليدفعوا عن أنفسهم بعض الضرر والأذى!
          وعن أبي الدرداء، قال: “إنَّا لنُكشِرُ في وجوهِ أقوامٍ وقلوبُنا تلعنُهُم.
          وعن محمدِ بنِ الحنفيةِ بن علي بن أبي طالب، قال: “ليس بحكيمٍ من لا يعاشرُ بالمعروفِ من لا يَجِدُ من معاشرتِه بُدًا؛ حتى يجعلَ اللهُ له فرجًا أو مخرجًا” [صحيح الأدب المفرد682].
          هل لهذا الفقه العظيم موضع معتبر في أدبيات وفقه القاعدة والقاعديين … أم أنه يعتبر من الانبطاح والإرجاء، والخنوثة الفكرية، كما يعبر عن ذلك البعض؟!
          فريق منّا تراه يلعن العلمانية في اليوم مائة مرة؛ لأنها تفصل الدين عن السياسة .. فإذا طالبناه بأن يُعمِل عقله، والسياسة الشرعية .. تراه يتحجّر، ويتخشَّب .. وسرعان ما يرميك بالموبقات وشر الألقاب .. وأنك منبطح .. وفاته أنه بصنيعه هذا يكرس لدى جماعته مبدأ العلمانيّة، وفكرة فصل الدين عن السياسة من حيث لا يشعر، ولا يريد!
          رابعاً: قالوا: “إن كان تضييقاً لأجل التمسك بالدين فلا بد من القبض على الجمر وتحمل الأذى في سبيل الدين .. وكلّ انتماء لتنظيم فيه تضييق بصورة من الصور فهل يسري هذا على الجميع أم يختص بالنصرة”.
          أقول: أيما تضييق .. أو عسر .. أو ضرر .. أو عنَت .. أو مشقّة .. حتى لو كان باسم الدين ومن أجل الدين .. يمكن دفعه وتفاديه ــ من غير انتقاص أو تفريط بواجب شرعي ــ يجب دفعه بالنقل والعقل .. فالضرر، والعسر، والعنَت، والشّقاء لا يُطلب لذاته .. وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله”العفو والعافية”، وبدفع الضرر.
          وأيما تضييق .. أو ضرر .. أو عسر .. سواء كان من أجل الدين أم من أجل غيره .. لا يمكن دفعه ولا تفاديه .. مع محاولة دفعه وتفاديه، وبذل الجهد المستطاع من أجل ذلك .. فهذا بلاء نتلقاه بالرضى، والصبر، والتسليم .. نرجو ثواب الصبر عليه من الله تعالى. 
          ولا يخلط بين الأمرين إلا جاهل أو سفيه .. قال تعالى: [طه . مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى]طه:2. فحيثما يوجد الشّقاء، فاعلم أنه ليس هو دين الله .. وكل تكليف مؤداه إلى المشقة والشقاء .. فالقرآن الكريم بريء منه .. حاشاه أن يأمر به .. قال الطبري في التفسير: لا والله ما جعله الله شقياً، ولكن جعله رحمة ونوراً، ودليلاً إلى الجنة ا- هـ.
          وقال تعالى: [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً]الشرح:5-6. وما غلب عسر يُسرين.
          والقاعدة الفقهية تقول: “إذا ضاقت اتسعت”. بينما فريق منا يجنح للتشدد ــ ويحسب نفسه في ذلك أنه يحسن صنعاً ــ إذا ضاقت زادها ضيقاً، وإذا تعسّرت، أردفها بعسر آخر وآخر .. وإذا اشتد الخناق، زاده شدة .. حتى يخنق نفسه ومن معه، ومن حوله!
          وفي الحديث، فقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الدينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبَه”البخاري.
          وقال صلى الله عليه وسلم: “يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنفِّروا”البخاري.
          خامساً: قالوا: “العالَم لا يحتاج لمبررات، من أجل قصفك ومحاربتك …”.
          أقول: بل يحتاج بشدة؛ فمهما كان الباطل غشوماً وجهولاً وظلوماً فهو يحتاج في معركته مع الحق وأهل الحق إلى مسوغات ومبررات أخلاقية وإنسانية .. تبرر معركته .. ليظهر أمام شعبه والعالَم أنه يدافع عن العدالة .. والإنسانية .. وأمن الشعوب!
          تأملوا كل معركة ــ عبر التاريخ كله وإلى يومنا هذا ــ يخوضها الباطل ضد الحق وأهله .. إلا وتجدونه يبحث لنفسه عن مبررات ومسوغات .. بعضها يكون ظاهراً، وبعضها الآخر قد يكون باطناً .. ويتكلّف المليارات من ميزانيته لإيجاد هذه المبررات إن لم يجدها بسهولة .. أو يجد من يمنحه إياها من جهلة المسلمين .. فأنت يا عبد الله يا مسلم، لا تعطها ولا تسوقها له بثمن بخس، وأحياناً بلا ثمن!
          كم من مسلم داعية راشد، يصدع بالحق، وله بصماته على الصحوة الإسلامية والجهادية الراشدة .. ومع ذلك لم يجدوا لأنفسهم عليه سلطاناً .. بينما لو أحد هؤلاء الدعاة صرح أنه من القاعدة فقط .. في ساعته يُغيَّب في غياهب السجون، وتنتهك جميع حرماته .. هذا واقع لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان، أو أن نتعامى عنه!
          ألا ترون كم هي إيران ــ ومعها روافض العالَم ــ تحتاج إلى شمّاعة”داعش”، في كل منطقة أو مدينة سنيّة في العراق، تريد غزوها ودخولها .. لتنتهك بعد ذلك حرمات أهلها من أبناء الإسلام!
          إذاً لا نُعمي الأبصار .. فالقوم يبحثون عن ذرائع ومبررات لأعمالهم .. ولا يخفى هذا الأمر إلا على كل مغيب عن واقعه! 
          سادساً: قالوا: “القاعدة لا تملك مشروع دولة؟ .. سلّمنا جدلاً .. فمن الذي يملك مشروع دولة فيصلح الانضمام إليه، فإن كان الكل لا يملك، فلن ننضم لأحد بناء على الفتوى!!، وإذا كانت هي حاولت وفشلت .. فمن الذي حاول ونجح حتّى ننتقل إليه؟!“.
          أقول: لا بد أولاً من الاعتراف أن القاعدة، وخوارج داعش”جماعة الدولة”الذين خرجوا من عباءة القاعدة .. وتسللوا إلى الشام عن طريق القاعدة .. قد صعّبوا جداً المهمة على أهل الشام، وعلى علمائهم ومجاهديهم .. وأعني مهمة قيام دولة إسلامية عادلة راشدة، قوية، لها مؤسساتها المدنية والعسكرية سواء!
          وعلى القاعدة .. أن تتواضع .. وتسجّل اعتذارها للشام، ولأهل الشام على ما تسببته لهم على هذا الصعيد من حرج وضيق. 
          فإن عُلِم ذلك، أقول: جميع الجماعات والكتائب الشامية المحلية تملك مقومات الاتحاد فيما بينها، كما تملك مقومات العمل، والمشاركة من أجل قيام دولة إسلامية عادلة راشدة، على مستوى الوطن السوري .. وإنه لكائن بإذن الله. 
          وأنا آسف جداً في أن أقول: أن النصرة بسبب ارتباطها بالقاعدة .. واعتماد سياسة واستراتيجية عولمة المعركة .. ستبقى العقبة الكأداء والأصعب أمام قيام ونشوء هذه الدولة!
          كيف ..؟
          أقول: النّصرة بين ثلاث خيارات، لا رابع لها.
          أولها: أن تشارك النصرة بقية الفصائل والجماعات قيام هذه الدولة، مع ارتباطها ــ وربطها للآخرين ــ بالقاعدة، وباستراتيجية وأعمال القاعدة، وبقيادات القاعدة في أفغانستان، وخراسان، واليمن، والصومال، والجزائر .. وغيرها من الأمصار ..  تراجعهم وتستأمرهم في شؤون الدولة الخاصة والعامة .. وهذا خيار يستحيل تحقيقه، أو القبول به على المستوى الداخلي السوري، والمستوى الخارجي.
          ثانيها: أن تنفرد في قيام هذه الدولة من دون بقية الفصائل والجماعات الشامية .. وتربطها مباشرة بالقاعدة الأم في خراسان، وباستراتيجيتها، وأعمالها .. وهذا أيضاً خيار مستحيل، ومكلف جداً .. على مستوى الداخلي والخارجي سواء.
          ثالثها: أن تعتزل .. وتترك الجماعات والكتائب الشامية يمضون لهدفهم، وقيام دولتهم بعيدين عنها .. ولا أحسب النصرة ستقبل أو يمكن أن تقبل بهذا الخيار!
          ولحل هذه المعضلة قبل وقوعها .. وقبل دفع ثمنها باهظاً من ديننا، ودمائنا وأموالنا، وأمننا، وشامنا الحبيب .. وقبل أن يقع المحظور .. اقترحت، ولا أزال أقترح على الأخوة في النصرة، بأن يفكوا طواعية ارتباطهم بالقاعدة، وباستراتيجيتها، وأن يعلنوا عن أنفسهم بأنهم فصيل مستقل عن أي ارتباط خارجي، وأنهم يعملون لصالح الشام وأهل الشام، شأنهم شأن أي فصيل أو جماعة شامية محلية … فحينئذٍ وحسب، تُحَل هذه المشكلة، وغيرها من المشاكل الهامة العالقة …!
          أما عن مشاكل داعش خوارج”جماعة الدولة”، مع الدولة التي ينشدها أهل الشام، فالحديث عنها يطول .. فهي وجدت وغُرِست في الشام من أجل تعطيل وضرب أي حراك سياسي لمستقبل الشام .. لتبقى الشام تعيش مرحلة التوحّش، والفوضة الخلاقة .. ويكون ذلك ذريعة للتدخل الأجنبي بشؤونها، وشؤون أهلها .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
          وليعلَم الجميع أنني ما كتبت هذا الرد ــ وقبله المقالة المتعلقة بالانضمام إلى النصرة ــ رغبة مني في نقد النصرة .. أو إحراجها .. لا؛ وإنما رغبة مني في النصح لها، ولأخفف ــ ما استطعت ــ عن الشام، وأهل الشام الضرر، والحرج، والأذى  .. وإني لأسعد الناس بالنّصرة عندما تنتبه لأخطائها، وتؤوب إلى الحق فيما أشرنا إليه.
          أنا ناصح، مشفق، محب لجميع المجاهدين .. بما في ذلك مجاهدي النّصرة .. ولا يمكن أن أكون غير ذلك .. نذير لهم وصريخ من مآلات ــ أراها أمام عيني ــ لا تُحمَد عقباها .. كم وددت تفاديها قبل ولوجها .. فيقع النَّدم، ولات حين مندم.
          [ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ]هود:88.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
عبد المنعم مصطفى حليمة
“أبو بصير الطرطوسي”
15/4/2015
www.abubaseer.bizland.com
www.abubaseer.net

Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.