موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

مسألة التدرّج في تطبيق الشريعة

0 480

        الناس في هذا الموضوع ثلاثة فرقاء: فريق جنح للإفراط والغلو؛ يريد تطبيق الشريعة كاملة من يومه، ودفعة واحدة، من غير مراعاة للأسباب، وللقدرة، ولما هو ممكن، وما هو غير ممكن .. وإلا فأنت عنده متّهم في دينك!

          وفريق ثانٍ جنح للتفريط والجفاء؛ وتخلّف عن الممكن والمقدور عليه من أحكام الشريعة، بذريعة التدرّج في تطبيق الشريعة .. وهذا الفريق والذي قبله مخطئان، وهما يُخالفان السنن، وصحيح المنقول، وصريح المعقول معاً .. فحظهما من تطبيق الشريعة، الوقوف عند الشعار وحسب!

          وفريق ثالث، وهو وسط بينهما؛ من غير إفراط ولا تفريط، وهو الحق الذي لا ريب فيه، الذي يوافق صحيح المنقول، وصريح المعقول .. وصفته تكمن في مراعاة التدرج بحسب الإمكان، والقدرة .. فما كان مقدوراً عليه أنجز من فوره من غير إرجاء ولا تعطيل .. وما تم العجز والقصور عن إدراكه وتحقيقه، أو كان في تنفيذه مفسدة راجحة ظاهرة .. يُنشَطُ للعمل والإعداد ــ قدر المستطاع ــ لدفع العجز، وتحقيق القدرة .. وإزالة المعوقات .. وتوفير الظرف المناسب والمطلوب من أجل تحقيق وإنفاذ الممتنع من الشرع بسبب العجز وانتفاء القدرة.

          وذلك أن أحكام الشريعة كلها منوطة بالاستطاعة .. وأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها وطاقتها، كما قال تعالى:[ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم ]التغابن:16. وقال تعالى:[ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ]البقرة:286. قال ابن كثير في التفسير: أي لا يُكلَّف أحدٌ فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم ا- هـ.

          كذلك قوله تعالى:[ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ]الحج:41. فعلى قدر التمكين يكون الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .. فالأمر، والنهي ـ كمّا ونوعاً ـ مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالتمكين، ودرجة التمكين .. فيجب على القوي الممكن، ما لا يجب على الضعيف غير الممكن.  

          وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم” متفق عليه.

          وعن عبد الله بن عمر، قال: كنا إذا بايعنا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على السمعِ والطاعةِ يقول لنا: “فيما استطعتُم” البخاري.

          وقال صلى الله عليه وسلم: “فاكلَفوا من الأعمالِ ما تُطيقونَ”. وفي روايةٍ: “فاكلَفوا ما لكمْ به طاقةٌ” مسلم.

          والقاعدة الفقهية، تنص على أن: “الميسور لا يسقط بالمعسور”.

          قال الإمام الشافعي رحمه الله:” فالله تعالى يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه، فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه، فيعذبه، فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة، وقد علم الله ذلك منه، ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطيعه “.

          وقال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام 2/5: إن من كلف بشيءٍ من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه ا- هـ.

          وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى المسلمين في الأمصار: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص. البخاري.

          فقوله رضي الله عنه: “فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها”، يعني إلى تاريخ كتابة كتابه هذا لم يكن قد بينها كلها لهم .. كما لم يكن للمسلمين قد عملوا بمجموعها .. وهو الخليفة العادل والعام على المسلمين.

          كذلك يُروى عن ولده عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز أنه قال لأبيه عمر: يا أبتِ، مالك لا تنْفُذُ في الأمور، فو الله لا أبالي في الحقِّ لو غلَت بي وبك القُدور؟! قال له عمر: لا تعجَل يا بُني، فإنَّ الله تعالى ذمَّ الخمرَ في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وأنا أخافُ أن أحمل الناسَ على الحق جملة، فيدفعوه وتكون فتنة ا- هـ.

          وبالتالي فمن قصّر في تطبيق أحكام الشريعة فيما هو قادر عليه، طاله الإثم والحرَج .. ومن كان تقصيره ناتجاً عن انتفاء للقدرة والاستطاعة .. مع العمل وبذل الجهد المستطاع على تحصيل القدرة المطلوبة .. فهذا ليس عليه حرج، إن سدّد وقارب، واتّقى، وأخلص النصح لأمته ودينه.

          هذا الفقه ــ بضابطه الآنف الذكر ــ نحتاجه في سعينا نحو التغيير، وإقامة دولة الإسلام، وفي تعاملنا مع الشعوب .. وأخذهم بالرفق والحكمة ما أمكن لذلك سبيلاً .. فمن استعجل شيئاً قبل أوانه أفسده وعُوقِب بحرمانه .. وبخاصة عندما يكون قد مضى على الناس عقود وهم تحت حكم الطاغوت؛ يحكمهم ويسوسهم بالكفر، والتجهيل، والتركيع، والإذلال، والقهر، والخوف، والفقر .. إذ لا بد من أن يمروا ــ بعد التحرير ــ بمرحلة نقاهة وعلاج .. وتعليم، وتدريب .. كأي مريض يحتاج إلى فترة نقاهة بعد مرضه .. حيث لا يمكن أن تحمله على ما تحمل عليه الصحيح من أول يومٍ يمتثل فيه للشفاء .. كما لا ينبغي للصحيح أن يستعلي على السقيم، فيُصدر بحقه أحكاماً بغير حق، ولا تثبت، وليتذكر أنه كان يوماً من الأيام سقيماً مثله، فشفاه الله، وهداه للإيمان، كما قال تعالى:[ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ]النساء:94.

 

Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.