موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

حديث ” وإن ضُرِبَ ظَهْرُكَ وأُخِذَ مالُك، فاسمَعْ وأطِعْ “، كيف نفهمه؟

0 359

 بسم الله الرحمن الرحيم

   WORD                    PDF

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

عن حذيفة بن اليمان، قال له النبي r:” تَسمَع وتُطيع للأمير، وإن ضُرِبَ ظَهرُك وأُخِذ مالُك، فاسمعْ وأطِعْ ” مسلم.

هذا حديث صحيح، لا مطعن فيه، ولا مردَّ له .. قد ذهب الناس في فهمه، وتفسيره مذاهب عدة، وقد كثر الكلام، واللغط حولَه؛ فريق قال: قوله ” وإن ضُرِبَ ظَهرُك وأُخِذ مالُك “؛ أي ضُرب ظهرك في حدٍّ شرعي، وأخذ مالك بالحق؛ كالزكاة ونحوها .. بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من يراد ماله بغير حق أن يُقاتل دون ماله، فإن قُتِل فهو شهيد، كما في الحديث المتفق عليه:” مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ “. أي دفاعاً عن ماله فهو شهيد .. ولا ينبغي أن نعارض بين الحديثين .. وقالوا: الصبر على الظلم ظلم، والشارع منزّه عن الظلم!

وفريق آخر: استدل بقوله ” وإن ضُرِبَ ظَهرُك وأُخِذ مالُك “؛ على الاستكانة، والخنوع، والرضى بالدون والظلم، والسكوت على الظالم، وطاعة الحكام والأمراء في الحق والباطل .. ومهما جاروا!

وكلا الفريقين قد جانبا الحقَّ والصواب .. وأبعدا الفهم .. وذهبا مذهباً بعيداً عن المراد من حديث حذيفة بن اليمان الوارد أعلاه .. ونحن هنا ــ بإذن الله ــ سنناقش القولين، ونبين وجه الخطأ فيهما .. ثم بعد ذلك نبين التفسير الصحيح للحديث، الذي نعتقده ونراه صائباً .. والله المستعان.  

أما قول الفريق الأول؛ فالرد عليه من وجهين:

أولهما: أن المنافق هو الذي يبغض حدود الله، ويكره الزكاة الواجبة، إلى درجة أنه يهم أو يفكر في الخروج على طاعة الحاكم الذي يحيي فيه شرع الله، وإلى درجة أنه يحتاج إلى نصيحة وموعظة تردعه عن الخروج على طاعة الحاكم، الذي يقيم فيه شرع الله، كما قال تعالى:[ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ]محمد:9. والنبي صلى الله عليه وسلم حاشاه أن يكون قد أراد هذا المعنى، وهو ينصح الصحابي الجليل المؤمن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه .. ولأن المؤمن ليس له إلا أن يحب ما أنزل الله، ويرضى ويسعد بحكم الله، ويسعى جاهداً إلى تطبيق شرع الله على نفسه، وغيره، ومن دون أن يجد في نفسه أدنى ضيق أو حرج، كما قال تعالى:[ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ]النساء:65.

ثانيهما: إذا سُلّم لهذا الفريق فيما ذهبوا إليه من فهم وتأويل لحديث حذيفة بن اليمان الوارد أعلاه .. كيف يمكن لهم أن يتأولوا الأحاديث والنصوص الأخرى العديدة القطعية في دلالاتها وثبوتها، وأن يحملوها على وفق فهمهم ومرادهم، والتي تفيد يقيناً الصبر على الولاة الذين يقع منهم بعض الظلم على الناس، كما في الحديث، عن ابن عباس قال: قال رسول الله r:” من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتةً جاهليةً ” متفق عليه.

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله r:” إنكم سترون بعدي أثرَةً وأموراً تنكرونها ” قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال:” أدوا إليهم حقَّهم، وسلوا الله حقكم ” البخاري.

وعن سلمة بن يزيد الجعفي، أنه سأل رسول الله r فقال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيسٍ، فقال رسول الله r:” اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم ” مسلم. 

وقال r:” ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يداً من طاعة ” مسلم.

ومن حديث النبي r لحذيفة بن اليمان t قال:” تكون هدنة على دخن، ثم تكون دعاة ضلالة، قال: فإن رأيت يومئذٍ خليفةً في الأرض فالزمه، وإن نهكَ جسمك وأخذ مالك، فإن لم ترَهُ فاهرب في الأرض؛ ولو أن تموت وأنت عاض بجذل شجرةٍ “[[1]].  

وعن عبادة بن الصامت، عن النبي r قال:” اسمع وأطعْ في عُسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك، وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك “[[2]]. وغيرها كثير من الأحاديث التي تفيد بلزوم الصبر على الولاة الذين يقع منهم بعض الظلم، والتقصير .. مما دل على بطلان ما ذهب إليه هذا الفريق من فهم وتأويل.

أما القول الثاني: فهو أضعف من سابقه؛ فالإسلام أكبر وأعظم من أن يرضى لأتباعه الذل، والهوان، والخنوع، والخوف، والجبن في قول الحق، وهو قول مصادم لعشرات النصوص الشرعية التي تحض المسلم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الصدع بالحق في وجه الظالمين، وأن لا يُخشى في الله لومة لائم .. والتي تفيد ترشيد الطاعة، وأنها تكون في المعروف، والحق، وليس فيما فيه معصية لله .. من هذه الأحاديث والنصوص، قوله r:” والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، وليوشكنّ اللهُ أن يبعث عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم “[[3]]. وقوله r :” لا يمنعن رجلاً هيبةُ الناس أن يقولَ بحقٍّ إذا علمه، فإنه لا يقرب من أجلٍ ولا يُبعد من رزق “[[4]]. وقوله r :” سيد الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاهُ فقتله “[[5]]. وقوله r :” أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر “[[6]]. وقوله r:” أحب الجهاد إلى الله كلمة حقٍّ تُقال لإمام جائر “[[7]].

وعن عبادة بن الصامت قال: بايَعَنا رسول الله على أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومةَ لائمٍ ” متفق عليه.

وقال r:” السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ وكره، ما لم يؤمر بمعصيةٍ، فإذا أُمر بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة ” متفق عليه. وقال r:” لا طاعة في معصيةِ الله، إنما الطاعةُ في المعروف ” متفق عليه. وقال r:” من أمركم من الولاة بمعصيةٍ فلا تُطيعوه “[[8]]. وقال r:” طاعة الإمام حقٌّ على المرء المسلم، ما لم يأمر بمعصيةِ الله U فإذا أمر بمعصية الله فلا طاعة له “[[9]]. وقال r:” لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق “[[10]]. وغيرها كثير من النصوص الشرعية التي تفيد بوجوب الصدع بالحق، وإنكار الباطل والظلم، وأن لا نخشى في الله لومة لائم، وأن الطاعة تكون طاعة إيجابية؛ في المعروف والحق، لا غير.

فإن قيل: إذاً كيف نفهم ونفسر حديث حذيفة بن اليمان الوارد أعلاه ” وإن ضُرِبَ ظَهرُك وأُخِذ مالُك، فاسمعْ وأطِعْ “؟

أقول: نفهم الحديث كالتالي:” وإن ضُرِبَ ظَهرُك وأُخِذ مالُك “؛ أي ظلماً بغير حقٍّ ” فاسمعْ وأطِعْ “؛ في المعروف، وفيما ليس فيه معصية لله عز وجل ..  فاصبر، واسمعْ وأطِعْ ؛ السمع والطاعة اللذان يمنعانك من الخروج بالقوة والسيف على الحاكم، ويمنعانك من الخروج عن الجماعة، ومن الطاعة العامّة، لكن لا يمنعانك من أن تطالب بحقك، وأن تسعى في الانتصاف ورد مظلمتك، وأن تصدع بالحق في وجه السلطان الحاكم الظالم، وأن تقول له: أنت ظالم، قد ظلمتني، وسلطت علينا من جندك وعمالك من يظلمنا، ويجلد ظهورنا ظلماً، ويأخذ أموالنا بغير حق .. اتقِ الله .. دلّ على هذا الفهم مجموع الأدلة ذات العلاقة بالمسألة، فالأحاديث تفسر بعضها البعض، والمحكم يفسر المتشابه والمبهم منها، فانظر مثلاً حديث عبادة بن الصامت المتقدم، عن النبي r قال:” اسمع وأطعْ في عُسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك، وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك “. فيشكل عليك قوله ” وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك “، فإن وقفت على الحديث الآخر الذي يرويه أيضاً عبادة بن الصامت، لذهب عنك الإشكال، وهو قوله كما في الصحيحين:” بايَعَنا رسول الله على أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومةَ لائمٍ “. ومن القول بالحق أن تقول للظالم، أيّاً كان هذا الظالم أنت ظالم، قد ظلمتني، أعد إلي حقي .. تسمع وتطيع الطاعة العامّة التي تمنعك من الخروج بالقوة والسيف على من ظلمك من حكام المسلمين، لكن لا تمنعك من أن تصدع بالحق في وجه من ظلمك من الحكام، وأن تقول بالحق، ولا تخاف في الله لومةَ لائمٍ .. فهذا لا يتعارض مع ذاك، وأحدهما لا يلغي الآخر.

وإن كان الحاكم المسلم شديد الظلم والسّفه، ثم لا ينتصح، ولا يحب الناصحين، بل يسجن ويعاقب الناصحين المصلحين .. فحينئذٍ إن منعك الشارع من الخروج عليه بالقوة والسيف، وأن تبقى مع الجماعة ضمن الطاعة العامّة، دفعاً لمفسدة الخروج عليه بالسيف، والتي قد تعظم مفسدة بقائه على سدة الحكم .. فإنه لا يمنعك من لعنه، واعتزاله، والدعاء عليه، والتحذير منه، كما في الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:” شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ” قالوا: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال:” لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة ..” مسلم. فنهاهم النبي r عن الخروج عليهم بالقوة، ومنابذتهم بالسيف، وعن الخروج من مطلق الطاعة العامة .. لكن لم ينههم عن لعنهم وبغضهم .. بل عدّ لعن المؤمنين وبغضهم  لهم علامة على أنهم من شرار الأئمة والولاة!

ونحوه، قوله r:” يليكم عمالٌ من بعدي؛ يقولون ما يعلمون، ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهراً، ثم يليكم عمال من بعدي يقولون ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم، ووازرهم، وشدَّ على أعضادهم، فأولئك قد هلكوا وأهلكوا، خالطوهم بأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسيء “[[11]]. أي من الحكام والأمراء.

وقوله r:” ليأتين عليكم أمراء يقربون شرارَ الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منهم فلا يكونن عريفاً، ولا شرطياً، ولا جابياً، ولا خازناً “[[12]]. والخازن كل من يتولى إدارة خزائن الدولة، الصغرى منها والكبرى.

وقوله r:” اسمعوا هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولستُ منه، وليس بواردٍ عليَّ الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه، وهو واردٌ علي الحوض”[[13]]. وغيرها كثير من النصوص التي تفيد أن الطاعة العامة التي تمنع من الخروج بالقوة والسيف على الولاة .. إلا أنها لا تمنع من مناصحتهم، وقول الحق لهم، وإنصاف الحق منهم .. بل ولعنهم، واعتزالهم، والدعاء عليهم إن لزم الأمر، ووجدت الدواعي لذلك .. وهذا المعنى قد تجسد في سلوك سلفنا الصالح، وعلمائنا الأوائل، وطريقة تعاملهم مع الولاة والسلاطين؛ فهم من جهة كانوا يخاطبونهم بألقاب الأمراء والولاة، وأحياناً بلقب أمير المؤمنين .. ومن جهة أخرى يصدعون بالحق والمعروف، ويأمرونهم بالحق، وينهونهم عن المنكر، ويسعون في إنصاف الحق والمظلوم منهم .. وقد أدى ذلك إلى سجن بعضهم، وقتل بعضهم الآخر من قبل سلاطين الجور والظلم.

فإن قيل: كيف نفهم ونفسر قوله صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ ” متفق عليه. وفي رواية:” “من أُرِيدَ مالُه بغيرِ حَقٍّ فقاتلَ فَقُتِلَ فهو شَهيدٌ”[[14]]؟

أقول: هذا حديث صحيح السند، صحيح الدلالة، نفهمه ونفسره، وفق النقاط والضوابط التالية:

1- لا يمكن أن يكون المراد من الحديث توجيه الفرد إلى قتال الدولة، أو الحاكم المسلم ــ الذي يملك الجيوش والقوة، والعتاد، والأسلحة الفتاكة ــ والخروج عليه بالقوة والسيف، لمجرد أن أخذ الحاكم بعض ماله بغير حق .. فهذا بالنقل والعقل لا يُقبل، كما أنه واقعاً غير ممكن التحقيق والتنفيذ .. وحاشا نبينا صلى الله عليه وسلم أن يأمر أمراً يتنافى مع النقل، والعقل، والواقع!

2- يُحمل الحديث على الأفراد؛ في حال أراد فرد أن يعتدي على مال فردٍ آخر، أو مجموعة أفراد لصوص أو قطاع طرق، ونحوهم، أرادوا أن يعتدوا على قافلة أو أموال أفراد مقابلين، ومكافئين لهم .. يوضح هذا المعنى الحديث الذي أخرجه النسائي، عن مُخَارِق بن سُلَيْم، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ r، فقال: الرجلُ يأتيني فيريدُ مالي ــ أي يريد أن يأخذَ مالَه عنوة بغير وجه حق ــ؟ قال صلى الله عليه وسلم:” ذَكِّرهُ بالله “، قال: فإن لم يَذكُر؟ قال:” فاستعِن عليه مَن حولَك من المسلمين “، قال: فإن لم يكن حولي أحدٌ من المسلمين؟ قال:” فاستعِن عليه بالسُّلطان “، قال: فإن نَأى السلطانُ عني؟ قال:” قاتِلْ دونَ مالِك؛ حتى تكونَ من شُهداءِ الآخرةِ أو تمنع مالَكَ “[[15]]. وهذا التدرج ــ الذي يوجهنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم ــ هام جداً في تصعيد المواجهة مع المعتدي، لا بد من الانتباه إليه، والعمل به عند رد عدوان المعتدي، إذ لا يجوز اللجوء إلى القتال قبل نفاد المراحل التي تتقدم القتال، والتي أشار إليها الحديث.  

3- يُشرع القتال دونَ المال في حال رجحان إمكانية منعه وحمايته من المعتدين، بما لا يقل عن 50 %، فإن قُتِل فهو شهيد .. أمّا إن قلّ الاحتمال عن ذلك، أو عُدم، بحيث كان المعتدون كثر، ومدججون بالسلاح، والمعتدَى عليه فرد وأعزل .. وكان منع ماله منهم مستحيلاً .. حينئذٍ لا يُشرَع قتالهم؛ لأنه لو قاتلهم بمفرده فقد نفسه وماله، وأن يُبقي على نفسه دون ماله، خير من أن يُذهق ماله ونفسه معاً، ومن دون مقابل!

4- جميع الدول والحكومات، بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين .. لا تخلو من بعض المظالم، والانحرافات، وأخذ الأموال من الناس بغير حق، بطرق مختلفة، ودرجات متفاوتة .. ولو شُرع قتال الدول والحكومات لمجرد أي مظلمة تقع، أو أخذ للمال من الناس بغير حق .. لما استتب نظام ولا حكم .. ولا عرف الناسُ الاستقرار، والأمن والأمان .. ولعاش الناس طيلة حياتهم أزمات وفوضى الثورات والحروب .. ولتحققت من المظالم والمفاسد من جراء ذلك أضعاف ما يُرَاد إزالته والانتصاف له .. فالظلم يُزال، لكن لا يزال بظلمٍ مثله أو أكبر منه.  

أخرج البخاري في صحيحه، عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبيَّ r يقول:” يُنصب لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة “، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يُبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم يُصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه “.

قال ابن حجر في الفتح: في هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع في الفسق ا- هـ. 

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم 12/229: وأما الخروج عليهم ــ أي الأئمة ــ وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق . وقال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر من بقائه ا- هـ.

وقال ابن تيمية في الفتاوى 14/472: لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه؛ ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المحرمات، وترك واجب أعظم مما يحصل بفعل المنكر والذنوب .. والأئمة لا يُقاتَلون بمجرد الفسق وإن كان الواحد المقدور قد يُقتل لبعض أنواعِ الفِسق؛ كالزنا وغيره، فليس كلما جاز فيه القتل، جاز أن يُقاتل الأئمة لفعلهم إياه؛ إذ فساد القتال أعظم من فساد كبيرة يرتكبها ولي الأمر ا- هـ.

قلت: في حال كان الحاكم شديد الظلم، والفسوق، والسّفه .. ولم يعد مأموناً على الدين، والبلاد والعباد .. وأبى أن يرحل إلا بالقوة .. وكان الخروج عليه ممكناً، وأقل كلفة وضرراً من بقائه وإقراره في الحكم .. فحينئذٍ النصوص الشرعية توجب الخروج عليه بالقوة، كما بينا ذلك في مقالتنا الهامّة ” فصل الكلام في مسألة الخروج على الحكام “.

5- عدم قتال السلاطين والحكام والولاة، من أجل أخذهم للمال بغير حق .. لا يعني السكوت عليهم، وعلى ظلمهم .. لا؛ بل يجب الإنكار عليهم .. وبيان خطئهم وظلمهم .. كما أن لصاحب الحق المعتدى عليه، وعلى ماله، أن يقصد الحاكم في مقره، ويصدع بالحق أمامه .. ويطالبه باسترداد حقه وماله الذي أخذ منه بغير حق .. أو يشكوه إلى القضاء، إن وجد القضاء العادل المستقل .. كل هذا جائز ووارد .. فالصبر على عدم الخروج بالقوة والسيف لا يعني ولا يلزم منه الصبر على عدم الإنكار على الظالم ظلمَه .. فإن قتله الحاكم من أجل ذلك، فهو شهيد، ويحمل عليه الحديث الآنف الذكر أعلاه:” مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ “. كما يُحمَل عليه الأحاديث التي تقدَّم ذكرها، والتي منها، قوله r :” سيد الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاهُ فقتله “. وقوله r:” أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر “. وقوله r:” أحب الجهاد إلى الله كلمة حقٍّ تُقال لإمام جائر “. فالإسلام كما يربي أفراده على السمع والطاعة في الحق والمعروف .. فإنه يربيهم على العزة، والكرامة، والإباء.  

هكذا نفهم الحديث .. وهكذا نفسره .. فإن أصبت فالفضل كله لله، والحمد لله .. وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله .. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

عبد المنعم مصطفى حليمة

” أبو بصير الطرطوسي “

23/2/1442 هـ. 10/10/2020

www.abubaseer.bizland.com

 

 

 

 

 

 



[1] أخرجه أبو داود، وأحمد، السلسلة الصحيحة:791. 

[2] أخرجه أحمد، وابن حبان، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج:1074.

[3] صحيح سنن الترمذي:1762. 

[4] أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة:168.

[5] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة:491.

[6] أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة:491.

[7] أخرجه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع:168.

[8] أخرجه أحمد، وابن ماجة، وابن حبان، السلسلة الصحيحة:2324.

[9] السلسلة الصحيحة:752.

[10] مشكاة المصابيح، وصححه الشيخ ناصر في التخريج:3696.

[11] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة:457.

[12] أخرجاه ابن حبان، السلسلة الصحيحة:360.

[13] صحيح سنن الترمذي:1843.

[14] صحيح سنن الترمذي: 1174.

[15] صحيح سنن النسائي: 3803.

 



Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.