موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

سيد الاستغفار

0 269

 سيد الاستغفار

Word                                                 Pdf

بسم الله الرحمن الرحيم

          قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” سَيِّدُ الِاسْتِغْفارِ أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي، فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ. قالَ: ومَن قالَها مِنَ النَّهارِ مُوقِنًا بها، فَماتَ مِن يَومِهِ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومَن قالَها مِنَ اللَّيْلِ وهو مُوقِنٌ بها، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ “البخاري.

          ” سَيِّدُ الِاسْتِغْفارِ “؛ أعلى وأفضل وأصدَق صيغ الاستغفار؛ الجامعة والشاملة لمعاني التوبة، والأوبة، والاستغفار، وأكثرها قبولاً وثواباً عند الله تعالى.

          ” أنْ تَقُولَ “؛ بلسانِك وقلبك؛ أمَّا قول اللسان من دونِ قول القلب، وحضورِه، لا يُعطِي الثمار المرجوة من سيد الاستغفار؛ فالقلوب محطة نظر الخالق سبحانه وتعالى، وعليها مدار القبول أو الرد؛ فالله لا ينظر إلى الصور، ولا إلى الأجسام، وإنما ينظر إلى القلوب وما وقر فيها من صدقٍ وإخلاص، وإلى الأعمال؛ ومدى صحتها وموافقتها ومتابعتها للسنّة .. كما في الحديث:” إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وأَمْوالِكُمْ ــ وفي رواية: ولا إلى أجسامِكُم ــ ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ، وأَعْمالِكُمْ “مسلم.

          ” اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي “؛ أنتَ خلقتني، وربيتني، وغذيتني، ونشَّأتني وفق مشيئتك طوراً بعد طور .. لا ربَّ لي سواكَ أرفع إليه مسألتي، أو أرجع إليه في حاجتي، وفيما أصابني، وفيما أريد، أو أشكو إليه ما أهمَّني، وأغمَّني .. وهذا تمجيد، وتعظيم، وتوحيد، وإقرار لله تعالى بتوحيد الربوبيّة .. وهو أدبٌ وتمهيد ضروريين بين يدي الطلب، والدعاء والاستغفار .. ثم هو تبرير من العبد؛ لماذا يتوجه إلى ربه في حاجته، وسؤاله؛ والجواب: لأنه ربه ومولاه الذي خلقه وربّاه، ومن حق الربّ على عبده أن يرجع إليه فيما أصابه، وأهمَّه، وليُصلح منه ما فسد، وما عَطُبَ، لا أن يرجع إلى سواه؛ مَن ليس رباً ولا خالقاً، ولا يتصف بشيء من خصائص الربوبية .. ثم أن الله تعالى يغضب على عبده إن سأل غيرَه، وترك مسألته.

          ” لا إلَهَ إلَّا أنْتَ “؛ أي ” لا إله إلا الله “؛ توحيدٌ لله تعالى في ألوهيته؛ فلا مألوه ولا معبود بحقٍّ إلا الله .. وهو أفضل ما يتقرب ويتوسل به العبد إلى ربه، وأفضل ما يُقدِّم ويُمهّد به العبدُ بين يدي دعائه، وسؤاله، كما في دعاء ونداء المكروب نبي الله ” ذا النون “، وهو في بطن الحوت، في ظلمات بعضها فوق بعض، وقبل أن يسأل حاجته:[ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ ]الأنبياء:87. فنادى الله تعالى، وتوسل إليه بلا إله إلا الله؛ التي بها أُرسِلَ الرسل، ولأجلها خلق اللهُ الخلقَ .. لا يثقلها في الميزان شيء؛ ولو وضعت في كفّة، ووضعت السماوات والأرض في كفّة؛ لرجحت بهنّ لا إله إلا الله .. ولو كانت السماوات والأرض حلقةً، لقَصَمَتْهُنَّ لا إله إلا الله .. فكيف تقوى حاجة عبدٍ على لا إله إلا الله .. وكيف يقوى ذنب على لا إله إلا الله؟!

          ” خَلَقْتَنِي “؛ فكما أنت إلهي ومعبودي؛ لا مألوه ولا معبود لي سواك، فأنت ربي الذي خلقتني، وربيتني، وأوجدتني في هذه الحياة .. لا رب لي سواك أرجع إليه فيما أهمني وأغمَّني .. إقرار وتقرب وتمهيد بين يدي الدعاء بتوحيد الألوهية والربوبية معاً .. نورٌ على نور!

          ” وأنا عَبْدُكَ “؛ إقرار بالعبودية، والخضوع، والتذلل، والضعف بين يدي الله .. وهو مقام عِزِّ أيضاً؛ فمن كان عبداً لله تعالى، تحرر من العبودية للعبيد، ومن العبودية لمئات الآلهة المزعومة من العبيد، التي تُعبَد من دون الله .. وعادة العبد إذا احتاج إلى شيء أن يرجع إلى سيده ومولاه .. وأنا ليس لي رب وسيد، ومولى أرجع إليه في حاجتي إلَّاكَ يارب .. فأنا عبدُك، وأنت ربي.

          ” وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ “؛ وأنا في سؤالي لك يا رب، ورجوعي إليك، لست متواكلاً ولا تاركاً للإيمان، ولا للطاعة والعمل، ناقضاً للعهد، بل ” أنا علَى عَهْدِكَ “؛ لي بالتوحيد، والطاعة، مطيع لك فيما أمرتني به، وفيما نهيتني عنه، مؤمن بربوبيتك وألوهيتك، يوم أخذت علي العهد والميثاق بذلك، قبل أن أخلَق، وأنا كالذر في ظهر آدم عليه السلام، ويوم أن بعثت نبيك وعبدَك محمداً صلى الله عليه وسلم، فجدد العهد الذي أُخذ علينا في الميثاق، وأشهدت عليه عبادك، قبل أن يخلقوا ويوجدوا في عالم الوجود:[ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ]الأعراف:172. وأنا مؤمن ومصدق “بوعْدِك ” الحق الذي لا يتخلَّف أبداً؛ الذي وعدت به عبادك المؤمنين الموحدين، في الدنيا والآخرة.

          ” ما اسْتَطَعْتُ “؛ إقرار من العبد بأنه مهما عبد الله تعالى فإنه لا يقدر أن يوفّي حقه عليه .. وإنما عليه بَذْلُ المستطاع .. والله تعالى لا يريد من عبده شيئاً فوق المُستطاع .. وليس بعد بَذْلِكَ المُستطاع من حرجٍ، ولا تكليف، كما قال تعالى:[ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ]التغابن:16. وقال تعالى:[ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ]البقرة:286. 

          ” أعُوذُ “؛ ألوذ، وأحتمي، وأتقي، وأستجير، ” بكَ “؛ ربي وإلهي؛ خالقي ومعبودي، ” مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ “؛ من عواقب، وآثار شرّ ما اقترفت من ذنبٍ، في الدنيا، والآخرة .. فالذنبُ أحياناً ــ بحسب نوعه وكَمِّه ــ قد تكون له آثار مدمّرة على صاحبه، أكثر من آثار وخطر جيش العدو ذاته .. لذا فهو بحاجة ماسة لأن يلوذَ بملاذٍ قوي؛ يغفر له الذنب، ويجنّبه مخاطره ومآلاته .. وليس لهذا الملاذِ إلا الله.   

          ” أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ “؛ أقر وأعترف بفضلك، وبنعمك السابغة علي يا رب؛ التي لا تعدّ ولا تُحصى .. والتي تستوجب مني بالغ الشُّكر والحمد. 

          ولكني قابلتها باقتراف الذنوب، وهذا من جهلي، وغفلتي، وقلة أدبي، وشكري، فأنا ” أَبُوءُ لكَ بذَنْبِي “؛ أقرّ لك؛ ربي وإلهي، خالقي ومعبودي، بذنبي الذي اقترفته، وكيف لي أن أنكر ذنبي أو أخفيه عنك، وأنت تعلم ما في نفسي، وما تخفي الصدور ..؟!

          أقرُّ لك بذنبي إقرارَ العائذِ بك، الخائف من عذابك، الرَّاجي لرحمتك وعفوك .. وأنت أرحمُ الراحمين.

          بعد كل هذا التَّمهيد، وهذا التقديم، والتقرّب إلى الله تعالى بتعظيمه وتمجيده، وبتوحيد الربوبية تارة، وتوحيد الألوهية تارة أخرى، وبهما معاً تارة ثالثة .. يبدأ الطّلب والسؤال، والدعاء .. وهذا من الأدب في الدعاء والطلب؛ إذ لا يُستحسن أن تقتحم في عرض حاجتك، والدعاء، والسؤال من دون، وقبل أن تمهّدَ لدعائك ومسألتك بعظيم المحامِد، ومن دون أن تتوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وبتعظيمه، وتوحيده، وتمجيده سبحانه.

          بعد هذا التّمجيد والتعظيم .. والتوسل بالتوحيد .. وبعد هذا الإقرار بالنعمة من المنعم المتفضل، والإقرار بالذنب من العبد المخطئ .. وبعد أن استوفيت أدَبَ الطَّلبِ والسّؤالِ .. ماذا تريد يا عبد الله .. ما هو طلبك، وما هو سؤالك .. سَلْ، تُعْطَ؟

          ” فاغْفِرْ لِي “؛ هذا هو طلبي، وهذا هو سؤالي يا ربي ويا إلهي؛ أن تغفر لي ذنبي الذي اقترفت، وتمحه من كتابي .. فلا تأخُذْني، ولا تحاسبْني به في الدنيا، ولا في الآخرة.

          لماذا ….؟

          ” فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ “؛ لأنه لا يقدر أحد على أن يغفر الذنوب إلا أنت يا ربنا؛ لا ملَك مقرّب، ولا نبي مرسل، ولا ولي صالح، يقدر على فعل شيء من ذلك .. فالقادر على أن يغفر الذَّنب، ويأخذَ به، هو أنتَ يا ربنا وحدك لا شريك لك؛ لذلك نتوجّه إليك بالدعاء، والسؤال بأن تغفر لنا ذنوبنا .. وفي حديث قدسي آخر، يقول الرب سبحانه وتعالى:” أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، غَفَرْتُ لِعَبْدِي ــ ثلاثاً ــ فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ “البخاري.

          هذا هو سيدُ الاستغفار، ولأجلِ ما تقدَّم سُمِّي بسيّد الاستغفار، قال صلى الله عليه وسلم:” ومَن قالَها ــ لصيغة وكلمات سيد الاستغفار ــ مِنَ النَّهارِ مُوقِنًا بها ــ مُصدّقاً بها في قلبه ــ فَماتَ مِن يَومِهِ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومَن قالَها مِنَ اللَّيْلِ وهو مُوقِنٌ بها، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ “.

 

عبد المنعم مصطفى حليمة

” أبو بصير الطرطوسي “

21/1/1442 هـ. 9/9/2020 م.

 



Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.