موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

حوار مع الدكتور عبد الكريم بكار حول نظام الحكم

0 390

حوار مع الدكتور عبد الكريم بكار حول نظام الحكم

بسم الله الرحمن الرحيم

            هذا حوار صوتي دار بيني وبين الدكتور عبد الكريم بكار، عن طريق البرنامج الإلكتروني الواتس، في الغرفة المخصصة لأعضاء المجلس الإسلامي السوري، حول نظام الحكم، وحقوق الأكثرية السنيّة في المجتمع السوري، رأينا من الفائدة ــ وليسهل الوقوف عليه ــ تفريغه، ونسخه.

          ــ الدكتور عبد الكريم بكار: السلام عليكم ورحمة الله .. أخي الفاضل الشيخ أبو بصير رعاك الله، تتحدّث عن حقوق السنة كأكثرية، أنت الآن تتحدث عن حقوق السنّة كأكثرية؛ أنت معنى ذلك تتحدث عن المحاصصة الطائفية؛ أي أن الأكثرية تتقاسم رئاسة الجمهورية والوزراء فرضاً، والنواب فرضاً، وأقلية أخرى يكون لها وزيرين وأقليه ثانية يكون لها وزير .. هذا الشيئ خطير يا شيخ أبا بصير، ونحن في وثيقة المبادئ الخمسة التي أخرجها المجلس رفضنا المحاصصة، كما تذكرون .. الأمر الآخر؛ الآن في الدولة الحديثة ما تُتنازع المناصب والحقوق على أساس الأديان والمذاهب، والعرقية، أنا أرى الشيخ أبا بصير على فضله واهتمامه بمحاربة الغلو، واهتمام بالسياسة الشرعية، لكن الرؤيا لديه ليست واضحة في مسألة الحكم.

          الآن يا شيخ أبا بصير لا يوجد شيئ في الدولة الحديثة أقلية أو أكثرية على أساس مذهبي أو عرقي أو طائفي أو لغوي أو إقليمي، يوجد شيئ واحد فقط أكثرية سياسية، وأقلية سياسية؛ يعني حزب سياسي يعتبر نفسه يمثل السنّه ويمثل تطلعاتها، ويمثل الثقافة والعقيدة الإسلاميه، يحمل القيم التي نحملها .. هذا الحزب في دورة انتخابية قد يأخذ الأكثرية، وبالتالي يحكم أربع سنوات، أو خمسة أو ستة، وفي دورة أخرى إذا لم يستطع أن يأخذ أكثر من نصف الأصوات أخذ 30% أو 40% تجده جزءاً من حكومة إئتلافيه، في دورة أخرى احتمال لا يدخل البرلمان كله، إذا كان مثل تركيا لا يدخل البرلمان أي حزب لا يحصل على 10% من الأصوات،  يمكن أن يمثل الأكثرية السنية ولا يدخل البرلمان ..  هذا هو المبدأ الذي تسير وفقه الدول مثل تركيا وماليزيا، وكل دول الشرق والغرب..  والأمس في سنغفورة انتخبت رئيسة جمهورية سنغفورة وأغلبها صينيون والمسلمون 15% انتخبت امرأة مسلمة رئيسة للجمهورية، ولم يعترض على ذلك الصينيون وهم يشكلون 70% أو 80%…  وذلك مثل وضعنا في سوريا. وكذلك صاحب القنبلة النووية الهندية رجل مسلم سني وأصبح رئيساً للهند، تعداد سكانها مليار ومئتي مليون، المسلمون فيها 250 مليون ولم يعترض الهنود على ذلك ..  لماذا؟ لأن هذه هي الدولة الحديثة …

           أنا أريد منك ــ ولو بتسجيل صوتي ــ أن توضح للأخوان، هذا الكلام العائم بخصوص حقوقنا، خلينا نفهم، ما هي حقوقنا، وكيف أنت تجسد هذه الحقوق، وكيف تدافع عن هذه الحقوق؟

          إلا إذا قلنا نريد أن نصبح مثل لبنان .. كل منا يأخذ منصب، والسنّة تأخذ ثلاث مناصب باعتبارها الأكثريه أو طائفة كبيرة أو هي أساس البلد، ممكن تقول هذا .. لكن ــ أبا بصير ــ لما نشتغل في السياسة، ليس هناك أهل سنّة في السياسة.

          وأنا أعرف هذا لما كنت في الإئتلاف، كان هناك إسلاميون، والإخوان كتلة كبيره؛ ستة، سبعة أو أكثر، ما في يوم صوتنا مع بعضنا، ولا استطعنا نعمل كتلة واحدة، لأننا خلال القضايا السياسية تختلف وجهات النظر، ولذلك غداً في أي انتخابات ستجد السنة  مقسّمين .. مثلاً برهان غليون سني، إذا ترشّح لمنصب ممكن نصف السنة ينتخبونه، وأنت لست راضياً لا عن برهان غليون ولا عن نصف السنّة الذين انتخبوه .. في السياسة ليس هنالك تحزبات إلا تحزبات سياسية، ومصالح سياسية، ورؤى سياسية، لا توجد تحزبات عرقية إلا في الدول العنصرية، مثل جنوب أفريقيا سابقاً، أو مثل إسرائيل.

          أنا أرجو من الأخ أبي بصير أن يشرح لنا، وحتى نفهم نحن ما الذي نريده، ونشرح هذا للعالم .. بارك الله فيكم، وشكراً جزيلاً للجميع.                    

          ــ الجواب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

          فقد وقفت على تسجيل وكلمات الدكتور عبد الكريم بكار الواردة أعلاه، والتي ينكر علينا فيها حديثنا عن حقوق أهل السنة كأكثرية في المجتمع السوري، على اعتبار أنه ــ ومعه المجلس الإسلامي! ــ يرفض المحاصصة، والنظم السياسية الحديثة لا تعترف بالمحاصصة الدينية، ولا بمحاصصة الطوائف، ولا يوجد في النظم السياسية الحديثة أهل سنة، ولا أهل الإسلام، وإنما توجد أكثريه حزبية أو أكثريه سياسية فقط، بغض النظر عن مرجعيتها الدينة والطائفية، وهي التي يحق لها الحكم، وهذا الحديث عن الأكثرية السنيّة وحقوقها مرفوض عند البكار، وعند النظم السياسية الحديثة، كما أفاد ..!

          ونزولاً عند رغبته في أن أشرح له ولغيره، ما نريده من حديثنا عن حقوق الأكثرية السنيّة المسلمة في المجتمع السوري .. أجيب عما ورد في كلامه، من أوجه:

          منها: هذه الأنظمة الحديثة المعاصرة التي لا تعترف بالأديان والطوائف، وإنما بالأكثرية السياسية ــ كما يوحي ظاهرها ــ قد مرت بتجارب ومجازر دموية كثيرة .. والتي منها محاكم التفتيش الصليبية .. الحرب العالمية الأولى والثانية .. الحروب الصليبية .. الحروب بين البروستانت والكاثوليك التي أنهكت أوربا .. وقوف الكنيسة بوجه العلم واكتشافاته .. وحمل الناس بالقوة على أقوال تتعارض مع العلم .. بعد هذه السلسلة من المجازر والقتل والاقتتال .. وليخرجوا من هذا النفق المظلم الذي أدخلتهم فيه الكنيسة .. اتفقوا فيما بينهم على نظام علماني يفصل الدين عن الدولة، وعن مرافق الحياة .. والذي ساعدهم على ذلك، وسهّل عليهم المهمة أن دينهم ــ الممثل بكنيستهم ــ يفصل الدين عن الدولة والسياسة، وعن الحياة، منذ أن رفعت الشعار الروماني القديم ” دع ما لله، لله، وما لقيصر، لقيصر، وما كان لله يصل لقيصر، وما كان لقيصر لا يصل لله “،  لذلك المجتمع الغربي لم يجد مشكلة في فصل الكنيسة والدين عن السياسة، وعن حياتهم الخاصة والعامة، أي أن دينهم ساعدهم على هذا الفصل بين الدين والسياسة لذلك انشأوا نظامهم العلماني المعروف .. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل يجوز للمسلمين أن ينحدروا هذا المنحدر، وهل الإسلام يقبل منهم ذلك؟!

          ومنها: أن غالب القوم في الغرب ــ بسبب فساد الكنيسة وانحرافاتها ــ لا دينيين؛ يجنحون إلى دين الإلحاد على طريقة الرومان أيام زمان، إلا أنهم يمتازون بقوانين تحملهم على السماحة فيما بينهم أكثر، فهم يجتمعون على تقديس الملك، وقانون الملك ثم بعد ذلك يتنافسون فيما بينهم على المناصب الحكومية، وعلى طريقتهم .. والسؤال الذي يطرح نفسه، ونكرره: هل يمكن للمسلمين أن يتنازلوا إلى هذا المستوى من الإنحدار عن ثوابت وأساسيات دينهم .. وهل الإسلام يقبل بفكرة فصل الدين عن الدولة، وعن الحياة والسياسة، وشؤون الحكم .. لنتواطأ بعد ذلك فيما بيننا على نظام سياسي يغيّب الطوائف، ويغيب الدين ..  ويغيب الإسلام عن الحكم وشؤون الحياة .. فالذي يحكمهم غير الذي يحكمنا نحن كمسلمين ..؟!

          ومنها: أن بلاد هذه الأنظمة الحديثة كما يصفها الدكتور بكار، تجدها رغم تحللها من فكرة تدخل الدين في عالمها السياسي إلا أنها تمارس عمليات إقصاء واستئصال للدين السياسي، وتجدهم في بعض المواطن يمارسون ويباركون المجازر الدموية، ذات البعد الطائفي والديني، ويتواطؤون فيما بينهم على ارتكابها كما في البوسنة والهرسك، وكما حصل في أفغانستان، وفي فلسطين، وفي العراق، وفي سوريا اليوم .. وغيرها من المناطق .. في الوقت الذي يَسلَم فيه بوذيو بورما الذين يقومون بمجازر رهيبة بحق المسلمين .. وكذلك الطاغية النصيري بشار الأسد .. وغيره من الطغاة المجرمين الذين سلطوا جام طغيانهم وإرهابهم ضد الإسلام والمسلمين .. لم يوصفوا بالإرهاب، ولم يلاحقوا تحت تهمة الإرهاب .. في المقابل فإن الغرب ممثلاً بحكوماته يطارد كل مسلم يشتغل بالسياسة، أو يحمل فكر الإسلام السياسي، ليصبغه بصبغة الإرهاب، الذي تجب ملاحقته، ومحاكمته .. حتى الأخوان المسلمين على طروحاتهم الديمقراطية .. تجد هنالك تجاذبات كثيره في دول الغرب على تصنيفهم كإرهابيين أم غير إرهابيين .. بينما غير المسلمين .. مهما كانت طروحاتهم عنصرية، وتتسم بالطائفية، والحقد الديني .. مسموح لها .. ومرخص لها .. لا يمكن أن تصنف كجماعات إرهابية .. حتى بتنا نسمع عن تسلط هذا الفريق العنصري الطائفي الديني، على كثير من مرافق الحكم والسياسة في بلاد الغرب!  

          فبالرغم من هذه الحداثة للنظم السياسية التي يتمتعون بها، وفتنت البعض منا، إلا أنها في كثير من المواقف الدبلوماسية، والسياسات الداخلية والخارجية، تعبر بطريقة أو بأخرى عن الحقد الطائفي، والإنتماء والدافع الطائفيين، فمثلا تجد أن أغلب دول أوروبا ترفض استقبال المهاجرين المسلمين حتى لايتغير عدد سكان النصارى في بلدانهم .. ومنهم من صرح أنهم يريدون مهاجرين نصارى لا غير، حتى لا يتأثر المكون الطائفي الديني لمجتمعاتهم .. كذلك موقفهم من تركيا، ما الذي يمنع من قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي المسيحي النصراني، الجواب، وبكل وضوح: لأنها دولة مسلمة، ستغير ديموغرافية الإتحاد الأوروبي .. قد قالوها، وقالوا ما هو أشد من ذلك ..  فالقوم على حداثتهم وعلمانيتهم إلا أنهم ينطلقون في تحديد سياساتهم واستراتيجياتهم العامة والهامة من منطلق ديني، وطائفي .. وإن ظهر أحياناً أن المصالح هي التي تحدد وتوجه سيساتهم ومواقفهم المعلنة، فالمصالح الظاهرة، تبع لمعتقداتهم الدينية والطائفية، لا يمكن أن تخالفها في شيء .. ونحن أغبياء عندما نغفل عن هذه الحقيقة، فنعارض حينئذٍ الواقع الذي نعايشه، ونخالف ونصادم النصوص الشرعية القطعية في دلالتها وثبوتها، ونحن ندري أو لا ندري .. قال تعالى:[ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ]البقرة:120. وقال تعالى:[ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ]البقرة:217. وقال تعالى:[ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ]النساء:89. وقال تعالى:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ]المائدة:51. وقال تعالى:[  وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ]الأنفال:73. وغيرها عشرات من النصوص التي تصدم المغفلين من أبناء جلدتنا، الذين يريدون أن يبعدوا الدين وأثره عن السياسة، والسياسيين …!!

          ومنها: أننا إذا نظرنا إلى المحيط الإقليمي لسوريا، نجد إيران دولة دينية طائفية تتمدد في كثير من الدول العربية، والمحيطة بسوريا، على أساس ديني طائفي، وفي نفس الوقت تلعب داخليا لعبة الديقراطية والأكثرية، ولكن وفق شروط ولاية الفقيه، ومجلس مصلحة النظام .. والعراق دولة طائفية شيعية، تحكم وتدار من قبل ولي الفقيه الإيراني ..  كذلك دولة إسرائيل؛ فهي دولة دينية رفعت شعار العلمانية فيما بينهم، لكن مع غيرهم ليسوا علمانيين، ولا ديمقراطيين، ولا حداثيين، لأن دينهم يأمرهم بذلك، وهم لا يستطيعون التحرر منه .. وكذلك لبنان دولة طائفية، تدار وتحكم بالعقلية الطائفية .. فمحيط سوريا محيط طائفي ديني شئنا أم أبينا، فأذرع إيران والغرب، وأمريكا، وروسيا في المجتمع السوري أذرع طائفية .. فالأقليات الطائفية كانت ولا تزال هي ذريعتها للتدخل في الشأن السوري الداخلي ..  فنحن ــ شئنا أم أبينا ــ محاطون بمجتمع طائفي حاقد ديني، وبنوازع ودوافع طائفية حاقدة، ألفت الخيانة والتآمر .. لا بد من أن ننظر لهذا المحيط بواقعية، ونتعامل معه بواقعية، عندما نريد أن نتكلم بالسياسة .. ونشتغل بالسياسة!

          سوريا منذ سقوط الخلافة العثمانية وإلى يومنا هذا، محكومة بالطوائف، ومن الأقليات الطائفية، بدعم مباشر من قوى الاستعمار الخارجي؛ لأنه يجد في هذه الأقليات الطائفية مصالحه، وخير معين له على تحقيق أهدافه ومآربه في المنطقة .. فسوريا مباعة للعدو منذ زمن ولا تزال .. حتى لو حكمها في أيام أو أشهر حاكم سني حكماً صورياً، كان محاطاً بسياج من العناصر المتنفذه الطائفية التابعة للأقليات ..  سوريا محكومة منذ سقوط الخلافة العثمانية، من الأقليات الطائفية .. وقد رأينا من تلك الأقليات الويلات!

          حافظ اللعين وعائلته حكموا سوريا خمسين سنة، ولا يزالون .. انظروا إلى هذا الموصل الذي أوصل إليه سوريا أرضاً وشعباً .. انظرو إلى هذا الكم الكبير من الخراب، والفساد، والإجرام الذي أحدثه ولا يزال يحدثه .. انظروا إلى هذا الكم الكبير من الخيانة والغدر والعمالة .. لا يمكن أن نتعامل مع هذا الواقع الطائفي المرير والخبيث الجاثم على صدر الشعب السوري ومنذ عقود، بطريقة وردية مثالية، وحداثية، وعلى طريقة بعض الأنظمة الأوروبية .. كما يريد البكار .. واقع خبيث مريض نعيشه لا بد من تشخيصه لتتم معالجته .. لابد للعمل السياسي، ولمن يريد أن يشتغل بالسياسة من أن يعيش واقعه أولاً، وأن لا يحلق في الفضاء كثيراً، ويرقى لهذا المستوى من التحدي والمواجهة لهذا الواقع .. وإلا سنؤكل كما أوكلنا مراراً من قبل .. وسنُحكم بنصيري آخر .. وحافظ أسد آخر ألعن وأشد .. ونضطر إلى ثورات أخرى تالية .. وبصورة لا تعرف سوريا معها الخير ولا الإستقرار … إلى متى سنظل نعيش الذل بجميع صوره وأشكاله تحت رحمة هؤلاء الأشرار .. ألم يأن للسواد الأعظم من الشعب السوري أن يعيش يوماً حراً في دينه ومعاشه، وبيته من غير خوف ولا مهانة، ولا ذل؟! 

          ومنها: أن العلمانيين في بلاد الغرب يمتازون فيما بينهم ــ وداخل بلدانهم ــ بالسماحة، لأنه ــ كما أفدنا من قبل ــ لا توجد مشكلة بينهم وبين الدين الذي يعيشون معه، فلا يجدون مشكلة في فصل الدين عن الدولة .. بينما العلماني في بلاد العرب والمسلمين ــ الذي يريد أن يفصل الإسلام عن الدولة والسياسة والحياة ــ سيجد مشكلة كبيرة مع الإسلام والمسلمين .. وبالتالي فإن مهمته الأساس ــ ومنذ اللحظة الأولى من حكمه ــ كيف يحارب الإسلام، والمسلمين، وكيف يزج المسلمين في أقبية السجون والزنازين، وكيف يتمتع بتعذيبهم، وإهانتهم، وإذلالهم، وإقصائهم، وحملهم على الارتداد عن دينهم .. انظروا إلى جميع الأنظمة العربية العلمانية كيف مارست ــ ولا تزال ــ أقصى درجات الإضطهاد والظلم ضد المسلمين، ودينهم .. وأنا أصارحكم أن الكثير من أبناء سوريا .. من أبناء الثورة .. يتوجسون ــ بعد أن ضحوا بمئات الآلاف من الشهداء ــ خيفة وريبة .. ويخشون أن يكون البديل عن هذه الفوضى وهذا الخراب الذي أثاره البغدادي، وجلبه الجولاني … علمانياً حاقداً يرجعهم إلى عهد حافظ الأسد، يحارب مظاهر التدين، والحجاب، ويجبر النساء على التعري .. يمتهن نتف لحى العلماء والشيوخ .. ويسب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .. فتجربة شعوبنا مع العلمانية، والعلماني العربي تجربة مريرة وقاسية، فالعلماني العربي متخلف ووحش، وحقود لئيم، بخلاف العلماني في بلاد الغرب الذي يتسم بالسماحة مع أبناء ملته وبلده …!

          خلاصة القول: الإسلام دين دولة، ودين حكم وسياسة لا يمكن أن يُفصَل عن الدولة، ولا عن السياسة، ولا عن مرافق الحياة الأخرى .. والذي يقول غير ذلك، له ذلك، لكن لا يسمي نفسه مسلماً، ولينتقي لنفسه اسماً آخر، غير اسم الإسلام …! 

          ومنها: حتى لا نضيع، وتفقد الثورة أهدافها، وآمالها، في معمعة الانتخابات، والأكثرية السياسية، والتحالفات السياسية، التي قد تشوبها كثير من العناصر الخارجية والمؤثرة على سلامة الانتخابات، ومسارها، ونتائجها، والتي قد تجمع الأقليات الطائفية السورية في تجمع واحد، لتحقيق أغراض طائفية، تحت سياج السياسة، والعمل السياسي .. بينما الأكثرية السنية السورية ــ كما يتوقع ويُدبّر لها ــ ستكون متفرقة بين الأعداد الكثيرة لزعمائها، وأحزابها، وتجمعاتها .. فتصبح بذلك أقلية سياسية محكومة، ومضطهدة من قبل الأقليات وإلى الأبد .. حتى لا يقع شيء من ذلك، ونُقامِر بسوريا أرضاً وشعباً ثانية، وثالثة، ورابعة .. فتتكرر المأساة .. حيث أن هذه الطوائف أثبتت ــ وللأسف ــ عدم ولائها وانتمائها إلى سوريا أرضاً وشعباً .. كما أثبتت بجدارة عالية أنها غير أمينة على المجتمع السوري، ولا على أهله، بل ولا على حكم مزرعة من مزارعه .. من أجل هذا نقول: لا بد من ضبط العملية الانتخابية والسياسية بجملة من الإجراءات العملية، والدستورية والقانونية يتم التوافق عليها، من قبل جميع الشرفاء والمخلصين للثورة السورية .. التي نضمن من خلالها سلامة الدين، وسلامة الأكثرية السنيّة وحقوقها .. هذه مطالب طبيعية، وعادلة تليق بالأكثرية السنية، وبتضحياتها، وبثورتها …  لنا أكثر من خمسين سنة نقتّل ونذبّح، ونسجن، ونهجّر .. ألم يأن لنا أن نعيش يوما أعزاء كرماء في وطننا وديننا وعرضنا .. إلى متى ستظل الأقلية تقاتل بكل وقاحة على حقوق الأكثرية، وكأنها هي الأكثرية، وتزاحم الأكثرية في حقوقها، بينما الأكثرية تستجدي بعض حقوقها من الأقلية .. إلى متى سنظل بسبب المثالية السياسية المغفلة، نُحكم بالسياط والحديد .. ألم يأن لهذه الأكثرية التي تمثل 80% إلى 90%  من عدد سكان سوريا أن تعيش يوماً عزيزة حرة في دينها ومعاشها؟!

          لأجل جميع ما تقدم، تكلمت عن حقوق الأكثرية السنيّة في المجتمع السوري، وعن ضرورة تحصيلها، وحمايتها دستورياً وقانونياً، وبجميع الوسائل المشروعة، والممكنة …..

          ــ الدكتور عبد الكريم بكار: جزى الله الشيخ الفاضل أبا بصير خير الجزاء  على غيرته،  لكن لم يذكر لنا شيئاً عن كيفية حماية حقوق أهل السنة في سوريا؟

            ــ الجواب: عندما توجد القناعة، والإرادة، والعزيمة الصادقة .. والتّصميم والإصرار على استيفاء الحقوق غير منقوصة .. والارتفاع إلى مستوى الثورة، وتضحياتها، وآلامها، وآمالها .. يَسهل الصعب .. ويَقرب البعيد .. ويُنجز المستحيل .. وما هو غير ممكن يصبح بإذن الله ممكناً .. والعكس كذلك؛ عندما تغيب القناعة، وتغيب معها الإرادة، والعزيمة الصادقة، والهمة العالية .. ونتعاجز .. يصبح اليسير صعباً .. والقريب بعيداً .. وما يمكن، غير ممكن .. فالإنسان عندما صدقت إرادته وعزيمته، بلغ القمر، وما بعد القمر .. وعندما غابت وتغيب، يُرمَى في الحفر، ولا بواكي له .. وقد صدق من قال: ما ضاع حق وراءه مطالب .. وأزيد عليه: مطالب لحوح لجوج .. فكيف هذا المطالب إذا كان وراءه ثورة قد ضحّت بمليون شهيد من أجل حقوقه؟! 

          وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ ــ ويأمر أمته بأن تستعيذ ــ من العجز، والكسل … اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل. 

          وقال صلى الله عليه وسلم:” احرِص على ما ينفعُكَ، واستِعِن باللَّهِ، ولا تعجِزْ ” مسلم.

 

عبد المنعم مصطفى حليمة

” أبو بصير الطرطوسي “

30/9/2017

www.abubaseer.bizland.com

 

 

 

 
Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.