موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

بين منهجين

0 315
بين منهجين

بين منهَجَين

بسم الله الرحمن الرحيم

        الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

        فيما يتعلق بنظام الحكم، وعمليّة التّغيير .. يوجد مِنا مَن يضع المسلمين بين خيارين ومنهجين، لا ثالث لهما، ولا بد لهم من أحدهما: إما خيار ومنهج القاعدة؛ القائم على الغلو، والغدر، والتفجير في كل مكان، والتذعير، واستعداء الجميع، القريب قبل البعيد، والفوضى، وتغييب ما تقتضيه السياسة الشرعيّة من نظر واعتبار، وتقديم وتأخير .. خيار لا نفق له، ينتهي إليه .. كما لا يوجد للبناء فيه نصيب .. فهو منهج قائم على الهدم، الهدم وحسب، الذي تصيب شظاياه الجميع .. أو خيار ومنهج الديمقراطية، والليبرالية، والحداثة، والعلمانية، الذي تنهجه بعض الجماعات المعاصرة المحسوبة على التيار الإسلامي .. وفي هذه الحالة لا ينقص أصحاب هذا الخيار والمنهج سوى أن ينظُروا نظاماً من الأنظمة الديمقراطية القائمة في أمريكا أو دول الغرب، أو غيرها، ليقتبسوه ويستنسخوه، ووسائله لأنفسهم، ويحكموا به وبمقتضاه في بلاد المسلمين .. وكل من يرفض أحد الخيارين أو المنهجين، يُقال له: إذاً لا خيار ولا سبيل لك، سوى أن ترضى وتقبل بالخيار والمنهج المقابل، وكأنه أمر حتمي لا مفر له منه .. فإمّا الغلو والإفراط، وإما الجفاء والتفريط، ولا خيار وسط بينهما .. وكل منهج منهما يتقوى على باطله بباطل المنهج والخيار المقابل له .. ويستدل على صلاحه، بفساد المنهج والخيار المقابل!

          ولهؤلاء ــ ولمن يُصغي إليهم ــ يُقال: كلا المنهجين والخيارين على باطل وضلال .. والإسلام، والمسلمون في حِلّ منهما، ومن باطلهما، لا يلزمهم من باطلهما، وشرهما شيئاً .. والذي يفرض على الأمة أحد الخيارين والمنهجين، فهو لعجزه عن التفكير في إيجاد النظام السياسي الوسط البديل الذي يُرضي الله، والذي يتوافق مع قواعد وتعاليم ومقاصد الدين الحنيف .. ويحقق مصلحة البلاد والعِباد .. ومن كان عاجزاً عن التفكير في إيجاد البديل الوسط والأمثل، أو أن يكون له فيه سهم ورأي، لا يحق له أن يسمي نفسه مفكراً ولا منظّراً، ولا أن يفرض رؤيته القائمة على التقليد الأعمى، أو الفوضى والتّخريب!

          فإن قِيل: ما هي معالم وصفات هذا النظام السياسي الوسط الذي تشيرون إليه، الذي يرفض المنهجين الآنفي الذكر، ويأبى الانقياد لأحدهما .. وكيف الطريق أو السبيل إليه؟

          أقول: قد كُتِب في الجواب عن هذا السؤال ــ من قبل علماء الأمة المخلصين ــ مئات الكتب والأبحاث، والمقالات .. كذلك تاريخنا السياسي المجيد، وبخاصة في عهد النبوة الأعظم، وعهد الخلفاء الراشدين، قد أجاب عن هذا السؤال بتوسع وتفصيل لا نظير له في أي نظام سياسي وضعي آخر .. ولكن وللأسف لزهد وجهل بني قومي بخزائنهم الملأة بالكنوز وبما غلا ثمنه، وعلا قدره، وبما لا يُقدّر بثمن .. يظنون أنها فارغة، فيذهبون للاقتراض والتسول من الشرق تارة، ومن الغرب تارة أخرى .. وكذلك الشعور بالضعف والهزيمة يحملهم على تقليد الغرب القوي، في كل ما يصدر عنه، ويفد إلينا منه، حتى لو دخلوا جحر ضِبّ لوجد منا من يدخله، ويزين دخوله للناس!

          ومن جهتي ــ بفضل الله تعالى ــ قد كتبت أكثر من كتاب، وأكثر من بحث، ومقال في الجواب عن هذا السؤال الوارد أعلاه .. وأعيد هنا التعريف بهذا النظام السياسي الإسلامي الوسطي، بكلمات مختصرات تناسب المقام، والمقال.

          فأقول: هو النظام السياسي الذي يقرر حاكميّة الله تعالى في خلقه وعباده، فالخَلْقُ خلقه، والعبادُ عباده، وبالتالي فالحكم والتشريع الذي يمضي فيهم هو حكم الله تعالى وشرعه:[ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ]يوسف:40. [ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ]الكهف:26. [ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ]الأعراف:54. الذي له الأمر، والطاعة فيما يأمر، هو الذي له الخَلق.

          هو النظام السياسي الذي يقرر التحرر والانعتاق من العبودية للعبيد، فلا أصنام، ولا طواغيت تُمَجّد وتُعبَد من دون الله، في ظلّ النظام الإسلامي.  

          هو النظام الذي يحرر الشعوب من جميع مظان الخوف والضغط، والإكراه، لتحسن لنفسها الاختيار .. ولتتحمل مسؤولياتها فيما تختار.

          هو النظام الذي يجمع بين أصالتين: أصالة الماضي؛ فيستحضر منه كل ما هو نافع للناس في حاضرهم ومستقبلهم، وأصالة العصر، والحاضر المعايش؛ فيأخذ منه كل حسن، ويرد كل سيئ ورديئ، ويجعل منهما نسيجاً متآخياً متكاملاً، من غير تنافر ولا تضارب.  

          هو النظام الذي يجمع بين الحفاظ على الثوابت والقيم الأخلاقية، وبين المرونة في التعامل مع النوازل، والمستجدات، والمتغيرات، وكل ما يتعلق بالنظم الإداريّة، ويدخل في خانة المصالح المرسَلة.  

          هو النظام الذي تقوم جميع مؤسساته ــ ويبني جميع مؤسساته ــ على مبدأ الشورى؛ فتكون الشورى فيه ثقافة عامة ملزمة وموجِبة.

          هو النظام الذي يجعل كل فردٍ في المجتمع ــ ذكراً كان أم أنثى ــ راعياً ومسؤولاً فيما استرعاه الله إياه، واستأمنه عليه، يعزز الرقابة الذاتية في كل فرد من أفراد المجتمع، كما يُعزز فيه المسؤولية:” كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ ” متفق عليه. 

          هو النظام الذي يجمع بين التصور، والواقعية، والقدرة .. وبتوازن يتفادى فيه التفريط بالحقوق والثوابت، كما يتفادى التهور والهلكة التي يعقبها الخسران والنّدامة.   

          هو النظام الذي لا يستثني القوة ــ بكل معانيها ــ من خياراته، وبرامجه، وأعماله؛ فالحق الذي لا تحميه قوة، لا سلطان له، والكل يتجرأ عليه.

          هو النظام الذي يساوي الجميع أمام القانون، فلا فرق بين شريف ووضيع، ولا بين قوي وضعيف، ولا بين مسلم وغير مسلم، أمام القانون، فالجميع سواسية أمام حكم القانون .. كما لا يوجد حاكم ــ أو شخص مهما على قدره وكانت مكانته ــ فوق القانون، وفوق المساءلة والمحاسبة. 

          هو النظام الذي يوازن بين حقوق الفرد؛ ما له وما عليه، وحقوق الجماعة والمجتمع، ما له وما عليه، من غير طغيان حق على آخر، أو إلغاء له .. فيعتبر المجتمع مسؤولاً عن الفرد وعن سلامته، وحريته، وكرامته، كما يعتبر الفردَ مسؤولاً عن مجتمعه وعن سلامته، حذر أن يُؤتَى من جهته.   

          هو النظام الذي يكون فيه التّكافل الاجتماعي إحدى ركائزه الكبرى، وبصورة لا تسمح للمرء أن يشبع بينما جاره جائع!

          أما كيف السبيل والطريق إلى هذا النظام .. وكيف تتم عملية التغيير؟

          فنحن أمام خيارين ونظامين: أحدهما نظام قائم يقبل التغيير عن طريق المؤسسات المدنية .. وضغط المؤسسات المدنية .. وبخاصة منها المؤسسات التي يُنيط بها الدستور مهمة إقالة الحاكم عن الحكم، وإنهاء عهده، ونظامه .. فحينئذٍ ينبغي اتباع جميع الوسائل المدنية عبر جميع المؤسسات المدنية الرسمية منها، والشعبية .. التي تشكل ضغطاً على النظام الحاكم، وتحمله على الرحيل .. ولا ينبغي الحياد عن تلك الوسائل إلى وسائل أخرى عسكرية تتسم بالعنف، ما دامت تفي بالغرض، وتحقق المطلوب.

          ونظام آخر؛ وهو النظام الظالم المستبد، الفاسد، المحارب لله ولرسوله وللمؤمنين، والمتسلط بالجبروت، العصي على الإصلاح، الذي دونه ودون تغييره وزواله ارتكاب المجازر والجرائم، وتدمير وحرق البلاد، وزج الشعوب في السجون والزنازن .. ضرره يطم ويعم .. وشر الخروج على هكذا نظام مهما تعاظم، لهو أهون وأقل ضرراً من بقائه أو إقراره .. وهذا نظام تضافرت أدلة النقل والعقل على وجوب الخروج عليه، ونزع يد الطاعة منه، وإزالته بجميع الوسائل الشرعية المتاحة والممكنة ــ بحسب الاستطاعة ــ السلمية منها؛ كالكلمة، والتثقيف والتوعية، والتعبئة، والدعوة والتربية، وتعرية الباطل، والتظاهرات، والاعتصامات، والعصيان المدني .. وثورات وجهاد الشعوب .. إلى العصيان المسلح، واستخدام القوة المادية، بشروطها وضوابطها الشرعية، بعيداً عن غلو وإفراط الغلاة، وجفاء وتفريط الجفاة .. فهذا كله متاح ومباح، عندما تتوفر شروطه، وتتحقق دواعيه .. ولك أن تختار منها ما تراه مناسباً لك، وتقدر عليه[[1]]. 

          مع التنبيه أنه لا يجوز في عملية التغيير، اللجوء إلى وسائل مشروعة تؤدي إلى باطلٍ صريح، أو اللجوء إلى وسائل باطلة غير مشروعة، كالسرقة، والغلول، والغدر، والخيانة، والظلم، والسطو على حقوق وممتلكات الأبرياء، أو ترويع الآمنين، أو الاستهانة بحرمات ودماء المدنيين الأبرياء، أو اللجوء إلى الانتحار؛ قتل النفس بالنفس، وهو ما بات يُعرف بالعمليات الاستشهادية .. وغيرها من الوسائل الباطلة ــ التي تناولنا الحديث عنها في أكثر من موضع ــ فالحق طيب لا يقبل إلا طيباً، ولا يُنصرُ إلا بالحق والطيب .. فكما أن الباطل له وسائله الخاصة به، كذلك الحق له وسائله المتميزة والخاصة به .. كذلك لو تأخر النصر، وطالت المحنة، فإنه لا يبرر اللجوء إلى الوسائل الخاطئة الباطلة .. فأنت مطالب بالصبر والثبات على الحق ــ مهما اشتد البلاء وطالت المحنة ــ وأن تأخذ بالسنَن، وبالأسباب الممكنة والمشروعة، ولو قصّرت في هذا الجانب، أو فيما أنت تستطيعه، وتقدر عليه، تُحاسَب وتُسأل، في الدنيا والآخرة، أما إن لم تقصّر في ذلك شيئاً، وبذلت جهدك المستطاع في نصرة الحق، ثم لم يحقق الله على يديك النصر والفتح .. حينئذٍ لا تُسأل ولا تُحاسَب عن تأخير النصر، ولا عن نتيجةٍ أنت لست سببها، ولا شريكاً في أسبابها، فإن من الأنبياء من قضوا نحبهم ولم يقيموا دولة، ومنهم بعد جهد وجهاد طويل لم يؤمن به، ولم يتابعه إلا أنفار قِلة، وما حمله ذلك ــ حاشاه! ــ على أن يستعجل النصر بالتماس وسائل باطلة غير شرعيّة .. وأنت لك في منهج أنبياء الله ورسله قدوة حسنة.

          فإن قيل: هذا الذي تطرحه صعب المنال والتحقيق …؟

          أقول: أما أنه صعب المنال والتحقيق .. فنعم .. لكنه ليس مستحيلاً، على أولي الصدق، والعزيمة، والإرادة .. ومن يَصْدُق يصدقه الله .. أما من استمرأ العجز، وهان عليه الهوان .. وخارت همته وعزيمته .. وبصره لا يفارق السهول والحُفَر .. فالمورد ليس مورده .. فلا يخوض فيما لا يعنيه ولا يقدر عليه .. يكفيه خدمة أن يتوقَّف عن الشَّغَب، وأن لا يرضى لنفسه أن يكون تلك العصا التي توضع بين العجلات، لتعيق حركة قافلة الحق .. وليترك المهام الصعاب لأولي العزم من الرجال، وأمة الإسلام لا تخلو من هؤلاء الرجال المجددين والمجاهدين والمصلحين.

عبد المنعم مصطفى حليمة

” أبو بصير الطرطوسي ”

17/5/1441 هـ. 12/1/2020

www.abubaseer.bizland.com

 

 

[1]  انظر تفصيل المسألة، وأدلتها في مقالتنا ” فصل الكلام في مسألة الخروج على الحكام “.

Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.