موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

الحَدَاثَةُ والحَداثِيُّون

0 440
الحَدَاثَةُ والحَداثِيُّون
الحَدَاثَةُ والحَداثِيُّون

الحَدَاثَةُ والحَداثِيُّون

بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمدُ لله ربّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على خاتمِ الأنبياءِ والمرسَلين، وبعد.

          يكثر الحديث والسؤال عن الحداثة والحداثيين .. فما هي الحداثة، ومن هم الحداثيون .. وهل الحداثة مذمومة أم ممدوحة .. أم ممدوحة من وجه ومذمومة من وجه آخر .. وما هو الوجه الممدوح منها إن وجِد، وما هو الوجه المذموم ..؟؟

          هذا ما سنجتهد أن نسلط عليه الضوء، ونجيب عنه في مقالتنا هذه،  بمشيئة الله تعالى وتوفيقه .. سائلين الله تعالى السداد، والتوفيق، والقبول.

          بعيداً عن تشويش التعريفات الفلسفية الكلامية التي لا تغني ولا تُسمن من جوع .. فالحدَاثَةُ تعني ــ كما في منبتها ومنشئها بلاد الغرب ــ عدم الثبات على شيئ، وتعني استمرار التطور والتغيير والتّجديد إلى مالا نهاية .. ما وُجِد الإنسانُ على وجه الأرض .. فهي ترفض الحدودَ التي تنتهي إليها، والأحكام أو القيود التي توقفها عند حدٍّ معين .. وتعتمد في نهجها على مجرد العقل، وعلى الحريّة المتمرّدة .. فما تستحسنه اليوم قد تستقبحه غداً .. وما تستحسنه اليوم، غداً يُصبح قديماً يحتاج إلى التحديث، والتّجديد .. وما تبنيه اليوم قد تهدمه غداً، ولا ترى في ذلك غضاضة ولا مانعاً .. فهي تعيش دوّامة الاستحسان والاستقباح .. والبناء والهدم .. والهدم والبناء .. بشكل دائم ومستمر ومن غير توقف .. استجابة لمطالب التحديث والتّجديد والتطور .. وتحت زعم اطلاق العنان للعقل أن يسير في كل اتجاه من غير قيد ولا شرط، وفيما لم يُخلَق له .. وهو ما يُسمَّى ” بالحريّة المتمردة ” على الدين، وجميع القيم، والروابط، والقيود الأخلاقية .. والإنسان هو الذي يدفع ضريبة هذا الانفلات، وهذه التجارب، وهذا التحديث والتغيير المستمرَّين، من نفسه، وحياته، وبيئته، وماله!

          والحداثةُ لها شقّين: مادي، ومعنوي.

          الشَّق المادي: استطاعت الحداثة الغربية أن تحقق انجازا ضخماً وملفتاً في مجال الاكتشافات العلمية: الصناعات، والتقنيات، والتكنولوجيا، وفي عالم المواصلات والاتصالات، والصعود إلى الفضاء، واكتشاف الكهرباء، والإنترنت، وغيرها .. وهي في تحديث وتطور مستمر لا يعرف التوقف .. فالجديد منها يُبطل القديم، أو السابق .. وما هو جديد اليوم غداً يُصبح قديماً لا قيمة له .. والغرض من ذلك ليس تلبية متطلبات وحاجيات الحياة الأساسية والضرورية والسعيدة للإنسان .. وإنما الغرض الأساس الكسب والربح الفاحش، والقوة، والهيمنة، والسيطرة، والمتعة .. وهذا ليس له حد يروي جشع الحداثيين يقفون عنده، لذا تراهم في كثير من الصناعات يتجاوزون فيها حد الترف، والإسراف، والتبذير .. إلى ما هو أوسع من الترف والتبذير .. وبصورة لا يرضاها العقل ولا الطبع السليم!

          ففي مجالات التسلح مثلاً تراهم ــ تحت عنوان جنون التسابق على التّسلّح ــ قد صنعوا أسلحة تدمر الأرض عشرين مرة .. ولا أدري بعد تدميرها في المرة الأولى .. ماذا ينفعهم ما تبقى من الأسلحة الضخمة التي تدمر الأرض تسعة عشر مرة، وقد دُمرت من المرة الأولى .. الجواب: إنما هي الحداثة المجنونة التي لا يجوز لها أن تتوقف عند حد معين، وحب الحصول على القوة التي تحقق لهم الاستعلاء، والهيمنة، والسيطرة، والمتعة!

          وما يصنعونه اليوم من الأسلحة، يدمرونه غداً ــ أو يبيعون القديم منها لدول الشرق الأوسط! ــ  ليصنعوا غيرها تكون أكثر فتكاً ودماراً .. وفي كثير من الأحيان تكون الأسلحة المدمرة هي ذاتها سبب دمار وهلاك للإنسان، والبيئة، والأرض .. وبخاصة إن كانت هذه الأسلحة أسلحة كيماوية، وجرثومية، أو نووية .. فحينئذٍ تراهم يبحثون عن مناطق وبلدان الشعوب الفقيرة والمسكينة ليبيدوا أسلحتهم هذه في أراضيهم، ومناطقهم مقابل مبالغ زهيدة تُرمَى لهم .. وهم مع ذلك في تصنيع مستمر للأسلحة، وتدمير للتصنيع .. وبصورة لا تعرف التوقف!

          وما قلناه عن الأسلحة، يُقال عن عالم المواصلات، والاتصالات، والعمارة، والصناعات المنزلية، والزراعية، وغيرها .. حيث تراهم ما يصنعونه اليوم، يدمرونه غداً .. ويحدثون بديلاً عنه .. قد يكون الفارق بينه وبين القديم قليلاً جداً أو لا يوجد .. يتجاوزون في الجديد حد الإسراف والتبذير .. والغرض من هذا كله .. ما ذكرناه من قبل: الكسب والربح الفاحش، والقوة، والهيمنة، والسيطرة، والمتعة .. وعدم التوقف عن التحديث!

          حتى الصناعات الغذائية .. ظلوا يلعبون بها .. ويغيرون فيها .. ويُحدّثون فيها، ويجددون .. ويُضيفون عليها من المعدلات والمحسنات، والمقبحات .. وبصورة مستمرة لا تعرف التوقف .. لغرض الكسب والربح الفاحش .. حتى أفسدوها وأخرجوها عن طبيعتها ووظيفتها التي خُلقت له .. لتسبب للناس أمراضاً لم يكن يعرفها الناس قبل مائة سنة .. وحتى بات الناس يشتهون المواد الغذائية الأصلية كما خلقها الله، والتي يسمونها ( Organic )، ولا يجدونها!

          كذلك عالَم الأدوية الغامض والمثير للشكوك والجدل .. فهو في تحديث مستمر .. فما يقررونه اليوم بأنه دواء، غداً يقررون بأنه داء، ليستبدلوه بدواء آخر .. هذا الدواء الآخر يعترفون بضرره لاحقاً، ليصنعوا غيره .. بل الدواء الواحد تراه يزيل داء، ويحقق داء أو أدواء في المقابل، فيصنعون له الأدوية التي تقلل من آثاره وضرره، وهكذا يستمر تصنيع الشيئ وضده إلى ما لا نهاية .. والغرض من ذلك كله الكسب والربح الفاحش والمحرم .. وجسد الإنسان لا يعدو عن كونه حقل تجارب لهذه الأدوية، ولهذا التحديث المستمر للأدوية الذي لا يعرف التوقف!

          عندما تغيب القيم الأخلاقية التي تحكم المادة، والصناعات الناجمة عن المادة، تصبح المادة وحشاً مفترساً، وسلاحاً ذا حدين، وفي كثير من الأحيان تكون سلاحاً ذا حدٍّ واحد، وهو حد الشّر ..!

          والإسلام لا يرفض التقدم أو التطور الصناعي الذي يخدم الإنسان، ويساعده على إعمار الأرض بصورة صحيحة ومشرقة .. لا؛ بل هو يحض على ذلك، ويأمر به بقوة:[ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ]يونس:101. [ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ]العنكبوت:20. [ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ]فصلت:53. [ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ]الأنعام:11. [ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ]الأنفال:60. والمسلمون الأوائل كان لهم السبق في تقرير العلم التجريبي، والتعامل معه،  بينما كانت أوربا غائرة في ظلمها وظلامها .. لكن الذي يرفضه الإسلام ولا يرضاه، أن تستغل المادة والصناعات الناجمة عنها لغرض الشر، والضرر، كما يرفض ما كانت الغاية منه مجرد الربح الفاحش مهما تسبب بالضرر للإنسان، كذلك كل ما يدخل في معنى الإسراف والتبذير .. وما يغلب شرُّه خيرَه، وضررُه نفعَه .. فهو كذلك مرفوض إسلامياً، حتى لو جاء تحت عنوان وزعم الحداثة، والتحديث، والتَّجديد!  

          كذلك يرى الإسلام أن القيم الأخلاقيّة الإنسانية هي التي يجب أن تحكم المادة، وهي التي ينبغي أن تسيرها، لتمنع من طغيانها، ولتبقى المادة في مسارها الإنمائي الخدمي الإعماري الصحيح .. فالمادة وسيلة غايتها خدمة الإنسان:[ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ]الحج:65.[ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ]لقمان:20. والحداثيون من هؤلاء الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى، فجعلوا من المادة إلهاً وغاية يرخصُ في سبيلها كل شيئ، وكل قيمة، بما في ذلك الإنسان ذاته، الذي لا يعدو عن كونه مجرد مادة، كأي مادة أخرى!

          الشّق المعنوي للحداثة: وهو الشّق الأوسع والأخطر أثراً، فكما أن الحداثة تنقض على القديم من المادة، وتستبدله بالجديد، وهي في انقضاد مستمر على كل ما يصبح قديماً ليستبدلوه بالجديد كما تقدم .. كذلك الحال في التعامل مع الدين، والقيم، والمبادئ، والمفاهيم الأخلاقية الإنسانية، إذ لا توجد عند الحداثيين قيمة أخلاقية ثابتة وحاكمة يرجعون إليها، فكما أن المادة تخضع للتحديث والتطوير والتجديد، ومن غير توقف، كذلك المفاهيم الحضارية، والقيم الأخلاقية الإنسانية تخضع للتحديث والتطوير والتجديد، من غير توقف عند حدٍّ معين، وبما يتناسب ويتوافق مع تفسيرهم للمادة وطريقة تعاملهم معها .. فأدى ذلك إلى أن انتهت الحداثة بالحداثيين إلى الإلحاد والكفر بالأديان السماوية، وبكل دين إلا دين واحد؛ هو دينهم الجديد؛ دين ” الحداثة “، بمفاهيمه وتفسيراته الخاصة عن الكون، والحياة، وما بعد الحياة، والإنسان، والمادة، والعلاقات الجنسية، والاجتماعية، وغيرها .. وبخاصة لما وجدوا الكنيسة وتفسيراتها الدينية تقف عقبة كأداء أمام اكتشافاتهم وتفسيراتهم العلمية، وتطورهم العلمي .. فجنحوا كردة فعل لموقف الكنيسة إلى العلمانية، وإلى الإلحاد، والكفر بكل دين، وبجميع العقائد، والقيم الأخلاقية التي تقررها الأديان .. وقالوا كما لا توجد مادة ثابتة، لا تخضع للتحديث والتجديد، كذلك لا توجد قيمة أخلاقية ــ مهما كان مصدرها مقدساً ــ ثابتة لا تخضع للنظر والتحديث والتجديد، فأخضعوا القيم الأخلاقية إلى النظر والتطور والتجديد، والتحديث المستمر الذي لا يعرف التوقف عند حد .. فلا يوجد عندهم قديم مقدس، لا يخضع للنظر، ولقواعد ومبادئ الحداثة والتحديث، إلى أن انتهت بهم الأمور إلى الشذوذ، والتيه والضياع، وإلى تفسيرات خرافيّة، لا يقرها عقل ولا نقل!

          والحداثيون لما ألحدوا وكفروا بالله العظيم، وبأنبيائه ورسله، وكتبه التي أنزلها على رسله، وما تضمنتها من تعاليم، وتوجيهات عقائدية، وتربوية، وأخلاقية، واجتماعية .. وكفروا وكذبوا بكل نقلٍ أو دليلٍ قديم لا يخضع للمشاهدة والملامسة والتجريب، مهما كان صحيحاً وثابتاً .. لما فعلوا كل ذلك، وجدوا أنفسهم مضطرين أن يعطوا تفسيراتهم البديلة والخاصة بهم عن الكون، والحياة، والإنسان، والمادة، والأخلاق، والعلاقات الإنسانية والاجتماعية، والجنسية .. والخوض في تحديد المحظور والمباح .. والحسن والقبيح .. والحق والباطل .. والخطأ والصواب .. فلننظر إلى بعض ما قالوا، ويقولون:

          الكون: وما فيه من خلق ودقّة في الخلق، ودقة في الوظائف لكل مخلوق فيه، فهو وفق اعتقاد الحداثيين، قد وجد صدفة، بلا غاية، ومن دون مسبب ولا خالق .. فأنكروا بذلك قانون السببية الذي يؤكد أن ما من مخلوق ولا سبب إلا ووراءه مسبب، وخالق ….!

          الإنسان: لينكروا الأديان السماوية، وأصل خِلقة آدم، وأن آدم عليه السلام هو أبو البشر وأولهم، ولكي يؤكدوا على نظريتهم في التطور، والحداثة والتحديث .. قالوا: الإنسان أصله من بكتريا .. تفاعلت وتطورت إلى فطريات .. ومن ثم إلى حشرات .. ومن ثم إلى زواحف .. وسحليات .. ومن ثم إلى قطط وجرابيع .. ومن ثم إلى قرود .. ومن القرود إلى صورة الإنسان الحالية .. وعملية التطور والتحديث ماشية وشغالة لم تتوقف بعد، ولن تتوقف .. قد تنتهي بالإنسان من جديد إلى أن يُصبح جاموساً أو تمساحاً .. أو أي شيئ آخر يوحي إليهم به شيطانهم .. المهم أن عملية التطور، والحداثة والتحديث مستمرة، لا يجوز لها أن تتوقف … وما قالوه عن الإنسان، يقولونه عن جميع المخلوقات الأخرى!

          وأنا هنا لست في صدد مناقشة نظرية التطور هذه التي يتبناها الحداثيون، ويدرسونها للأجيال في مدارسهم وجامعاتهم، والتي هي أتفه من أن تُنَاقش .. والتي لا تعدو عن مجرد إيحاء أوحى به الشيطان إلى أستاذهم داروين، فتلقفوها منه فرحين بتقليد ببغاوي أحمق، كما قال تعالى:[ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ]الأنعام:121. وإنما المراد مجرد الإشارة إلى منظومتهم العقائدية، والأخلاقية، والثقافية، التي تقوم على مبدأ التطور، والحداثة، والتحديث، والتجديد .. والتي تنسجم مع نظرتهم للمادة!

          الجنس والتزاوج والتناسل: بدأ التناسل والتزاوج بين الذكور والإناث، وبين الذكور فيما بينهم، وبين الإناث فيما بينهن، بمطلق الإباحية ومن دون أدنى قيود أخلاقية، تحرم طرفاً على طرف .. ثم تطورت العلاقة فوجد نظام الزواج القائم على تشكيل أسر، وفق عقد بين الزوج والزوجة .. ثم تطوروا من جديد فعادوا إلى الإباحية .. ثم تطوروا فعادوا إلى اللواطة والمثلية .. إلى أن وصل بهم الحال أن يجروا لهم عقود تزاوج رسمية في محاكمهم وكنائسهم، كما يعقد بين الأزواج من الذكور والإناث .. ثم تطوروا فجعلوا المثلية واللواطة من جملة المواد الدراسية التي تقرر على الأبناء .. ثم تطوروا فجرموا من يدين المثليّة أو اللواطة .. واعتبروا كل من يتعرض للمثلية واللواطة بأي نقد تصرفاً عنصرياً، ومن العنصرية التي يجب أن تحارب، ويُعاقب عليها .. ثم التطور والتحديث شغال ومستمر .. ليشرعنوا العلاقات الجنسية بين الإنسان والحيوان .. حتى بتنا نسمع عن فلان تربطه علاقة بفلانة الكلبة أو القطة .. وفلانة تربطها علاقة حب وتزواج مع قطة أو كلب .. أو أي حيوان آخر .. ولا ندري غداً ما بعد نكاح الحيوانات ماذا سيحدثون وإلى أين سينتهي بهم تطورهم .. وهكذوا فالشذوذ والتفلت الجنسي والأخلاقي في انحدار مستمر من غير توقف .. ليثبتوا نظرية التطور والحداثة، والتحديث، والتجديد! 

          فالجنس عندهم ليس له أي وظيفة إنسانية، فهو ــ كالطعام! ــ لا يعدو عن مجرد طاقة تحتاج إلى تفريغ .. بغض النظر عن الوسيلة والطريقة أو الكيفية التي يتم بها التفريغ .. ففشى فيهم الإيدز، وغيره من الأمراض الجنسية الفتّاكة والتي لم يكن يسمع بها الناس من قبل .. ودُمرت الأسرة، والروابط الأسرية كلها .. وغاب معها الأمن والأمان والاستقرار .. وغابت معها المحاضن الآمنة للأطفال .. حتى بات أكثر من خمسين بالمائة من الأطفال في بلاد الغرب، وأمريكا، يولدون عن طريق التسافد ــ كما تتسافد الحيوانات في الطرقات ــ من غير زواج شرعي .. لا يعرفون آباءهم ولا أصولهم .. بل كلمة ” الزواج الشّرعي “؛ باتت سُبة وتخلفاً لا مكان لها في قاموس، ولغة وتفكير الحداثيين …!

          الفنون، والتَّمثيل، والأفلام: أيضا هي في تطور وتحديث مستمر، وكلها تخدم فكرة التطور والتحديث، والحداثة عند الحداثيين ونظرتهم للمادة .. وتتلخص في اتجاهين، ووظيفتين: الهبوط الأخلاقي المستمر، وإلى مالا نهاية .. من خلال بث ونشر الإباحية والشذوذ بصور عديدة ومتنوعة، وجذابة .. واتجاه آخر يدعو إلى أن الإنسان هو الإله الأقوى والخارق، والقاهر للطبيعة، وجميع الكائنات، الذي لا يُقهَر ولا يموت .. فكثرت عندهم الأفلام الخرافية الخارقة للعادة .. والتي ينتصر فيها البطل على جميع قوانين ونواميس الطبيعة .. وتحديات الحياة .. ليؤكدوا للناس عدم وجود قوة قاهرة تعلو قوة وسلطة الإنسان، ويجعلوهم يطمئنون لهذه الخرافة!

          ولو أردنا أن نلخص وظائف وأهداف الفنون والتمثيل، والأفلام عند الحداثيين في كلمتين، نجدهما ” الإلحاد، والشهوات “، تصب في تعزيز وتعميق الإلحاد، وخدمة وتقديس الشهوات .. وليس شيئاً آخر غير ” الإلحاد، والشهوات “!

          الريّاضة: حتى الرياضة، لم تسلم من شر الحداثة والحداثيين، فهي الأخرى قد خضعت لمبدأ الكسب والربح، والإثارة، بغض النظر عن البعد الأخلاقي .. فلاعب الكرة أصبح كالعبد يباع بمئات الملايين من الدولارات .. يرخص سعره في مواضع، ويغلو في مواضع أخرى، بحسب السوق، والعرض والطلب .. والمتصارعان عندما يتصارعان تبدأ المراهنات على من سيفوز منهما، وتبدأ دور القمار تفتح أبوابها، وتعمل عملها .. قد يقتل أحد المتصارعين الآخر، ويضرّجه بدمائه ــ كما كان يحصل في زمن الرومان من قبل ــ هذا ليس مهماً في نظر ” الحداثة والحداثيين “، إنما المهم المتعةُ، والإثارة، ثم كم هي المكاسب المادية المترتّبة على فوز طرف على الطرف المقابل .. وهكذا يتعاملون مع حروب الشّعوب؛ ليس المهم ضحاياها من الناس، إنما المهم المتعةُ، والهيمنةُ، والسيطرة، والمكاسب الماديّة النّاجمة عنها، وتجريب غير المجرّب من سلاحهم المتطور!

          الأعمال البحثية الأكاديمية: سواء منها العلمية أم الإنسانيّة .. يرفضون فيها أي استدلال بغير المشاهد، والمدرك عن طريق الحواس .. وأيما استدلال بالنّصوص، فهو استدلال عاطفي مرفوض، يتنافى مع العقل بزعمهم .. ومع البحث العلمي .. ليؤكدوا فكرة أن الحياة مادة وحسب .. لا مجال فيها للروح، والقيم الأخلاقية الأخرى .. ولا للعواطف!

          الأخلاق: لا يؤمنون بعالم الروح، ومتطلباتها .. ولا بعالم الأخلاق والمبادئ والقيم الإنسانية .. التي تحدد معالم السلوك الإنساني .. وترشده لأحسن الأعمال والأخلاق والآداب .. لأنها تحد من توحش حداثتهم .. وليبقوا في انطلاق مستمر ومن غير توقف كالوحوش البريّة الداشرة .. لا توجد قيمة أخلاقية تردعهم أو توقفهم عن فعل المشين من الأعمال .. كما لا يوجد في قاموسهم ولغتهم: هذا حلال وهذا حرام .. أو هذا يجوز وهذا لا يجوز .. وقولك هذا يثير لديهم السخرية والشّفقة؛ لأنه وفق اعتقاد الحداثي لا توجد سلطة أعلى منه، تملي عليه، وتحدد له المحظور من المباح .. فهو الإله، وهو العبد والمعبود في آنٍ معاً، فما يراه زين فهو زين، وما يراه شين فهو شين، كما قال تعالى:[ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ]الفرقان:43. [ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ]الجاثية:23. [ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ]القصص:50.

          قيمهم الأخلاقية تنحصر، وتتلخص بالمفردات التالية ” القوة، الاستعلاء، والهيمنة والتسلط، المال والكسب الفاحش، تقديس المادة، المتعة، الشهوات “، وهذه معان كما هو ملاحظ لا ترتوي عند حدٍ معين ولا بقدر معين، وهي قابلة للتطور والتحديث باستمرار .. وكلما مددتها بما تريد، طالبتك بالمزيد، كما في الحديث:” لَو كانَ لاِبْنِ آدَمَ وادٍ مِن ذَهَبٍ، أحَبَّ أنَّ له وادِياً آخَرَ، ولَنْ يَمْلأَ فاهُ إلَّا التُّرابُ، واللَّهُ يَتُوبُ علَى مَن تابَ “مسلم. أما القيم الأخلاقية الإنسانية الأخرى .. فلا قيمة ولا وجود لها إلا بالقدر الذي يخدم قيمهم الآنفة الذكر .. وأيما قيمة أخلاقية راقية تقف أمام قيمهم الآنفة الذكر .. لا يترددون في تدميرها والدوس عليها .. لذا تراهم يدوسون على معاني الرحمة .. والعطف .. والإحسان على المستضعفين، عندما تقف هذه المعاني عقبة أمام بعض أطماعهم، وتسلطهم، وشهواتهم .. فحرق بلد بكامله .. وإبادة شعب بكامله، وبأسلحة محظورة ــ كما يحصل في سوريا اليوم ــ قضية فيها نظر، لا تستدعي القلق من الإنسان الحداثي الأوربي، ولا تثير لديه الشفقة، ولا الرحمة  .. لكن أيما عمل يهدد المصالح المادية للإنسان الأوربي الحداثي، مهما صغر .. أو يؤثر سلباً على حرية الشهوات .. تراهم يحركون طائراتهم، وبوارجهم الحربية .. ويعلنون الحرب والدمار والقتل ــ من غير هوادة ولا رحمة ــ لكل من يقف ضد أطماعهم، أو يقف بجوار من يقف ضد مصالحهم وشهواتهم .. ولما سئلت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة ” تريزا ماي “، هل تستخدم القنبلة النووية، والتي قد تسبب بقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، والمستضعفين الأبرياء .. في حال تعرض مصالح بريطانيا للخطر .. فكان جوابها: نعم، وبكل تأكيد!  

          مرجعيّة الحداثة: ترتكز الحداثة في تفسيراتها على ركنين أساسيين، وهما: الحرية المتمرّدة على كل قيد، وكل ما هو محظور وممنوع. والاعتماد على العقل وحده في تفسير وفهم الأشياء، والتعاطي معها .. وأي شيئ لا يدركه العقل، ولا يحسن تفسيره، فهو مردود ومرفوض .. والعقل في كثير من حالاته عندما تجرده عن النقل الصحيح، يعجز عن فهم كثير من الأشياء، كما يعجز عن أداء مهمته المنوطة به بصورة صحيحة[ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ]الإسراء:85. كما يتحوّل من العقل إلى الهوى .. ويهبط من مستوى العقل إلى مستوى الهوى، وهم لا يعلمون .. والفرق بينهما شاسع!  

            الحداثيون ليسوا حداثيين: يظن الحداثيون أن في نظرتهم للإنسان، وللحياة، ولما بعد الحياة .. وما تقدمت الإشارة إليه عن الشق المعنوي من الحداثة أنهم قد أتوا بشيئ جديد وحديث لم يُسبَقوا إليه .. وفي الواقع وحقيقة الأمر أنهم متخلفون جداً .. وهم باعتقاداتهم الحداثية مقلدون لما كان عليه أجدادهم الرومان، وغيرهم من الأمم الهالكة ما قبل الميلاد .. فكلهم ــ القديم منهم والجديد ــ قد اجتمعوا على الإباحية والإلحاد .. وإنكار البعث والدين، وعالم الروح  .. والقول بألوهية الإنسان بصور مختلفة .. والقرآن الكريم قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى:[ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ]الجاثية:24.[  وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ]الأنعام:29. [ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ ]التوبة:31.

          وعائشة رضي الله عنها، تحدثنا عن صور النكاح في الجاهلية ما قبل الإسلام، فتقول:” أنَّ النِّكَاحَ في الجَاهِلِيَّةِ كانَ علَى أرْبَعَةِ أنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ منها نِكَاحُ النَّاسِ اليَومَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ ولِيَّتَهُ أوِ ابْنَتَهُ، فيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا، ونِكَاحٌ آخَرُ: كانَ الرَّجُلُ يقولُ لِامْرَأَتِهِ إذَا طَهُرَتْ مِن طَمْثِهَا: أرْسِلِي إلى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي منه، ويَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا ولَا يَمَسُّهَا أبَدًا، حتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِن ذلكَ الرَّجُلِ الذي تَسْتَبْضِعُ منه، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أصَابَهَا زَوْجُهَا إذَا أحَبَّ، وإنَّما يَفْعَلُ ذلكَ رَغْبَةً في نَجَابَةِ الوَلَدِ، فَكانَ هذا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ. ونِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ ما دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ علَى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ ووَضَعَتْ، ومَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أرْسَلَتْ إليهِم، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ منهمْ أنْ يَمْتَنِعَ، حتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لهمْ: قدْ عَرَفْتُمُ الذي كانَ مِن أمْرِكُمْ وقدْ ولَدْتُ، فَهو ابنُكَ يا فُلَانُ، تُسَمِّي مَن أحَبَّتْ باسْمِهِ فَيَلْحَقُ به ولَدُهَا، لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمْتَنِعَ به الرَّجُلُ، ونِكَاحُ الرَّابِعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ علَى المَرْأَةِ، لا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وهُنَّ البَغَايَا، كُنَّ يَنْصِبْنَ علَى أبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فمَن أرَادَهُنَّ دَخَلَ عليهنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إحْدَاهُنَّ ووَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا، ودَعَوْا لهمُ القَافَةَ، ثُمَّ ألْحَقُوا ولَدَهَا بالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ به، ودُعِيَ ابْنَهُ، لا يَمْتَنِعُ مِن ذلكَ فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالحَقِّ، هَدَمَ نِكَاحَ الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إلَّا نِكَاحَ النَّاسِ اليَومَ ” البخاري. فهذه الصور كلها كانت في الجاهلية ما قبل الإسلام، وما قبل الميلاد!

          حتى النكاح المثلي اللواطة، الذي عليه الحداثيون اليوم، فقد سبقتهم إليه الأمم المتخلفة والمسخوطة ما قبل الميلاد، كما في قصة قوم لوط:[ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ]الأعراف:81. [ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ]النمل:55. شاهدنا أن هذه الإباحية التي هم عليها، وما هم فيه من شذوذ قد سبقهم إليها المسخوطون من الأمم السابقة والهالكة .. وهم لهم مقلدون ومتبعون .. إلا نكاح الحيوانات .. فإننا نعترف لهم بأنهم فيه تجديديون وحداثيون .. لم يُسبقوا إليه!!

          كنا قبل خمسين سنة تقريباً نعتبر البنطال المرقّع والممزّق، علامة على فقر صاحبه الذي يستحق المساعدة والصّدقة .. وصاحبه يتوارى خجلاً من النّاس .. بينما في زمن الحداثة اليوم ــ أو ما يسمونه ما بعد الحداثة ــ أصبح البنطال المرقّع والممزّق ــ وبخاصة من جهة الأفخاذ والأرداف الخاص بالنساء ــ علامة على الموضة والحداثة والتطور .. وكلما كان البنطال مرقعاً وممزّقاً أكثر، وكاشفاً للسوءات، كلما كان أغلى سعراً .. وعلامة على الحداثة، والتقدم والتطور!!

          الذي يميز الحداثة المعاصرة عن الحداثة القديمة .. فقط هذا التقدم الصناعي، والتكنولوجي .. الذي تشهده البشرية في زماننا المعاصر .. ولو جُرّدوا من هذا المعنى .. ومن ارتداء البدلة، وربطة العنق .. لما اختلفوا عن أجدادهم الرومان ما قبل الميلاد في شيء .. بل لربما زادوهم شراً وتخلّفاً!

          دولة الحداثة: يُخيّل للبعض عندما يسمعون كلمة ” دولة الحداثة “؛ أن المعنى والمراد من هذا المصطلح دولة التقدم العلمي .. والصناعي .. والتكنولوجي .. لا؛ ليس شيئاً من ذلك، وإنما يُراد منه دولة الإلحاد والإباحيّة .. الدولة العلمانية التي ترفض الدين كلياً .. وتقصي الدين عن الدولة والحياة وجميع التفسيرات، والعلاقات الانسانية. 

          ما بعد الحداثة: قد ظهر مؤخراً مصطلح ” ما بعد الحداثة “؛ وبعيداً عن تشويشات التعريفات .. فما بعد الحداثة، يعني الحداثة ذاتها؛ لأن الحداثة ــ كما تقدم ــ تقتضي تجديد القديم منها باستمرار .. ما بين إلغاء، وتعديل، وإضافة، وتحديث، وإحداث جديد لم تعرفه الحداثة السابقة .. وهو ما يُطلقون عليه ما بعد الحداثة .. وغداً سينادي الحداثيون بما بعد ما بعد الحداثة .. إلى أن تتكرر ” ما بعد ” عشرات وربما مئات المرات .. هذا ما يقتضيه التطور الذي لا يعرف التوقف!!

          مع الاعتراف بأن شريحة واسعة من أبناء الغرب باتوا يشعرون بالخوف، وبخطورة الحداثة على أنفسهم، وعوائلهم، وأطفالهم .. والأجيال التالية .. وعلى دفء الأسرة، والعلاقات الاجتماعية الإنسانية الراقية فيما بينهم .. فيطالبون بترشيد الحداثة بما يتوافق مع بعض المصالح التي باتوا يخسرونها، ويفتقدونها!

          لنذكر على سبيل المثال ــ لا الحصر ــ: طائفة الأميش الأمريكية، وهي طائفة نصرانية محافظة، تعيش في أمريكا ــ قلب الحداثة المعاصرة ــ وقليل منهم يعيش في كندا، وبريطانيا، يتجاوز تعدادها ” 300000 ” ثلاثمائة ألف نسمة .. يرفضون الحداثة بشقيها المادي والمعنوي .. حتى الجانب الإيجابي للحداثة المتعلق بالتكنولوجيا والصناعات يرفضونها؛ فيرفضون أن تدخل إلى مناطقهم وبيوتهم .. الكهرباء .. والإنترنت .. والسيارات .. والتلفاز .. والسينما .. ويرفضون استخدام الهواتف اليدوية .. وكل ما يتعلق بالتكنولوجيا الحديثة .. ويعتمدون في تنقلهم على العربات التي تقودها الأحصنة والدواب .. لهم حياتهم الخاصّة، كما لهم قوانينهم ومحاكمهم الخاصة بهم!

          نساؤهم محتشمات، يرتدين الثياب الواسعة والمحتشمة، بما في ذلك غطاء الرأس .. يحرم على نسائهم قص شعورهن، وقيادة العربات، كما يحرم على الرجال حلق لحاهم .. لا يعرفون أي صورة خاطئة للتعاطي الجنسي غير الزواج الشرعي والمعروف .. ولا يشربون الخمر .. ولا يسمعون للموسيقا .. ولا يصنعون التماثيل .. يزوجون أبناءهم وبناتهم مبكراً وهم في سن الشباب .. يوجد في الأسرة الواحدة ما بين أربعة أبناء إلى عشرة أبناء، وبعضها يزيد عن العشرة .. يعيشون حياتهم في أمان وسعادة .. متكافلين متحابين .. ومتآلفين .. وبصورة يُغبَطون عليها، لا يعرفها الحداثي الذي يعيش قمة الترف والرفاهية الحداثية في واشنطن، ونييورك!

          وشاهدنا أن هذه الطائفة رفضت مطلق الحداثة، بما في ذلك الشق الإيجابي منها، لتسلم من الشق الشرير منها .. وهناك غيرهم الكثير من الغربيين من يحدو حدوهم!

          فما بعد الحداثة .. العودة إلى الفطرة .. إلى الأصل .. إلى الطهر والعفة .. إلى الإلفة والمحبة .. إلى القيم والأخلاق الإنسانية الراقية .. العودة إلى الله، أو إلى مزيدٍ من الدمار .. والتيه .. والتحلّل .. والضياع .. ولا بد للإنسان أن يختار!    

          الحداثيون العرب: فُتن الحداثيون العرب بما أنجزته الحداثة الغربية من تقدم تكنولوجي صناعي .. وقالوا: حتى ننجز ما أنجزوا، ونسير في ركب التقدم والتطوير والحداثة  .. لا بد من أن نأخذ الحداثة الغربية بشقيها المادي، والمعنوي سواء، وبتقليد ببغاوي أحمق .. وكان تقليدهم للحداثة الغربية بشقها المعنوي النظري هو الأسهل عليهم من تقليدها في الشّق المادي العلمي التكنولوجي الصناعي .. فاصطنعوا معارك لا داعي ولا مبرر لها، ولا طائل منها مع الإسلام والمسلمين .. وأرادوا أن يحملوا أحكام الحداثة الغربية على الكنيسة ودينها، والتي كانت عقبة أمام أي تطور علمي، على الإسلام، الذي يحض على العلم، والعمل، والإبداع، والاكتشافات التي تخدم البشرية جمعاء، ويعتبر ذلك من العبادة التي يتقرب بها العبد إلى ربه .. فتبنوا العلمانية التي تحارب الإسلام، وتقصيه عن ميادين الحكم والحياة .. وهو ما لا يتم لهم، ولن يتم لهم .. ومعاركهم مع الإسلام مستمرة ما انتهت، ولن تنتهي ما وجد على الأرض رجل يقول ربي الله!

          أخذوا الشق المعنوي الثقافي النظري للحداثة وأبدعوا فيه، وتفننوا .. وتخلّفوا كثيراً عن الشق المادي التكنولوجي الصناعي للحداثة؛ لأنهم وللأسف دونه همة وعزماً .. ثم هم لا يعنيهم إلا الشق الذي من خلاله يحاربون به الإسلام .. فوجدوا في عبارات الحداثة، والتحديث، والتطوير، والتجديد، والتنوير ــ هذه العبارات البراقة ــ ما يغري على خوض المعارك مع الإسلام، وما يُضلل كثيراً من عوام المثقفين!

          وهؤلاء بفعلهم هذا لا يحسبون أنهم قد أتوا بشيئ جديد تحديثي، تقدمي، لم يُسبقوا إليه .. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حدثنا عنهم، وأشار إليهم، وإلى صنيعهم، بقوله:” لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، شِبْراً شِبْراً وذِراعاً بذِراعٍ، حتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ، قُلْنا: يا رَسولَ اللَّهِ، اليَهُودُ والنَّصارَى؟ قالَ: فَمَنْ ” البخاري. أي فمن يكون غيرهم؟!

          وفي رواية:” لتركبُنّ سننَ مَنْ كانَ قبْلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وباعاً بِباع، حتى لو أن أحدَهُم دخل جحرَ ضبّ دخلْتُم، وحتّى لو أن أحدَهُم ضاجعَ أمّهُ بالطريقِ لفعلتُم “[[1]]. وفي رواية:” وحتَّى لَوْ أَحَدُهُمْ جَامَعَ امرأتَهُ بالطرِيقِ لفَعَلْتُموهُ “[[2]]. فالحداثيون العرب طبقوا الشطر الأخير من الحديث وللأسف .. فهذا الذي أخذوه واستفادوه من الحداثة!!

          المشايخ الحداثيون: هل يوجد مشايخ حداثيون .. يعتقدون الحداثة أو ملوثين بفكر الحداثة؟

          أقول: نعم ــ وللأسف ــ يوجد .. وهم الطرف الأخطر في الموضوع؛ لأنهم يرتدون ثوب الدين، ويتكلمون ويوقّعُون باسم الدين، ويُجادلون عن الحداثة وأفكارها، أو بعض أفكارها باسم الدين .. فهم من هذا الجانب أكثر شراً وضرراً، وإضلالاً للناس!

          وهم ليسوا سواء في تبني الحداثة، فهم درجات وطبقات، فمنهم من يتبناها 50% ومنهم أكثر من ذلك أو أقل .. ومنهم الملوث بها، وهو لا يدري، لذا يتعين علينا أن نذكر أهم صفاتهم وعلاماتهم، ليحذرهم الناس، ويحذروا ضلالاتهم، وليهلك من هلك منهم عن بيّنة.

          1- تقديم العقل على النقل الصحيح، ومعارضة النقل بالعقل .. وتحكيم العقل في كل شيئ؛ فما وافق العقل ــ بزعمهم ــ قبلوه، وما خالف العقل، ردوه ورفضوه!

          وهؤلاء لو كانوا من أتباع العقل حقاً، لاتبعوا النقل الصحيح، وأخذوا به .. ولما عارضوا بين العقل والنقل، لاستحالة أن يعارض العقل السليم، النّقلَ الصحيح .. وفي حال المعارضة؛ يخرج العقلُ مباشرة من صفة العقل إلى درجة وصفة الهوى .. واتباع الهوى! 

          2- التقليل من قيمة وعصمة النص القرآني، أو النص الحديثي الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم .. ليجدوا لأنفسهم متسعاً في تحقيق الحرية المتمردة!

          3- يتسم حديثهم بقلة الأدب مع الله تعالى، ومع أنبيائه ورسله، ومع الصحابة الكرام .. ليوصلوا رسالة أنه لا يوجد شيئ مقدس فوق النقد، أو أن يُخاض فيه .. أو حتى أن يكون عرضة للتهكم، والاستهزاء، والمزاح .. ( تحقيق الحريّة المتمردة )!

          4- التوسع في الحديث عن المقاصد، ومعارضة المقاصد مع النصوص، ورد النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، تحت زعم العمل والأخذ بالمقاصد .. فيوسعون الحديث عن المقاصد، وليس في نفوسهم رغبة سوى رد ومعارضة النصوص!

          5- التوسع في الحديث عن أن جلّ الأحاديث النبوية الشريفة هي أحاديث آحاد، وبالتالي فهي ظنيّة الدلالة .. وما كان ظني الدلالة، غير ملزم، وللعقل كامل الحق والحرية في ردها ومعارضتها، وعدم الأخذ بها .. ( تحقيق الحرية المتمرّدة )!

          6- التوسّع في تفسير حديث أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأَمْرِ دُنْيَاكُمْ “، وبما لا تحتمله لغة الحديث، ولا مناسبته .. ليردوا به النصوص ذات العلاقة بالحلال والحرام، والحق والباطل .. تحت عنوان وزعم ” أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأَمْرِ دُنْيَاكُمْ “!

          فالحداثيون من المشايخ مشكلتهم الأساس مع النصوص ــ نصوص الكتاب والسنة ــ لأنهم يرون فيها العقبة والمانع من تحقيق ” الحريّة المتمرّدة ” المنشودة!

          7- التقليل من مساحة الثوابت في الدين؛ فيخرجون ما يعد من ثوابت الدين، إلى خانة وقسم الفروع؛ ليصبح غالب الدين من الفروع التي يسهل تجاوزها، والخوض فيها، وعدم الالتزام بها، بخلاف الثوابت .. ( تحقيق الحرية المتمرّدة )!

          8- الغمز بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والانتقاص من قدرهم، ومن حجيّة قولهم، وإجماعهم؛ ليجدوا لأنفسهم مخرجاً من الالتزام بما صح عنهم من نصوص وأقوال .. ( تحقيق الحرية المتمرّدة )!

          9- التقليل من أهمية قيام دولة إسلامية، ذات نظام إسلامي، ومن أهمية الحكم بما أنزل الله .. والتشكيك بوجود نظام إسلامي سياسي ممكن التطبيق والتنفيذ .. وأن التجارب التاريخية السياسية التي حكم فيها الإسلام ــ من لدن النبي صلى الله عليه وسلم، مروراً بحكم الخلفاء الراشدين، إلى عهد العثمانيين ــ كلها غير ملزمة .. ولا تصلح لزماننا!

          10- لا يخفون إعجابهم بالحداثة الغربية، وبنظمها، وبروادها ومفكريها الغربيين .. فيذكرونهم بقمة الاحترام والتوقير، والتبجيل! 

          هذه أبرز خصال وصفات المشايخ المفتونين بالحداثة .. فمن تحققت أو وجدت فيه خلة من تلك الخلال الآنفة الذكر أعلاه، فهو ملوث بالحداثة على قدر تلك الخلة .. ومن تحققت فيه جميع الخلال والصفات الآنفة الذكر، فاعلموا أنه حداثي جلد، مهما تعمّمَ وتجلبَب، وتظاهر بالتدين!!

          البديل والخلاص: البشرية لا، ولن تعرف الاستقرار، والراحة، والأمن، والأمان إلا بنظامٍ يتسم بركنين أساسيين: الكمال، والثبات.

          الكمال الذي لا يعرف النقص والقصور من أي وجه من الوجوه، والذي يحقق كامل المصالح، ويتفادى جميع المضار .. وفي جميع الأزمنة: الأمس، واليوم، وغداً .. وإلى قيام السّاعة!

          والثبات الذي يحافظ على القيم الإنسانية الراقية .. الثبات على المبادئ والقيم الكلّية والعامة، التي لا تقبل التغيير ولا التحويل في أي ظرف زماني كان أو مكاني .. الثبات الذي يحقق للإنسان الأمن والأمان والاستقرار .. الثبات الذي يجعل الإنسان أكرم وأرفع من أن يكون مجرد حقل تجارب للشرائع الوضعيّة التي تتسم بالضعف، والجهل، والقصور، والتغيير المستمر .. الثبات الذي يتسم بالمرونة المطلوبة في التعامل مع الوسائل والجزئيات الماديّة التي تقبل التغيير والتطوير، بما يحقق سعادة وخير وصالح الإنسان.

          هذا النظام بركنيه الآنفي الذكر ــ الكمال، والثبات ــ لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان صاحبه يتصف بالكمال، والعلم، والقدرة، والجمال المُطلَق .. وهذا لا يتحقق ولا يكون إلا لله عز وجل الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ولدينه الإسلام الذي شرَعَه وارتضاه لعباده المؤمنين.  

          هذا النظام الرباني العظيم لا يمكن الاستفادة منه إلا إذا صادف نفوساً مؤمنة مطيعة لربها، راضية بحكمه، وشرعه، ترقى في التزامها وأخلاقها إلى مستواه .. نفوساً ترضى بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً .. وليس وراء ذلك سوى التشوّف .. والتمني .. والتّيه .. والضياع .. ومزيد من الدمار!

 

عبد المنعم مصطفى حليمة

” أبو بصير الطرطوسي “

15/4/1441 هـ. 12/12/2019 م

www.abubaseer.bizland.com

 

[1]  السلسلة الصحيحة: 1348.

[2]  صحيح الجامع: 5067.

Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.