موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

دَاءُ الكِبْر

0 312

     الكِبْرُ داءٌ خطير؛ وهو من شطرين: شطره الأول؛ تسفيه الحقِّ، والاستخفاف به .. تخطئة الحق، واعتباره باطلاً .. رد ورفض الحق، والتَّعالي عليه، والنأي بالنفس عنه. والشطر الثاني؛ احتقار الخلق، وازدرائهم، وانتقاصهم، والتَّعالي عليهم، والاستخفاف بهم .. فمن اجتمع فيه الشطران؛ فهو متكبر جلد، وهو المراد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن الكِبر، فقال: “الكِبْرُ سفَهُ الحقِّ، وغَمصُ النَّاسِ”، وفي رواية: “الكِبرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغمصُ النَّاس”.

والكِبرُ درجاتٌ ومراتب؛ منه الصَّريح، والواضحُ، والجلي؛ وهو لا يخفى على عامّة الناس، ومنه الخفي، والصغير، والمتشابه، وهو ما قد يخفى على خواصِّ النّاس، فضلاً عن عامتهم .. فيقعون في بعض صور الكِبْر وهم يدرون أو لا يدرون!

من الصور الخفيّة للكِبر: أن تردّ الحقّ لو جاءك ممن تكره .. وتصر على الباطل نكاية فيمن تكره .. وأن تصدك العداوة عن إنصاف الحق عند من تعادي، وتكره.

ومنها؛ إن جاءك الحق مشوباً بالباطل؛ فتردهما معاً؛ فترد الحقَّ كما ترد الباطل، وتتعامل مع الحق كما تتعامل مع الباطل.

ومنها؛ أن تحب أن تكون ناصحاً أكثر مما أن تكون منصوحاً .. فتحب النصيحة، ولا تحب النّاصحين.

ومنها؛ أن تجد في نفسك شيئاً على من ينصحك، وينصف الحقَّ منك، فتكره منه أن يشير إلى خطئك .. وتكره منه أن يقول لك: أخطأت، فأسأت، فاتق الله .. فتكره أن تسمع منه كلمة “اتق الله”، فلا تحب من يهدي إليك عيوبك ونواقصك، مهما كان رفيقاً في بيان عيوبك ونواقصك.

ومنها؛ أن تحب المدائحَ أكثر من النصائح، والمَدَّاحين أكثر من الناصحين.

ومنها؛ أن تغضب لنفسك أكثر مما تغضب للحق.

ومنها؛ أن ترد الحقَّ، وتستخف به؛ لكونه جاءك ممن هو أصغر منك علماً، وسِنَّاً .. ولكونك مشهور، ومخالفك وناصحك مغمور.

ومنها؛ أن تجد في نفسك حرجاً أن تتراجع عن خطئك، أو أن تعترف بخطئك، وترى في ذلك منقصةً لك.

ومنها؛ أن ينتابك الشعور بالتعالي، وأنك الأفضل من بين المسلمين، ومن بين أقرانك، وأنه يحق لك عليهم، ما لا يحق لهم عليك .. وأن مكانك بينهم أن يسمعوا منك، لا أن تسمع منهم .. فإذا دخلت مجلساً انتابك شعور بأنك المميز، والأفضل من بين الجلساء، والمجتمعين.

ومنها؛ أن تحملك النعمة على التعالي على الضعفاء، والفقراء .. والاستخفاف بحقوقهم.

ومنها؛ أن تتمنى لو جاء الحقُّ موافقاً لهواك، واختياراتك.

ومنها؛ أن تبحث عن دليلٍ ــ مهما كان ضعيفاً ومتشابهاً ــ تنصر به اختياراتك .. فتكون مع الدليل الذي يوافق اختياراتك، أكثر من الدليل الذي يخالف اختياراتك .. فتُسَر للأول أكثر مما تُسَر للآخر.

ومنها؛ أن تجد حرجاً في أن تعزو فائدة استفدتها إلى أصحابها، وبخاصة إن كان أصحابها أقراناً لك، أو أقل منك تحصيلاً .. فهذه الصور وغيرها، كلها تدخل في معنى الكِبر، وهي متفاوتة فيما بينها من حيث الوضوح والظهور، لكن مهما دقَّت، وصغرت، فالكِبر جد خطير، حتى الذَّرَّةَ منه خطيرة جداً، قد تحرم صاحبها من دخول الجنَّةِ، كما في الحديث الصحيح: “لا يدخلُ الجنَّةَ من كانَ في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من كبرٍ”؛ فالحديث دلّ أن من الكِبر ما يكون واضحاً، وحجمه كالجبال، ومنه ما يكون خفيّاً، وحجمه كالذَّرة .. وهذا يستدعي إلى فقهٍ، ومتابعةٍ، ومُراقبة .. أعاذنا اللهُ وإياكم من الكِبر؛ كبيره وصغيره!

 

Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.