موقع ملتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح بعيداً عن التعصب

منهج القرضاوي

0 141

 مَنْهَجُ القرضاوي

WORD     PDF

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

          فقد وقفت على مقالة لأخ فاضل، منشورة في صفحته على ” التلغرام “، يتكلم فيها عن منهج القرضاوي فقال:” منهج شيخنا القرضاوي حفظه الله، يتحدّث عن ذلك بنفسه فيقول:” منهجي طوال حياتي: أن أبني ولا أهدم، وأن أجمع ولا أفرق، وأدع كل امرئ وما اختار لنفسه، لا ألزم الناس برأيي واجتهادي، ولا يلزمونني برأيهم واجتهادهم، وإذا كان الله تعالى قد أمر رسوله الكريم أن يقول للكافرين:[ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ]. فكيف لا أقول لإخواني العلماء: لكم اجتهادكم ولي اجتهادي! لي عملي ولكم عملكم؟!“.

          ثم عقَّب الأخ فقال:” ما أعظمه من منهج لو تلمّس خطاه المسلمون جميعاً “!- هـ.

          وأنا أقول: ما أضله وأميعه من منهج .. منهج ” عَنْكَلِيزي “؛ غامض، متشابه، حمّال أوجه، ومعانٍ، وتفاسير، وإليكم برهان ذلك.

          قال القرضاوي: ” منهجي طوال حياتي: أن أبني ولا أهدم “.

          قلت: لا يصح بناء من غير هدم، وقوله هذا بخلاف الحق، بخلاف منهج الإسلام القائم على الهدم والبناء؛ هدم الشرك وبناء التوحيد، هدم الظلم وبناء صرح العدل، هدم الباطل وبناء صرح الحق .. هدم دولة الظلم والباطل والطغيان والفساد، وبناء دولة الحق، والعدل والإيمان .. قال تعالى:[ وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ]الإسراء:81. [ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ]الأنبياء:18. وقوله [فَيَدْمَغُهُ ]؛ أي فيُذهبه ويُذيله. ومن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ” الماحِي “، كما في الحديث الصحيح المتفق عليه، قال صلى الله عليه وسلم:” أَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ “.

          ثم إذا كان القرضاوي لا يؤمن ولا يرى الهدم، فما معنى وما قيمة تأييده للثورات المعاصرة، القائمة على مبدأ هدم أنظمة الظلم والطغيان والفساد، وبناء أنظمة الحق، والعدل، والإيمان …؟!

          ما معنى وما قيمة تأييده للثورة السورية ــ الذي ظل دهراً وسنين طويلة مؤيداً للنظام الأسدي المجرم الطائفي، ولحزب الشيطان، ولآيات الرفض في قم وإيران ــ والثورة ما قامت إلا لهدم نظام الظلم، والطغيان، والفساد، والإجرام أولاً …؟!

          قال:” وأن أجمع ولا أفرق “.

          قلت: يجمع بين مَن ومن، ولا يفرق بين مَن ومن؟! .. تركها غامضة مبهمة حمالة أوجه وتفاسير، على طريقة ومبدأ ” حزب العَنْكَلِيز “؛ ليقتات بها أهل الباطل والظلم والأهواء .. ثم أن قوله هذا بخلاف الحق؛ فالإسلام كما نص على اجتماع كلمة المسلمين ووحدتهم، فإنه فرق بين الحق وأهله من جهة وبين الباطل وأهله، وبين الإيمان وبين الكفر، وبين التوحيد وبين الشرك .. بين الظلم وبين العدل .. بين الظالم وبين المظلوم .. وبين المنافقين وبين المؤمنين، وبين السنة وبين البدعة، قال تعالى:[ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ]الفرقان:1. والفرقان؛ هو القرآن، سمي فرقاناً؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، وفرق بين الكفر والإيمان، وبين التوحيد وأهله من جهة وبين الشرك وأهله. وقال تعالى:[ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ]الممتحنة:4. [ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ]الرعد:16. [ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ]القلم:35-36. [ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ]التوبة:67. [ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ]التوبة:71. فالمؤمنون والمؤمنات لا يجتمعون مع المنافقين والمنافقات. [ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ ]آل عمران:28. [ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً ]الكهف:102. [ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ]الجاثية:21. وغيرها كثير من الآيات التي تفرق بين المؤمنين، وبين غيرهم من الكافرين والمنافقين.

          قال:” وأدَعْ كلَّ امرئ وما اختارَ لنفسِه “.

          قلت: تدعه وإن اختار لنفسه الإلحاد والكفر، والظلم، والشذوذ، والارتداد عن الدين والإيمان، وعبادة الأوثان، وممارسة المنكرات والموبقات، والفسوق والعصيان …؟!

          إذا كان الأمر كما يقول القرضاوي .. فعلام أرسل الله تعالى الرسل، وأنزل الكتب، والميزان، والحديد، وشرع الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..؟!

          ألم تقرأ يا قرضاوي قوله تعالى:[ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ]الحج:41. وغيرها عشرات الآيات التي تحض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

          ألم تقرأ قوله صلى الله عليه وسلم:” مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ “مسلم. وغيره عشرات الأحاديث التي تحض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!

          كلمات القرضاوي أعلاه دعوة صريحة للإباحية العقدية والفكرية الدينية، والإباحية الأخلاقية العملية .. هكذا سيتلقاها وسيترجمها الإباحيون، الليبراليون، والحداثيون، وهكذا سيتعامل معها أهل البدع

الأهواء!

          قال:” لا ألزم الناس برأيي واجتهادي، ولا يلزمونني برأيهم واجتهادهم “.

          قلت: هذا ليس صحيحاً على إطلاقه؛ فالاجتهاد الموافق للنص وللشرع المنزل مُلزم لجميع الإطراف .. وإذا كان مطلق الاجتهاد لا يفيد الإلزام لكان الاجتهاد عبثاً، وجوده وعدمه سواء!

          ويُقال أيضاً: الاجتهاد المخالف للنص وللشرع المنزّل، والموافق للشرع المبدّل، والإحداث في الدين ما ليس منه، مردود عليه وعلى صاحبه .. يُبالُ عليه .. يُنكر عليه وعلى صاحبه كما ينكر على صاحب أي منكر .. فلا يطمع القرضاوي ولا يتوقع من وراء كلماته هذه أن يسكت أهل العلم عن شذوذاته وانحرافاته التي تدخل في خانة الشرع المبدل، والمعارض للشرع المنزل .. تحت عنوان وزعم أنه اجتهاد، وأن صاحبه مجتهد .. ولو سمحتم اتركوني لحالي، ولاجتهادي، ولا تلزموني باجتهادكم ..؟!

          هذا دين الله، فلا يُسمح لمن هب ودبّ أن يوقّع عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم .. فيُضل الناس عن دينهم الحق .. ثم يقول: اتركوني لحالي، لا أنا ألزمكم باجتهادي، ولا أنتم تلزمونني باجتهادكم؟!

          قال:” وإذا كان الله تعالى قد أمر رسوله الكريم أن يقول للكافرين:[ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ]. فكيف لا أقول لإخواني العلماء: لكم اجتهادكم ولي اجتهادي! لي عملي ولكم عملكم؟!”.

          قلت: هذا قياس فاسد وباطل، مردود عليه؛ فلا يجوز أن يقيس علماء المسلمين المجتهدين على الكافرين، كما لا يجوز أن يقيس اجتهاد مجتهدي أهل الإسلام على دين الكافرين، ليقول لعلماء الإسلام المجتهدين: لكم دينكم واجتهاداتكم، ولي ديني واجتهاداتي .. كما يقال للكافرين:[ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ]؟!

          ثم صَوناً للدين من شر البَلاعِمَة، ومن شر التحريف والتزوير، أو إنقاص شيء منه، أو إضافة شيء عليه، مما لا يجوز إضافته، أو أن ينسب إليه ما ليس منه .. كان العلماء على مر العصور يردون على بعضهم البعض، يُخَطِّئون ويُصوبون .. ويردون على أهل البدع والأهواء .. وما قال أحدهم للآخر ما يقوله القرضاوي في هذا الزمان:” لكم اجتهادكم ولي اجتهادي! لي عملي ولكم عملكم “!  

          ثم قوله ” لي عملي ولكم عملكم “، لا تُقال للمؤمنين، وبخاصة للعلماء المجتهدين منهم، وإنما تُقال للكافرين المكذبين، كما قال تعالى:[ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ]يونس:41.

          كما أن ديننا قائم على النصيحة، والتواصي بالحق، كما في الحديث الصحيح:”  الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ ” مسلم.

          وفي رواية عند النسائي:” إن الدينَ النصيحةُ، إن الدينَ النصيحةُ، إن الدينَ النصيحةُ. قالوا: لمَن يا رسولَ اللهِ؟ قال: للهِ، ولكتابِه، ولرسولِه، ولأئمةِ المسلمين، وعامَّتِهم “. وتكرار عبارة ” إن الدينَ النصيحةُ ” ثلاثاً في الحديث، يفيد التوكيد على أهمية النصيحة في دين الله .. والسؤال: كيف نحيي هذا المعنى الهام والعظيم في دين الله تعالى مع قول القرضاوي الآنف الذكر .. وإذا قال كل منا للآخر:” لكم اجتهادكم ولي اجتهادي، لي عملي ولكم عملكم “؟!

          قد ينبري المتعصبون للقرضاي، الذين تنقطع بهم الحجج والسبل في الجدال عنه، فيُطالبون بشق البطون والقلوب، وتحري مقصد الرجل فيما قال ويقول …؟!

          ولهؤلاء أقول: أنا هنا أحاكم وأناقش ظاهر كلماته .. وكما يفهمها القارئ .. فنحن لم نؤمر بالنبش والشَّق عما في القلوب والبطون .. ولا طاقة لنا بأن نشق عن القلوب والبطون .. وإن كان ظاهر القول في كثير من الأحيان يكون صادقاً في التدليل والتعبير عن الاعتقاد، وعما يُضمَر في الباطن .. وإن كان لهم دالّة على الرجل فليسألوه عن مقصده .. وماذا يريد من كلامه .. لنسمع منه حديثه ” العنكليزي ” المتكرر، عن الظاهر والباطن .. وعن المقاصد .. فإن أخذته بظاهر قوله، قال لك: لي باطن ومقصد لم تفهمه .. وإن أخذته بباطنه واعتقاده .. قال لك: لي ظاهر من القول لم تفهمه .. فيُحيلك إلى الشيء وضده؛ إن أردت الشيء أحالك إليه، وإن أردت ضده أحالك إليه!

          لماذا لم تطالبوه بأن يكتب ويعبر بطريقة محكمة لا لبس فيها ولا غموض، ولا مورد فيها للاحتمالات والتفسيرات المتغايرة والمتناقضة .. وبخاصة عندما يتكلم ويعبر عن منهجه في فهمه لهذا الدين؟!

          قال صاحبنا المعجب بمنهج القرضاوي:” ما أعظمه من منهج لو تلمّس خطاه المسلمون جميعاً “.

          أقول لهذا الأخ الفاضل: كيف لأخ نبيه مثلك يرضى لنفسه أن يروج لهذا الرجل، ولمنهجه الباطل والضال، ويصنع له ولمنهجه الدعاية في صفحاته ..؟!

          كيف لأخ نبيه مثلك تفوته مثل هذه المآخذ، والمثالب على منهج الرجل، الآنفة الذكر، والواردة أعلاه ..؟!

          نسأل الله تعالى الثبات، وأن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه .. إنه تعالى سميع قريب، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

عبد المنعم مصطفى حليمة

” أبو بصير الطرطوسي “

3/11/1442 هـ. 13/5/2021

www.abubaseer.bizland.com

Facebook Comments Box
Leave A Reply

Your email address will not be published.